عام على الحرب مع الهند.. هل بدأت الثقة تتآكل داخل التحالف الصيني-الباكستاني؟

"هذه التطورات تضيق هامش بناء الثقة الحقيقية بين الطرفين"
رصد تقرير حديث أن عمق التنسيق العسكري الصيني-الباكستاني، الذي كان يُفترض وجوده، بدا أقرب إلى تعاون محدود منه إلى تكامل شامل.
وأوضحت مؤسسة "أوبزرفر للأبحاث" الهندية أن التنسيق الصيني-الباكستاني خلال "عملية سيندور" (الاسم الهندي للصراع مع باكستان الذي بدأ في 7 مايو/ أيار 2025 وتبعه وقف إطلاق نار في 10 مايو 2025) كان متوقعا على نطاق واسع.
وبرزت بكين كمورد رئيس للأسلحة إلى باكستان خلال العقد الماضي، وبلغت نسبة الأسلحة الصينية المنشأ في المخزون الباكستاني نحو 81 بالمئة خلال الفترة 2020-2024.
وبناء على ذلك، كان من المتوقع أن يكشف أي صراع هندي-باكستاني عن تحالف صيني-باكستاني متكامل، يفرض على الهند مواجهة جبهة موحدة وأكثر قوة.
دون التوقعات
غير أن الواقع في العام 2025، خلال عملية سيندور وبعدها، جاء دون هذه التوقعات؛ إذ تبيّن أن عمق التوافق العملياتي المفترض بين بكين وإسلام آباد كان أكثر محدودية وتفاوتا وخاضعا لتقديرات سياسية مما كان يُعتقد، وبناء على ذلك، تبنّت الهند نهجا أكثر تنوعا ودقة في ردها.
وأشار التقرير إلى أنه منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، ومع تدهور العلاقات الأميركية-الباكستانية إلى نمط من تعاون متقطع يسوده انعدام الثقة، عززت الصين موقعها بوصفها الداعم الخارجي الرئيس لإسلام آباد.
فمن خلال مبادرة “الحزام والطريق”، ضخّت بكين استثمارات ضخمة في الاقتصاد الباكستاني، موّلت بها محطات توليد الطاقة والطرق والمناطق الصناعية والبنية التحتية اللوجستية، إلى جانب مشاريع إستراتيجية مثل ميناء جوادر وما يرتبط به من تطوير للموارد.
وأضاف التقرير أنه على مدى العقد الماضي، عزز استمرار الاستثمار الصيني والدعم السياسي في المحافل متعددة الأطراف موقفَ إسلام آباد في مواجهة الهند.
ففي مجلس الأمن الدولي والمحافل الإقليمية، دأبت بكين على توفير غطاء سياسي لباكستان في قضايا تصنيف الإرهاب والأمن الداخلي، بما حدّ من هوامش التحرك الدبلوماسي أمام نيودلهي.
وفي أعقاب هجوم باهالغام، دافعت الصين عن إسلام آباد خلال اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون، رافضة إدراج الهجوم في البيان المشترك.
وأكد التقرير أن التعاون الدفاعي يمثل الركيزة الأبرز في هذه العلاقة الثنائية؛ إذ تُعد باكستان من أكبر ثلاث دول مستوردة للأسلحة الصينية إلى جانب ميانمار وبنغلاديش، وتحتل موقعا محوريا في إستراتيجية بكين للصناعات الدفاعية.
وتتيح هذه الشراكة للصين فرصة لاختبار أنظمتها في بيئة عملياتية نشطة بجنوب آسيا، وقياس قدرتها التنافسية مقارنة بالمنظومات الغربية لدى الهند.
غير أن التقرير لفت إلى أن الأداء الفعلي جاء متباينا؛ إذ أظهرت بعض المنظومات الصينية من مدفعية وصواريخ وطائرات مقاتلة أداء تشغيليا متوسطا بشكل عام، فيما واجهت أنظمة الاستشعار والرادارات والدفاع الجوي انتقادات متكررة بسبب ضعف الموثوقية وقصور التكامل.
وأكدت معطيات عملية سيندور هذا التباين؛ إذ برز أداء ضعيف نسبيا للرادارات وشبكات الدفاع الجوي وأنظمة الإنذار المبكر والتحكم الجوي ذات المنشأ الصيني في ظروف العمليات المعقدة، سواء بسبب تصميم الأنظمة أو تدريب المشغلين أو ثغرات التكامل.
وأشار التقرير إلى أن تداعيات ذلك تتجاوز الإطار العملياتي المباشر، إذ إن تضرر سمعة الصين في هذه المجالات قد يحد من فرصها التصديرية في أسواق تنافسية.
كذلك، فإن استمرار نشر أنظمة مماثلة على طول الحدود الصينية-الهندية يثير تساؤلات إضافية حول أدائها في بيئات عالية الكثافة وطويلة الأمد.

حسابات صينية
وأوضح التقرير أن الأهمية الأساسية لباكستان بالنسبة للصين تتمثل في كونها قوة موازِنة للنفوذ الغربي في مواجهة الهند.
فبكين تنظر إلى الهند بوصفها منافسا إقليميا بارزا لا خصما إستراتيجيا عالميا، وهو ما يتيح لها الاعتماد على إسلام آباد لتحويل جانب من الضغط العسكري الهندي نحو الجبهة الغربية، بما يفرض على نيودلهي تخصيص موارد عسكرية أكبر هناك ويخفف الضغط على الجبهة الشمالية المقابلة للصين.
وأضاف أن هذا التصور المشترك للتهديدات يقوم على شراكة منظمة لكنها محدودة النطاق، يتركز تعاونها في أربعة مجالات رئيسة هي: نقل الأسلحة، والتعاون في الصناعات الدفاعية، والمناورات المشتركة، وأنظمة التدريب.
كما تدعم الصين قدرات باكستان في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، بما في ذلك المراقبة عبر الأقمار الصناعية.
وأكد التقرير أن هذه العلاقة لا ترقى إلى مستوى التكامل العملياتي؛ إذ لا يوجد هيكل قيادة مشترك أو عقيدة قتالية موحدة، كما أن بكين لا ترغب في الذهاب إلى هذا الحد لأنه سيقارب شكل التحالفات الرسمية القائمة على معاهدات.
ولذلك تحرص الصين على إبقاء الشراكة في إطار الدعم الإستراتيجي، مع الحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي داخل توازنات القوى الإقليمية، وتجنبا للانخراط المباشر في أي تصعيد مع الهند أو الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن العلاقات الصينية-الباكستانية شهدت في المقابل توترا متجددا مع سعي القيادة الحالية في إسلام آباد إلى تعزيز التقارب مع واشنطن. وتركزت مخاوف بكين في جانبين.
أولهما، أن إعادة تنشيط التعاون بين باكستان والقيادة المركزية الأميركية منذ عملية سيندور أعاد إثارة الشكوك بشأن احتمال تسرب أو كشف تقنيات عسكرية صينية المنشأ.
وثانيهما أن توسع الحضور الدبلوماسي الباكستاني، ودورها في الأزمة الأميركية-الإيرانية، وجهود الوساطة، والإشادة العلنية بالرئيس دونالد ترامب، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالحصول على معدات وتدريبات دفاعية أميركية، كلها مؤشرات على إعادة توازن إستراتيجي جزئي يثير قلق صناع القرار في بكين.
وأضاف التقرير أن التوترات الاقتصادية تزيد هذه المخاوف تعقيدا؛ إذ تباطأ زخم استثمارات مبادرة الحزام والطريق، في وقت أبلغت فيه شركات صينية عن تأخيرات متكررة في السداد ونزاعات تعاقدية.
وأدت الهجمات المتكررة التي استهدفت مواطنين صينيين في باكستان إلى تفاقم المخاوف الأمنية، وفرضت ترتيبات حماية مكلفة.
وخلص التقرير إلى أن هذه التطورات مجتمعة أفرزت مستوى غير مسبوق من انعدام الثقة في علاقة لطالما اتسمت بالتقارب الإستراتيجي، مؤكدا أن المشكلة بالنسبة لبكين ليست القطيعة بقدر ما هي الموثوقية.
وتساءل التقرير: “إلى أي مدى ستبقى باكستان شريكا يمكن التنبؤ بسلوكه في ظل سعي الصين إلى مواجهة منافسة متصاعدة مع الولايات المتحدة وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في جنوب آسيا؟”

ردع موثوق
وأوضح التقرير أن قراءة أدق للعلاقات الصينية-الباكستانية انعكست على سياسة الهند تجاه الصين؛ حيث شهدت العلاقات بين نيودلهي وبكين خلال العام 2025 قدرا محدودا من الاستقرار النسبي.
وجاء ذلك عبر استئناف الرحلات الجوية المباشرة، وتسهيل إجراءات التأشيرات، وتخفيف بعض القيود على الاستثمار، واستمرار الحوار الدبلوماسي. غير أن هذه الخطوات تزامنت مع تشديد واضح في التحوط الإستراتيجي من جانب الهند.
وأشار إلى أن وضع القوات على طول خط السيطرة الفعلية لا يزال دون تغيير يُذكر، ولم ينعكس هذا الانفراج الدبلوماسي على الأرض في شكل خفض للتصعيد أو سحب للقوات.
فقد واصلت الهند الحفاظ على مواقعها الأمامية، مع تسريع تطوير البنية التحتية الحدودية، وتكثيف الدوريات، وتحديث القدرات العسكرية.
وأكد التقرير أن هذا التحول يعكس إعادة تقييم للهند لطبيعة التهديدات، حيث باتت تتعامل مع الصين بوصفها طرفا غير مباشر في المعادلة الهندية-الباكستانية.
كما أن الإمدادات العسكرية الصينية إلى باكستان، خصوصا المنصات وأجهزة الاستشعار والذخائر، يُتوقع أن تتوسع وتظهر بوضوح أكبر في أي أزمة مقبلة.
وبذلك، فإن ما كان يُنظر إليه سابقا كدعم سياسي ودبلوماسي بالأساس، أصبح يحمل بعدا عسكريا ملموسا يتجلى في المساعدات المادية وأنظمة التسليح، بدل الانخراط المباشر للجيش الصيني.
وبناء على ذلك، بات على الهند تطوير قدرات لا تقتصر على مواجهة القوات الصينية مباشرة، بل تمتد أيضا إلى التعامل مع الأنظمة الصينية الصنع المستخدمة في الترسانة الباكستانية.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن البيئة الإستراتيجية الراهنة تتحول فيها الأولوية من إدارة النزاعات إلى الحفاظ على ردع موثوق في ظل تزايد انعدام الثقة، وهو ما يضيّق هامش بناء الثقة الحقيقية مع الصين، حتى مع استمرار الطرفين في توسيع تعاونهما الاقتصادي بحذر.
















