بعد تحذيرات مكتب التحقيقات الفيدرالي.. ما قدرة إيران على شن هجمات داخل أميركا؟

"نتائج مثل هذه العمليات يصعب التنبؤ بها"
تشهد الولايات المتحدة حاليا نقاشا حول تحذير مزعوم من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) يشير إلى احتمال قيام إيران بشن هجوم باستخدام الطائرات المسيرة على الساحل الغربي للبلاد.
وترى صحيفة "فزغلياد" الروسية أن "مجرد صدور مثل هذا التحذير يبدو وكأنه توظيف سياسي، غير أن بعض الظروف قد تمنح إيران بالفعل إمكانات تقنية ودوافع عسكرية لمثل هذه العملية".

ذريعة للحرب
أفادت وسائل إعلام أميركية بأن مكتب التحقيقات الفيدرالية أبلغ إدارات الشرطة في ولاية كاليفورنيا بإمكانية شن هجوم بواسطة الطائرات المسيرة من قبل إيران على الساحل الغربي للولايات المتحدة.
وأشار التحذير إلى أن "إيران، بدءا من فبراير/ شباط 2026، كانت تخطط لتنفيذ هجوم مباغت باستخدام طائرات مسيرة تنطلق من سفينة مجهولة قبالة السواحل الأميركية، مع التركيز على أهداف غير محددة في ولاية كاليفورنيا".
وفقا للبروتوكول، يبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي السلطات المعنية بمثل هذه التهديدات، ليس فقط على مستوى الولاية، بل أولا وأساسا على المستوى الفيدرالي.
وقد أنشئ مكتب التحقيقات الفيدرالية أصلا لهذا الغرض؛ تنسيق التعاون بين الولايات في التحقيقات الخاصة بالجرائم العابرة للحدود، ثم الجرائم ذات البعد الفيدرالي.
لذلك، ترى الصحيفة أنه "من غير الممكن تصور أن المكتب أبلغ فقط حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم -المعارض البارز لدونالد ترامب- دون أن يُطلع الرئيس نفسه على الأمر".
وتقدر أنه "في حالة ترامب، فإن مثل هذه المعلومات قد تتحول إلى ذريعة خطيرة، فالمشهد يذكر بما عرف بـ (قضية أنبوب كولن باول)، أي تقديم مبرر مباشر لشن عدوان بري على إيران".
وتشير قضية أنبوب كولن باول إلى المشهد الشهير عام 2003 حين رفع وزير الخارجية الأميركي كولن باول أنبوبا صغيرا أمام مجلس الأمن زاعما أنه دليل على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهو الادعاء الذي استخدم لتبرير غزو العراق قبل أن يتبين لاحقا أنه ملفق.
وأضافت الصحيفة: "الفرق أن الولايات المتحدة قبل غزو العراق استخدمت مزاعم امتلاك أسلحة كيميائية وبيولوجية لتبرير الحرب، أما اليوم فقد أصبحت الطائرات المسيرة هي العنوان الأبرز في الخطاب السياسي".
بناء عليه، تعتقد أنه "من الصعب تقييم مدى مصداقية هذا التقرير، فإذا كان مجرد فبركة، فإن السؤال يُطرح حول الجهة المستهدفة به".
وتابعت: "فإذا كان موجها أساسا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن الأمر يتعلق بصناعة (ذريعة للحرب) داخل الفضاء الإعلامي الأميركي".
وأردفت: "أما إذا كان الهدف هو الحاكم نيوسوم، فقد تكون اللعبة متعددة الأبعاد وتشمل أيضا محاولة تشويه صورته كمرشح محتمل عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة".
واللافت، بحسب الصحيفة، أن "المعلومات جرى تداولها على شكل تحذير نظري فقط، من دون أي تفاصيل عن توقيت الهجوم أو وسيلته أو أهدافه أو منفذيه المحتملين".
وهو ما ترى أنه "لم يكن بدافع حماية المصادر، بل على ما يبدو، بسبب افتقار مكتب التحقيقات الفيدرالي الفعلي لأي معلومات دقيق".
من جانب آخر، تنظر الصحيفة إلى آلية التحذير بوصفها "مثيرة للسخرية؛ إذ إن إبلاغ مراكز الشرطة المحلية في كاليفورنيا لا يتناسب مع طبيعة التهديد، فهؤلاء الضباط ليسوا الجهة المخولة للتعامل مع هجوم واسع بطائرات مجهولة".
واستطردت: "المشهد أقرب إلى حبكة فيلم هوليوودي من تسعينيات القرن العشرين؛ حيث يتصدى شرطيون شجعان بمفردهم للإرهاب الدولي".

سيناريو ممكن
من الناحية التقنية، تعتقد الصحيفة الروسية أن "إيران قادرة على تنفيذ ضربة ضد الأراضي الأميركية رغم أن قواتها البحرية تعرضت للتدمير الكامل".
وتابعت: "السيناريو الذي عرضه مكتب التحقيقات الفيدرالي يتضمن استخدام سفينة مدنية كمنصة لإطلاق الطائرات المسيرة، وهو أمر ممكن في ظل نظام الملاحة العالمي الحالي".
وعزت ذلك إلى أن "العديد من السفن تعمل في المحيطات العالمية بنظام يشبه استئجار السيارات، وفق مبدأ (التأجير بدون طاقم)؛ حيث يقوم الشخص المهتم بنقل شحنة معينة باستئجار السفينة فقط دون طاقم أو قائد، ودون الإعلان المسبق عن الشحنة".
ووفقا لها، "هناك مئات من ملاك السفن حول العالم يقدمون سفنهم للإيجار لأي جهة راغبة، كما يوجد ملايين البحارة العاطلين عن العمل وآلاف القباطنة المستعدين للعمل على هذه السفن عبر ما يُعرف بأسواق العمل البحرية، والتي لا تكون دائما قانونية بالكامل".
وأردفت: "علم السفينة لا يشكل أي أهمية، يمكن استئجار مثل هذه السفينة مثلا في سنغافورة، ويكون القبطان يونانيا أو هنديا، بينما يتكون الطاقم في معظمه من فلبينيين وماليزيين".
وأضافت أن "الطاقم قد يضم منفذي العملية أنفسهم، لكن يمكن تسجيلهم أيضا كركاب، أما جنسياتهم أو قومياتهم فهي اختيارية".
وأوضحت الصحيفة، في شرحها لكيفية تنفيذ إيران نظريا مثل هذا الهجوم، أن "العملية قد تبدأ بإبرام عقود وهمية لتوريد ما يسمى (بضائع معدنية) مع شركتين في مدينة سان فرانسيسكو".
وتابعت: "بالطبع، هذا يتطلب تمويلا، لكن تنظيم مثل هذه العملية ليس معقدا إلى درجة لا تستطيع فيها أجهزة الاستخبارات الكبرى التعامل معها، مثل جهاز استخبارات كوريا الشمالية".
ولفتت إلى أن "العامل الوحيد الذي يحد من التنفيذ هو الوقت؛ إذ قد تستغرق التحضيرات نحو شهرين، وهو ليس زمنا حرجا".
حيث نوَّهت إلى أنه "يمكن تسريع العملية إذا كانت الشركات الوهمية قد أنشئت مسبقا".
وبحسب تقديرها، فإنه "بهذه الطريقة يمكن حتى نقل قنبلة نووية إلى سواحل الخصم".
واستطردت: "مثل هذه السفينة لن تخضع لإجراءات التخليص الجمركي ولن تدخل إلى الميناء الرئيس أو ترسو فيه، يكفي أن تنتظر في المرسى الخارجي للحصول على إذن بالرسو، وخلال هذه الفترة يمكن تنفيذ أي شكل من أشكال الهجوم من على متنها".

شك كبير
"مع ذلك، فإن جدوى مثل هذا الهجوم بالنسبة لإيران على أهداف في كاليفورنيا أو داخل الولايات المتحدة تبقى محل شك كبير". تقول الصحيفة.
وتابعت: "أولا، ما هي الأهداف تحديدا، إذا كانت مواقع عسكرية، فإن القاعدة البحرية في سان دييغو تبدو الأكثر جذبا، فهي من أكبر القواعد الأميركية، أما مواقع تخزين دبابات "أبرامز" والمعدات البرية الأخرى فهي في صحراء نيفادا، ولا تمثل أهدافا ذات قيمة".
وأضافت: "المطارات الإستراتيجية تبدو مغرية، لكنها قليلة في كاليفورنيا، ومعظمها يقع في الولايات الوسطى، ولا يمكن للطائرات المسيرة الخفيفة الوصول إليها من الساحل".
أما الأهداف المدنية فتعتقد الصحيفة أنها " لا تدخل في الحسابات، فإيران تدرك التاريخ وتدرسه".
وأوضح مقصده قائلا: "فتجربة الهجوم الياباني المفاجئ على ميناء بيرل هاربور بأميركا عام 1941 تُظهر أن مثل هذه العمليات قد تُسبب صدمة قصيرة، لكنها في الوقت ذاته تؤدي عادة إلى تعزيز وحدة الدولة والأمة بدلا من تفكيكها، والمثال الأحدث على ذلك هو أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001".
إضافة إلى ذلك، فإن "إيران حاليا تستفيد من صورتها كضحية للعدوان، والخطاب الأيديولوجي الذي تستخدمه الولايات المتحدة وإسرائيل يقوم على أن (إيران دولة إرهابية تدعم الإرهاب حول العالم)، لذلك سيكون من غير المنطقي أن تقدم إيران على أي خطوة تؤكد هذا الاتهام".
علاوة على ذلك، تقدر الصحيفة أن "توسيع نطاق الحرب خارج الشرق الأوسط لا يخدم مصالح الجمهورية الإسلامية".
واستدركت: "لكن إذا واصل الإسرائيليون الدعوة إلى (إعادة إيران إلى العصر الحجري) وخوض حرب وجودية تستهدف القضاء على إيران كدولة موحدة، فقد تضطر طهران إلى إعادة النظر في إستراتيجيتها الدفاعية".
في المحصلة، ترى الصحيفة أن "سلوك مكتب التحقيقات الفيدرالي في هذا السياق بدا أقرب إلى الاستفزاز منه إلى التعامل مع معلومة استخباراتية حقيقية".
وأشارت إلى أنه "من جهة، يمكن عدّه أمرا إيجابيا، إذ إن أي جهاز استخبارات في العالم ملزم بالتعامل حتى مع التهديدات الافتراضية".
“ومن جهة أخرى، فإن عامل الوقت بدأ يفرض نفسه، فإطالة أمد الحرب في الخليج سيدفع الطرفين إلى استخدام أساليب غير تقليدية في القتال، والسؤال هو: من سيخرج أولا عن هذه القواعد؟” تابعت الصحيفة.
وأردفت: "قد يكون المحرك لذلك محاولة أميركية لإنزال قوات برية على الأراضي الإيرانية، مثلا في جزيرة خرج أو قرب مخازن الوقود النووي".
فبحسب رأيها، "نتائج مثل هذه العمليات يصعب التنبؤ بها، لكنها ستمنح إيران حرية أكبر في البحث عن أساليب غير تقليدية".
وفي مثل هذا السيناريو لم تستبعد الصحيفة "تصور رد إيراني عبر إطلاق طائرات مسيرة من سفن مدنية قبالة سواحل كاليفورنيا، بل وربما على امتداد الساحل الأميركي الطويل".


















