تحول نوعي.. ما دلالات الديناميكية الواضحة في التقارب التركي الجزائري؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

نقطة تحول بنيوية في مسار العلاقات التركية الجزائرية عقب زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى أنقرة خلال الفترة ما بين 6 و8 مايو/ أيار 2026، إذ تعكس انتقال هذه العلاقات من نمط التعاون الثنائي التقليدي إلى مستوى الشراكة الجيوسياسية متعددة الأبعاد. 

ونشر مركز "أورسام" التركي مقالا للكاتب كآن ديفيجي أوغلو، أكد فيه أن انعقاد "مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى" للمرة الأولى، وتوقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات القطاعية، إلى جانب الخطاب السياسي المشترك، "هي كلها مؤشرات على إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين البلدين".

بنية إستراتيجية

وأشار الكاتب التركي إلى أن التعاون بين البلدين “لم يعد محصورا في المجال الاقتصادي، بل اتسع ليشمل الطاقة والأمن والدبلوماسية وإدارة الأزمات الإقليمية”. 

وأوضح أن هذا التحول يعكس انتقال العلاقة من منطق "المصالح المتبادلة" إلى منطق "التنسيق الإستراتيجي" في ملفات إقليمية معقدة، خصوصا في المتوسط وليبيا والساحل.

واستطرد: "كما أن تأكيد أنقرة على تطوير التعاون في قطاعات إستراتيجية مثل الطاقة والتعدين والنقل والزراعة، بالتوازي مع توجه الجزائر نحو تنويع شَراكاتها الاقتصادية، يشير إلى أن الطرفين بصدد بناء إطار تكاملي طويل الأمد يتجاوز الحسابات التجارية المباشرة".

ولفت ديفيجي أوغلو إلى أن المؤشرات الاقتصادية تظهر أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة "الترسيخ البنيوي"، فحجم التبادل التجاري الذي بلغ نحو 6.3 مليارات دولار عام 2023، مع هدف الوصول إلى 10 مليارات دولار، يعكس ديناميكية توسع واضحة، لكن الأهم بالطبع هو طبيعة هذا التوسع.

وقال إن الاستثمارات التركية في الجزائر، والتي تتجاوز 8 مليارات دولار عبر أكثر من 1600 شركة، لا تعكس مجرد انفتاح اقتصادي، بل تشير إلى تشكّل نمط من "الاعتماد الإنتاجي المتبادل"، خصوصا في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتعدين، وهذا يضع العلاقة في إطار اقتصادي أكثر عمقا من التجارة التقليدية.

إضافة إلى ذلك، فإن توقيع مذكرات التفاهم في مجالات الصناعة والنقل والاتصالات والزراعة، إلى جانب إطلاق مفاوضات "اتفاقية التجارة التفضيلية"، يعكس انتقال العلاقة نحو مؤسسيّة اقتصادية قابلة للتوسع، وربما تتطوّر لاحقا نحو تكامل تجاري أوسع.

وأردف الكاتب بأن قطاع الطاقة يمثّل محور الارتكاز الأساسي في العلاقة التركية الجزائرية، فاعتماد أنقرة المتزايد على الغاز الطبيعي المسال الجزائري يضع الجزائر في موقع "المورد الإستراتيجي" وليس مجرد أي شريك تجاري.

وتابع: “لكن التحول الأهم يتمثل في توسع التعاون نحو الطاقة المتجددة والتعدين والتكنولوجيا الطاقوية، وهو ما يعكس انتقال العلاقة من تبادل الموارد إلى شراكة في تطوير منظومات الطاقة المستقبلية”.

وفي هذا السياق، تتحول الطاقة إلى أداة جيوسياسية بامتياز، فاضطراب أسواق الطاقة العالمية، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وإعادة تشكيل أمن الطاقة الأوروبي، هي كلها عوامل تمنح الجزائر وزنا متزايدا، بينما تعزز تركيا موقعها كممر إقليمي محوري للطاقة بين آسيا وأوروبا.

خطاب مشترك

وشدد ديفيجي أوغلو على أن التقارب التركي الجزائري في مقاربة الأزمات الإقليمية “يُعدّ أحد أبرز المؤشرات، على التحول النوعي الذي تشهده العلاقات بين البلدين”. 

فقد عكست تصريحات القيادتين توافقا واضحا في المواقف تجاه عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والتطورات في قطاع غزة، والسياسات الإسرائيلية. 

غير أن أهمية هذا التقارب لا تكمن فقط في تطابق المواقف السياسية، بل في اتساع نطاقه ليشمل ملفات إستراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وتمتد إلى شرق المتوسط وليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي، يوضح ديفيجي أوغلو.

وفي هذا السياق، فإن تأكيد الرئيس رجب طيب أردوغان على ضرورة "تبني موقف مشترك لإنهاء دوامة العنف التي تهدد أمن المنطقة" يعكس إدراكا متبادلا لدى أنقرة والجزائر؛ بأن التحديات الأمنية والإقليمية الراهنة تتطلب مستويات أعلى من التنسيق السياسي والإستراتيجي. 

كما يكشف هذا الخطاب أيضا عن توجه متنام لبناء آليات تعاون إقليمي، قادرة على التعامل مع الأزمات المتشابكة التي تشهدها البيئة الجيوسياسية المحيطة بالبلدين.

من جانب آخر، فإن تركيز الرئيس تبون في خطابه على القضايا الإقليمية والدولية يُعد مؤشرا مهما على وجود رؤية سياسية مشتركة بين الطرفين، بحسب الكاتب التركي.

فالإشارات المتكررة إلى القضية الفلسطينية، وليبيا، ومنطقة الساحل، وإقليم الصحراء الغربية، إلى جانب التأكيد على وحدة الأراضي الصومالية، تعكس أن العلاقات التركية الجزائرية قد تجاوزت الإطار الاقتصادي التقليدي لتشمل أبعادا سياسية ومعيارية أوسع. 

وفي هذا الإطار، يبدو أن البلدين يتجهان نحو صياغة خطاب دبلوماسي مشترك، بحيث يستند إلى عدّة مفاهيم؛ من ضمنها مفاهيم السيادة الوطنية، والشرعية الدولية، ورفض تفكك الدول الوطنية، وذلك بشكل يعزز فكرة "الملكية الإقليمية" في إدارة الأزمات.

ويكتسب هذا التقارب أهمية مضاعفة أيضا، وذلك في ضوء التحولات الجيوسياسية التي تشهدها مَنطقتا المغرب العربي والساحل. فالسؤال المركزي لم يعد متعلقا بطبيعة العلاقات الثنائية فحسب، بل بمدى قدرة تركيا والجزائر على الإسهام في تشكيل توازنات إقليمية جديدة.

ففي ليبيا، تُعد تركيا فاعلا سياسيا وعسكريا مؤثرا يحافظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، في حين تتبنى الجزائر مقاربة ترتكز على حماية وحدة الدولة الليبية ورفض أي سيناريو يؤدي إلى تقسيمها. 

ويمنح هذا التلاقي في المصالح الطرفين أرضية مشتركة لتعزيز التنسيق بما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي.

شراكة تكاملية

أما في منطقة الساحل الإفريقي، فإن تصاعد الاضطرابات الأمنية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بالتوازي مع تراجع النفوذ الفرنسي وصعود الدورين الروسي والصيني، قد أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة. 

وفي هذا السياق، تسعى تركيا إلى توسيع حضورها من خلال الصناعات الدفاعية، والتدريب العسكري، والأدوات الدبلوماسية، بينما تنظر الجزائر إلى الساحل بصفته امتدادا مباشرا لأمنها القومي. 

وبهذا، فإن تعميق العلاقات بين البلدين قد يفضي إلى بناء شراكة تكاملية، تستند إلى توزيع الأدوار وتلاقي المصالح.

واستدرك ديفيجي أوغلو قائلا: "مع ذلك، لا يبدو أن هذا التعاون مرشح للتحول إلى تحالف عسكري تقليدي، بقدر ما يتجه نحو نموذج (الشراكة الأمنية المرنة)، والتي تقوم على بناء القدرات وتعزيز التنسيق". 

ويشمل ذلك التعاون في مجالات عدّة؛ مثل مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الصناعات الدفاعية، وإدارة الهجرة، وذلك بشكل يسمح للطرفين تعزيز نفوذهما الإقليمي دون الانخراط في ترتيبات أمنية صلبة.

وعلق الكاتب التركي: “تكشف زيارة تبون إلى أنقرة عن دخول العلاقات التركية الجزائرية مرحلة جديدة، تتسم بقدر أكبر من العمق الإستراتيجي والتشابك السياسي”. 

ويرى أن "التوسع في التعاون الاقتصادي، والتقدم في ملفات الطاقة، والتقارب المتزايد في القضايا الإقليمية، جميعها مؤشرات على أن الشراكة بين البلدين باتت تستند إلى أسس راسخة أكثر".

واستدرك: “غير أن الأهمية الحقيقية لهذه العلاقة سَتتحدد بمدى قدرة الطرفين على تحويل هذا التقارب إلى إطار عملي لإدارة التحولات الجيوسياسية في شمال إفريقيا والساحل”. 

وتابع: “إذا ما نجحت أنقرة والجزائر في تحقيق ذلك، فإن علاقتهما مرشحة للتطور إلى محور جيوسياسي مؤثر، يمتد من شرق المتوسط إلى العمق الإفريقي، وهذا هو ما سيعيد تشكيل بعض توازنات القوة في المنطقة”.