تغير الحسابات.. كيف أفشل الموقف السعودي عملية أميركية في الخليج؟

"قرار ابن سلمان بالمنع فاجأها"
في تطور جديد، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 4 مايو/أيار 2026، "مشروع الحرية"، وهو خطة لتوجيه ناقلات النفط والسفن التجارية للخروج من مضيق هرمز، غير أنه بعد نحو 48 ساعة، جرى تعليق الخطة.
وأوضحت صحيفة "إل بوست" الإيطالية في تقرير لها أن ذلك يعود جزئيا إلى أن إيران ردت باستئناف قصفها للدول العربية المطلة على الخليج العربي.
إلا أن سببا آخر برز في الساعات الأخيرة، وفق الصحيفة، يتمثل في خلاف مع ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للمملكة محمد بن سلمان.
وذكرت عدة صحف أميركية أن السعودية أغلقت مجالها الجوي أمام القوات الأميركية بعد بدء العملية، ومنعت استخدام قواعدها، ما جعل "مشروع الحرية" غير قابل للتنفيذ.
وأوضحت أنه مساء 6 مايو، وبعد مكالمة هاتفية بين ترامب وابن سلمان، أعادت السعودية فتح مجالها الجوي، لكن العملية الأميركية كانت قد علّقت بالفعل، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستُستأنف.

تفاصيل المشروع
ولفتت الصحيفة إلى أن المشروع كان يتضمن قيام البحرية الأميركية، بعد تحديد مواقع الألغام التي زرعتها إيران في مضيق هرمز، بتزويد السفن التجارية بتعليمات حول كيفية عبوره بأمان، بما يكسر الحصار الإيراني المفروض على المضيق منذ بدء الحرب.
وأشارت إلى أنه في حال محاولة القوات الإيرانية استهداف السفن، كانت الولايات المتحدة ستتدخل عسكريا.
وأوضحت أنه لتنفيذ ذلك، لا سيما الجزء المتعلق بتوفير الحماية العسكرية المحتملة، كان يتعين على الولايات المتحدة حشد قوات كبيرة، إضافة إلى الحصول على إمكانية الوصول إلى المجال الجوي والقواعد السعودية، التي تسيطر على جزء كبير من ساحل الخليج.
وذكرت وسائل إعلام أميركية أن إدارة ترامب افترضت أن السعودية ستدعم العملية كما فعلت في مناسبات سابقة، غير أن قرار ابن سلمان بالمنع فاجأها.
وفي وقت سابق، أفادت القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط (سنتكوم) بأن العملية كانت ستشمل سفنا حربية وأكثر من 100 مركبة جوية و15 ألف عسكري.
وأشارت الصحيفة إلى أن النظام الإيراني أعلن فور طرح المشروع أنه لن يسمح بتنفيذه، وهدد بمهاجمة القوات الأميركية إذا حاولت الاقتراب من المضيق أو دخوله، كما أكد سيطرته على المضيق، وحذر من أن السبيل الوحيد لعبوره هو التفاوض معه وقبول دفع رسوم مرور.
ونقلت الصحيفة عن وسائل إعلام إيرانية وصفها لخطة ترامب بأنها "هذيان".
وأوضحت أن النظام الإيراني لا يرى مصلحة في السماح بعودة حركة الملاحة في المضيق دون مقابل، إذ يعد إنهاء الحصار ورقة تفاوضية رئيسة إلى جانب البرنامج النووي الذي لا تزال المواقف بشأنه متباعدة.
وخلال 4 مايو، وقعت اشتباكات في ذلك الجزء من البحر، حيث عبرت سفينتان حربيتان أميركيتان مضيق هرمز ودخلتا الخليج.
في المقابل، هاجمت إيران السفينتين بزوارق صغيرة وصواريخ وطائرات مسيّرة، فيما قالت الولايات المتحدة إنها دمرت 7 زوارق إيرانية صغيرة، بينما نفت إيران ذلك.
ولفتت الصحيفة إلى أن سفينة تجارية واحدة على الأقل نجحت في عبور المضيق تحت حماية أميركية.
وأفادت الإمارات في ذلك اليوم بأن ناقلة نفط تابعة لشركة "أدنوك" أصيبت بطائرتين مسيّرتين إيرانيتين أثناء عبورها المضيق، فيما اندلع حريق على متن سفينة شحن كورية جنوبية لأسباب لم تُحدد بعد.
وأوضحت الصحيفة أن الوضع ظل شديد الخطورة، وأن غالبية مالكي السفن التجارية العالقة فضّلوا الانتظار لمعرفة مدى أمان العرض الأميركي.
التراجع الأميركي
وأشارت الصحيفة إلى أن إعلان ترامب تعليق الخطة كان مفاجئا، إذ كان المشروع قد أُعلن قبل يومين فقط، وفي الساعات التي سبقت التعليق أشاد عدد من أعضاء الإدارة الأميركية، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، بفعاليته.
وذكرت أن ترامب كتب على منصة "تروث سوشال" أن التعليق جاء "بناء على طلبات باكستان ودول أخرى"، ولأنه "تم إحراز تقدم كبير نحو اتفاق شامل ونهائي مع ممثلي إيران".
ولفتت الصحيفة إلى أن القرار كان، في جزء منه، تراجعا من جانب ترامب تحت ضغط التطورات العسكرية الإيرانية.
وأوضحت أن إيران ردت على المشروع، الذي كان يهدد بحرمانها من أهم أدوات الضغط على الولايات المتحدة والمتمثلة في السيطرة على مضيق هرمز، باستئناف قصفها بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الدول العربية المطلة على الخليج، ولا سيما الإمارات وسلطنة عمان.
وأشارت إلى أنه لعدة أيام بين الإثنين والثلاثاء، بدا أن استئناف الحرب أمر محتمل. وأمام هذا الخطر، قرر ترامب تعليق "مشروع الحرية"، متخليا في الوقت الراهن عن محاولات إعادة فتح مضيق هرمز.
وأوضحت الصحيفة أن ترامب حاول تبرير القرار بصفته بادرة حسن نية لصالح المفاوضات، التي يرى أنها تسير بشكل إيجابي.
غير أنها لفتت إلى احتمال وجود مفاوضات بالفعل، لكنها تظل سرية، إذ لم يعلن الطرفان أي تواصل علني منذ أيام، ولا يبدو أن هناك تقدما ملموسا.
ونقلت الصحيفة عن ترامب قوله إن العملية كانت ستشكل حلا مؤقتا، موضحا أن السفن، بمجرد عبورها، كانت ستتعهد بعدم العودة إلى الخليج حتى يصبح آمنا مجددا.
ولفتت إلى أن المشروع لم ينجح في تمرير سوى سفينة واحدة خلال يومين.

الموقف السعودي
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التطور يعكس أيضا التحول الذي طرأ على موقف السعودية خلال أشهر الحرب في الشرق الأوسط.
وأوضحت أنه في البداية، كانت هناك مؤشرات مختلفة توحي بأن ابن سلمان كان مؤيدا للهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران.
ونقلت عن روايات صحفية أن ابن سلمان ضغط، في مارس/آذار، على إدارة ترامب من أجل مواصلة الهجوم.
ولفتت إلى أن السعودية وإيران دولتان متنافستان تاريخيا، وأن ابن سلمان، وفق هذه الروايات، كان يأمل أن يؤدي الهجوم الأميركي إلى إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه.
وذكرت الصحيفة أن هذه الروايات نُفيت لاحقا بشكل قاطع، ليس فقط من الحكومة السعودية، بل أيضا من عدد من المحللين الذين عدوها غير مرجحة.
وأشارت إلى أنه، في المقابل، أصبح الموقف السعودي في الأسابيع الأخيرة أقل حدة وأكثر ميلا نحو التسوية الدبلوماسية، مع مساهمة ابن سلمان بشكل فعّال في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
ونقلت عن مصادر سعودية قولها لوسائل إعلام إن قرار حظر استخدام المجال الجوي والقواعد جاء تحديدا لأن الرياض رأت في "مشروع الحرية" عملية شديدة المخاطر كان من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد مع إيران واستئناف المواجهات.
وأفادت الصحيفة بأن هذا الموقف السعودي الأكثر تصالحية يتناقض بشكل واضح مع موقف الإمارات، التي تتبنى نهجا أكثر تشددا تجاه إيران، ما أدى إلى سوء تفاهم مع السعودية.
ولفتت إلى أن أحد أبرز أسباب الخلاف الأخيرة يتعلق بحرب الأشهر الماضية في الشرق الأوسط، إذ تصر الإمارات التي تعرضت لقصف إيراني أشد، على نهج متشدد يهدف إلى إنهاء التهديد الإيراني بشكل نهائي، بينما السعودية في المقابل أكثر ميلا إلى موقف توافقي.
ونقلت الصحيفة عن مصادرها قولها إن هذه التوترات الأخيرة، إلى جانب خلافات سابقة، ربما أضعفت العلاقة بين البلدين بشكل كبير.
وذكرت الصحيفة أن الإمارات انسحبت أخيرا من منظمة أوبك، وهي منظمة الدول المنتجة للنفط، لأسباب من بينها شعورها بأن السعودية تمارس نفوذا مفرطا داخلها.


















