الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.. هل تعيد رسم توازنات روسيا مع تركيا؟

"روسيا تحاول إدارة الأزمة بطريقة تحافظ على مصالحها الإستراتيجية"
الهجمات الأميركية الإسرائيلية المتواصلة على إيران منذ 28 فبراير/ شباط 2026، أدّت إلى تعميق حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول توازنات القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، برز الموقف الروسي بوصفه أحد أكثر المواقف الدولية لفتا للانتباه؛ إذ حاولت موسكو الجمع بين إدانة الهجمات من جهة، وتجنب الانخراط العسكري المباشر من جهة أخرى.
ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتب سفر غيلين، قال فيه: إن هذا الموقف “يعكس سعي روسيا إلى الحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها الإستراتيجية في المنطقة وبين حسابات المنافسة ضد أميركا والقوى الكبرى”.

فاعل مؤثر
ومنذ بداية الأزمة، تبنّت موسكو خطابا واضحا في إدانة العمليات العسكرية ضد إيران.
ووصفت وزارة الخارجية الروسية هذه العمليات بأنها هجوم مسلح مخطط له ضد دولة ذات سيادة، مؤكدة أن استهداف منشآت نووية تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمر غير مقبول، ويتعارض مع قواعد القانون الدولي.
كما شدّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على أن هذه الهجمات تمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي، محذرا من تداعياتها الخطيرة على الأمن الإقليمي.
في السياق ذاته، أكّد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن موسكو “لن تكون طرفا مباشرا في الصراع”. مشيرا إلى أن روسيا “لا تعدّ هذا النزاع حربها الخاصة”.
أمّا الرئيس فلاديمير بوتين فقد دعا إلى وقف فوري للتصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، محذرا في الوقت نفسه من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة في أسواق الطاقة العالمية ويهدد أمن الطاقة الدولي.
واستدرك الكاتب غيلين قائلا: إن "الموقف الروسي لا يمكن فهمه فقط من خلال بيانات الإدانة الرسمية، بل يجب قراءته أيضا في إطار الحسابات الإستراتيجية الأوسع لموسكو".
وأضاف "فوفقا للعديد من التحليلات في وسائل الإعلام ومراكز التفكير الروسية، يتبع الكرملين في هذه الأزمة ما يمكن وصفه بإستراتيجية التدخل المحدود".
وأوضح أن "هذه الإستراتيجية تعني أن روسيا تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تحرص على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة ضد الولايات المتحدة أو الانجرار إلى صراع واسع في الشرق الأوسط".
ويعود هذا الحذر الروسي إلى عدة عوامل؛ أولها استمرار الحرب في أوكرانيا التي تستنزف جزءا كبيرا من الموارد العسكرية والسياسية الروسية، ما يجعل موسكو غير راغبة في فتح جبهة جديدة بمنطقة أخرى من العالم.
وثانيها هي أن أي صدام مباشر مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى تصعيد دولي واسع النطاق.
أما العامل الثالث فيتعلق بالحسابات الجيوسياسية طويلة المدى؛ حيث تحاول روسيا الحفاظ على دورها كفاعل مؤثر في الشرق الأوسط، وذلك من خلال الدبلوماسية والوساطة بدلا من الانخراط العسكري المباشر.
في الوقت نفسه، ترى بعض التحليلات الروسية أن الأزمة قد تحمل فرصا معينة لموسكو. يقول الكاتب التركي غيلين.
ولفت إلى أن “التوترات العسكرية في الشرق الأوسط غالبا ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما قد يزيد من عائدات الطاقة الروسية”.
وأضاف غيلين: "كما أن انشغال واشنطن بأزمة جديدة في الشرق الأوسط قد يمنح روسيا هامشا أوسع للحركة في مناطق أخرى من العالم”.
واستطرد: “بذلك قد تسمح الأزمة لموسكو بتعزيز نفوذها الجيوسياسي دون تحمل كلفة تدخل عسكري مباشر”.
زيادة النفوذ
وأشار الكاتب إلى أن "إحدى القضايا التي تحظى باهتمام خاص في التحليلات الروسية هو دور تركيا في هذه الأزمة".
فوفقا لبعض التقديرات الروسية، تمتلك أنقرة موقعا فريدا يمكّنها من لعب دور الوسيط الدبلوماسي بين الأطراف المتصارعة، في الوقت نفسه يمكّنها من التأثير في التوازنات الإقليمية.
وتشير هذه التحليلات إلى وجود اتصالات دبلوماسية مستمرة بين موسكو وأنقرة، كما يظهر ذلك في اللقاءات بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره الروسي سيرغي لافروف؛ حيث تمّ التأكيد على ضرورة حل الأزمة عبر الوسائل الدبلوماسية.
ورغم عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، إلا أنّها قادرة على اتباع سياسة خارجية مستقلة نسبيا عن الغرب. يؤكد غيلين.
وأكد أن “العلاقات التي تربط أنقرة بموسكو في مجالات الطاقة والتجارة والأمن تجعلها لاعبا قادرا على التحرك خارج الأطر التقليدية للتحالف الغربي”.
لهذا السبب يرى بعض المحللين أن "موقف تركيا قد يكون عاملا مهما في منع تحول الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين إيران وحلف الناتو".
مع ذلك، لا تخلو النظرة الروسية تجاه تركيا من الحذر، فبعض التحليلات الإستراتيجية في موسكو تشير إلى أن ضعف إيران قد يؤدي إلى زيادة النفوذ التركي في مناطق مثل القوقاز وآسيا الوسطى.
وفي هذه الحالة قد تتبنى كل من تركيا وأذربيجان سياسة أكثر نشاطا في تلك المناطق، وهو ما قد يعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية هناك.
من هذا المنظور، فإن تركيا تبدو أحيانا من منظور التفكير الإستراتيجي الروسي ليس فقط كشريك محتمل، بل أيضا كمنافس جيوسياسي يمكن أن يتحدى النفوذ الروسي في محيطه الإقليمي.

التنسيق الإستراتيجي
وقال غيلين: "إلى جانب روسيا وتركيا، تحظى بكين أيضا باهتمام كبير في التحليلات المرتبطة بأزمة إيران، فالموقف الصيني يُفهم عادة من خلال ثلاثة أبعاد رئيسة؛ التأكيد على احترام القانون الدولي، وحماية المصالح الاقتصادية، والسعي إلى تحقيق توازن جيوسياسي في مواجهة أميركا".
وأضاف "يرى بعض الخبراء في موسكو أن بكين قد تنظر إلى الأزمة أيضا كفرصة إستراتيجية، فإذا اضطرت واشنطن للتركيز على أزمة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، فقد يؤدي ذلك إلى تشتيت مواردها العسكرية والدبلوماسية وتقليل الضغط الذي تمارسه على الصين بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ".
واستدرك: “مع ذلك، تبقى الأولوية الرئيسة للصين مرتبطة بأمن الطاقة؛ إذ تعتمد بشكل كبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، لذلك فإنّ المصلحة الصينية الأساسية تتمثل في منع تصاعد الأزمة وضمان استمرار تدفق الطاقة دون انقطاع”.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى بعض المحللين الروس أن العلاقة بين روسيا والصين وإيران لا تشكل تحالفا عسكريا رسميا، بقدر ما تمثّل نوعا من التنسيق الإستراتيجي القائم على المصالح.
فالصين تركز أساسا على قوتها الاقتصادية وعلى ضمان استقرار إمدادات الطاقة، بينما تميل روسيا إلى إعطاء أهمية أكبر للتوازنات الأمنية والعسكرية، أما إيران فتسعى إلى الاستفادة من علاقاتها مع هاتين القوتين من أجل تعزيز موقعها الإقليمي ومواجهة الضغوط الغربية.
كما يشير بعض الاقتصاديين إلى أن الاضطرابات التي قد تصيب أسواق الطاقة نتيجة الحرب يمكن أن تؤدي إلى تعزيز التعاون في مجال الطاقة بين روسيا والصين.
فمع احتمال زيادة الطلب الصيني على مصادر طاقة بديلة، قد يصبح النفط والغاز الروسيان أكثر أهمية بالنسبة لبكين، وهو ما قد يفتح الباب أمام توقيع اتفاقيات طاقة جديدة بين البلدين.
وعلق الكاتب: "تكشف الأزمة الإيرانية عن تعقيد التوازنات الدولية في المرحلة الراهنة".
وأوضح أن "روسيا تحاول إدارة الأزمة بطريقة تحافظ على مصالحها الإستراتيجية دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الغرب، بينما تراقب في الوقت نفسه التحولات المحتملة في موازين القوى الإقليمية، خصوصا فيما يتعلق بدور تركيا وصعودها المحتمل في حال ضعف إيران".
وأضاف "أما الصين فهي تتعامل مع الأزمة من منظور أكثر حذرا، يركز أساسا على حماية مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة".
بذلك، وبحسب تقييم الكاتب التركي، فإن "الأزمة الإيرانية لا تعكس فقط صراعا إقليميا، بل أيضا ساحة جديدة للتنافس بين القوى الكبرى؛ حيث تتداخل الحسابات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية في رسم ملامح النظام الدولي في المرحلة المقبلة".


















