"سوريا ليست أولوية".. لماذا تتعامل أميركا ببرود وحذر مع الرئيس أحمد الشرع؟

مصعب المجبل | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

يشهد الموقف الأميركي من الإدارة السورية الانتقالية نوعا من البرود في العلاقة بخلاف الموقف الأوروبي الأكثر انفتاحا وتعاطيا مع التغيير الكبير بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد الاستبدادي.

 وقد أطاحت فصائل المعارضة السورية بعد توحدها في غرفة عمليات واحدة، بشكل غير متوقع بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، مما أدى إلى هروب الديكتاتور إلى روسيا.

“نراقب أفعالهم”

وكون سقوط الأسد حدث على زمن إدارة الرئيس السابق جو بايدن، فقد قال الأخير فور هروب الأسد إنه بات أمام السوريين فرصة للنهوض ببلادهم.

إلا أن بايدن قال "سنبقى يقظين"، مشيرا إلى أن "بعض جماعات التمرد لديها سجل في الإرهاب". وأضاف: "نتابع تصريحات القادة السوريين الجدد وهي تبدو جيدة حتى الساعة ونراقب أفعالهم أيضا".

لكن الرئيس الجديد دونالد ترامب، قال: إن أميركا لا ينبغي أن تتدخل في الاستيلاء المفاجئ وما يليه. وأوضح أن بلاده ستتخذ قررا بشأن سوريا، دون أن يفصح عن شيء بخصوص ذلك.

وأضاف ترامب نهاية يناير 2025: "لسنا منخرطين في سوريا، فهي لديها مشاكلها الخاصة، ولديهم ما يكفي من الفوضى. لا حاجة إلى تدخلنا هناك".

ويبدو أن واشنطن لا تزال تراقب المنعطف الذي حدث في الشرق الأوسط بسقوط نظام بشار الأسد.

ففي 13 فبراير 2025 حضر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى باريس، للمشاركة في مؤتمر دولي حول الانتقال السياسي والتحديات الأمنية والاقتصادية الكبيرة التي تواجهها سوريا.

وفي مؤتمر باريس، الذي شاركت فيه الدول العربية على مستوى وزاري فضلا عن تركيا ودول مجموعة السبع ودول أوروبية عدة، اكتفت أميركا المشاركة بصفة مراقب.

وهذا هو المؤتمر الثالث حول سوريا منذ الإطاحة بالأسد، والأول منذ تولي إدارة الرئيس دونالد ترامب السلطة في أميركا.

ولعل هذه التمثيل أعطى إشارة جلية على أن الدور الأميركي في سوريا غير واضح بعد.

فمنذ عام 2014، حينما استولى تنظيم الدولة على أجزاء من سوريا نشرت أميركا قوات مباشرة لمحاربة هذا التنظيم في عام 2015 عبر تشكيل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وهذه الأخيرة مؤلفة من عناصر عربية وكردية وآشورية.

وبحلول مارس عام 2019، أعلنت أميركا القضاء على تنظيم الدولة بسوريا، وأبقت قوات لها على الأراضي السورية، كما ما تزال تمتلك قاعدة التنف العسكرية جنوب سوريا.

ويبلغ تعداد القوات الأميركية الموجودة حاليا في سوريا حوالي 2000 جندي، وفق ما أكدت وزارة الدفاع الأميركية في 23 ديسمبر 2024.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في 16 فبراير 2025 خلال زيارته إلى إسرائيل، إن "انهيار نظام الأسد تطور مهم لكن إذا استبدلت به قوة مزعزعة أخرى فهذا يجب ألا يحصل".

وفي مؤشر على التعاطي الأميركي بحذر مع سوريا، إبقاء واشنطن على العقوبات المالية الثقيلة المفروضة على هذ البلد منذ عام 2011 للضغط على نظام الأسد المخلوع حينها ومنعه من ارتكاب الانتهاكات لحقوق الإنسان.

وفي خطوة غير كافية، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 7 يناير/ كانون الثاني 2025، تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا لمدة 6 أشهر، بهدف تسهيل استمرار الخدمات الأساسية في البلاد.

وبحسب وزير التجارة السوري ماهر خليل الحسن فإن دمشق غير قادرة على إبرام صفقات لاستيراد الوقود أو القمح أو البضائع الرئيسة الأخرى بسبب العقوبات الأميركية الصارمة على البلاد وذلك رغم رغبة كثير من الدول، ومنها دول الخليج، في توفير هذه البضائع لسوريا.

تقديم الحلفاء

وأمام ذلك، يؤكد كثير من المراقبين أنه لمنع المفسدين الخارجيين من عرقلة التقدم الديمقراطي في سوريا ينبغي إعطاء الأولوية للحاجة إلى الإغاثة الاقتصادية الفورية من خلال رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا والتي استهدفت أساسا نظام بشار الأسد المخلوع.

ومع ذلك، يمكن لإدارة ترامب تسهيل الاستثمارات الخارجية في سوريا من خلال إعادة النظر في نظام العقوبات المرهق على هذا البلد.

وبشكل عام، لا يوجد جفاء أميركي تجاه القيادة الجديدة بدمشق، حيث زارت المساعدة السابقة لوزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف دمشق في 20 ديسمبر 2024 والتقت بالشرع.

كما قالت مصادر لقناة “الجزيرة” القطرية في 8 يناير 2025 إن وفدا من الخارجية الأميركية يضم ممثلين لإدارة ترامب زار دمشق والتقى قائد الإدارة السورية الجديدة.

وضمن هذا السياق، قال وائل علوان الباحث في مركز جسور للدراسات لـ "الاستقلال": إنه "لا يوجد موقف أميركي متبلور حول سوريا بعد سقوط الأسد".

وأضاف علوان "السياسية الخارجية الأميركية لا تنظر إلى سوريا بعين الخصوصية إلا بكونها جزءا من المنطقة".

وأردف: "لذلك فإن أميركا تفضل في حالة سوريا أن تترك للحلفاء مثل دول الخليج وتركيا الهامش الواسع في الضغط والتأثير على الملف السوري".

وراح علوان يقول: "إن هذه الإستراتيجية تراها واشنطن أفضل من أن تكون لها سياسة خاصة حيال سوريا".

صبر وبراغماتية

من جانبه، يرى مايكل سينغ الذي يعمل في  الوقت الراهن كعضو معتمد من مجلس الشيوخ في مجلس إدارة معهد أميركا للسلام، أنه “على أميركا أن تتعامل مع هيئة تحرير الشام بصبر وبراغماتية وبناء على المصالح”. 

وأضاف سينغ خلال جلسة الاستماع بمجلس الشيوخ في 13 فبراير 2025: كان هذا هو النهج الذي اتبعته إدارة ترامب في ولايتها الأولى تجاه الهيئة في إدلب عندما أجرى المبعوث الخاص آنذاك السفير جيم جيفري محادثات غير مباشرة مع أحمد الشرع".

وتابع: "في تعاملاتنا مع الشرع ينبغي على أميركا البحث عن مجالات اهتمام مشتركة يمكن من خلالها اختبار نوايا هيئة تحرير الشام وبناء الثقة وتشمل هذه المجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن أمن الحدود وتهريب المخدرات والإرهاب وشبكة التهديد الإيرانية وهي أمور يقال إن السلطات السورية الجديدة قد بدأت بالفعل في العمل ضدها".

وأردف:" فيما يتعلق بقضايا الحوكمة السورية ينبغي على واشنطن أن تكون صبورة وتترك القيادة للسوريين أنفسهم. في حين أن سوريا التي تُدار بطريقة استبدادية أو طائفية من غير المرجح أن تكون مستقرة أو مزدهرة أو صديقة للغرب إلا أنه يجب على أميركا تجنب فرض رؤيتها الخاصة بشأن الشكل الدقيق للحكومة السورية أو كيفية تحقيقها".

وأشار سينغ إلى أنه "ينبغي على واشنطن اعتماد نهج تدريجي قائم على أداء الحكومة السورية الحالية فيما يتعلق بتخفيف العقوبات".

وشدد على أن "وضع الكثير من الشروط لتخفيف العقوبات خاصة تلك التي لا ترتبط بوضوح بالمصالح الأمنية الوطنية الأميركية قد يؤدي إلى نفور الحكومة السورية الجديدة ودفعها نحو المنافسين لأميركا".

وضرب سينغ مثالا بالقول:" الشرع أبدى براغماتية معينة مع موسكو وإذا لم يحصل على ما تحتاجه سوريا في مجالات الدفاع والطاقة والصناعة والقطاعات الأخرى من الغرب وبأسعار تنافسية فقد يلجأ إلى روسيا رغم دعمها السابق لبشار الأسد".

ودعا سينغ واشنطن إلى "العمل عن كثب مع شركاء أميركا في أوروبا لا سيما فرنسا وفي أماكن أخرى لضمان نهج غربي مشترك تجاه المرحلة الانتقالية في سوريا".

عملية مراجعة

في السياق أحدث قرار ترامب المثير للجدل بتجميد المساعدات الخارجية مخاوفَ في سوريا، وهي دولة اعتمدت على مئات الملايين من الدولارات من المساعدات من أميركا، خاصة أنها الآن في حاجة للدعم للنهوض مجددا.

وقد أدى تجميد تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى إغلاق العيادات التي تخدم العديد من مخيمات النازحين، كما قامت المنظمات غير الربحية بتسريح الموظفين المحليين.

وأمام ذلك، يبدو أن الإدارة الأميركية الجديدة لا تزال داخلة في عملية مراجعة بشأن سوريا، على الرغم من أن سقوط الأسد يفتح الباب أمام إمكانية تحسين العلاقات بين واشنطن ودمشق.

وقد أجاب عضو الكونغرس عن الحزب الجمهوري جو ويلسون في مقابلة مع قناة "الحرة" الأميركية في 15 فبراير 2025 على سؤال: هل تعتقد أن أميركا يجب أن تعترف بأحمد الشرع كرئيس لسوريا؟

فأجاب ويلسون قائلا: "أعتقد ذلك. أعتقد أنه حان الوقت للتشجيع بكل الطرق ورفع العقوبات".

وويلسون يترأس كذلك لجنة فرعية للشؤون الخارجية معنية بالشرق الأوسط في مجلس النواب الأميركي.

كما طُرح على ويلسون في المقابلة سؤال حول مدى الرضا عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية الجديدة؟ فأجاب قائلا “أنا سعيد جدا لرؤية عدد من المؤتمرات حول العالم؛ أحدها انعقد في باريس لعدة بلدان اجتمعت للعمل مع الحكومة الجديدة في دمشق”.

واستدرك قائلا: "لكن أريد أن أعطي الفضل للسعودية وتركيا، لقد عملتا معا، ليس للاستيلاء على سوريا أو جعلها تابعة بل لرؤية سوريا تصبح دولة حرة ومستقلة".