تسييل الأراضي.. هل تنجح الشراكات الخليجية والصينية في إنقاذ الاقتصاد المصري؟

منذ ١٢ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

رصدت التقارير الدولية نموا حادا في الديون المصرية خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ الدين الخارجي 163 مليار دولار في مارس/ آذار 2026، مما يستلزم سداد فوائد تقدر بنحو 8 مليارات دولار سنويا.

وأوضح تقرير للمجلس الأطلسي الأميركي أن إدارة الدين تستنزف جزءا كبيرا من موارد النقد الأجنبي والميزانية العامة، وتقيد قدرة الحكومة على تمويل مشاريع التنمية عبر الاقتراض الجديد، لا سيما من المؤسسات الأجنبية.

ولطالما اعتمد النظام المصري على التمويل الخارجي أداة رئيسة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، عبر مزيج من المساعدات الخارجية وشرائح صندوق النقد الدولي وتجديد الديون.

أوضاع متردية

وأشار التقرير إلى أن مصر بدأت في السنوات الأخيرة تتحول من المشاريع الممولة بالديون إلى استثمار الأراضي وتنميتها عبر شراكات صينية وعربية كأداة للتخفيف من هذا العبء.

فمنذ 2015، باتت مصر تسهم بأراضٍ عامة كحصة في رأس المال، بينما يوفر المستثمرون الأجانب رأس المال والخبرات التنموية وتنفيذ المشاريع، على أن توزع العائدات بعد اكتمال المشروع وفق نسب متفق عليها مسبقا.

وقد حظي هذا النهج بتأييد ضمني من البنك الدولي، حين عينت مصر عام 2023 مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك مستشارا لبرنامج "تسييل الأصول".

وبينما جُرّب تسييل الأراضي في مناطق أخرى من العالم، أفاد التقرير بأن مشاريع مصر من بين الأضخم عالميا، وأنها ستحقق فوائد اقتصادية ملموسة.

إذ بدأ الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الانخفاض ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه، غير أنه نبّه إلى أن هذه المشاريع بمفردها لن تضع الاقتصاد المصري على أسس متينة.

وأوضح التقرير أن نحو 30 بالمئة من المصريين يعيشون تحت خط الفقر المحلي، ورغم أن معدل البطالة الرسمي أواخر 2025 كان معتدلا عند نحو 6 بالمئة، فإن توقعات 2026 لمشاركة القوى العاملة البالغة نحو 43 بالمئة تبقى منخفضة جدا.

وهذا يشير إلى أن "البطالة الحقيقية قد تكون أعلى بكثير؛ إذ يئس كثير من المصريين من البحث عن وظيفة، ويزيد من صعوبة القياس الحجم الكبير للاقتصاد غير الرسمي".

ولفت التقرير إلى أن "بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2024 تكشف أن الوظائف غير الرسمية شكّلت نحو 67 بالمئة من إجمالي الوظائف في مصر، مما يدل على قصور الاقتصاد الرسمي عن استيعاب جميع الباحثين عن عمل".

وأضاف أن توفير فرص العمل في المشاريع التي يتيحها استثمار الأراضي سيسهم في معالجة البطالة سواء أثناء مرحلة التطوير أو بعد اكتمال المشاريع، وإن كان نمو الوظائف والسكان في مصر في سباق دائم.

وعزا التقرير الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري -من 0.70 دولار للجنيه عام 1988 إلى 53 جنيها للدولار اليوم- إلى الاعتماد على السلع المستوردة وارتفاع الدين الخارجي ونقص العملات الأجنبية، إضافة إلى عمليات تخفيض العملة القسرية الدورية.

ويرى أن معظم الانخفاضات الأخيرة يمكن إرجاعها إلى الحرب في إيران التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع حاد في السياحة.

وأكد التقرير أنه نظرا لارتباط الحياة اليومية في مصر ارتباطا وثيقا بالسلع المستوردة، فإن انخفاض الجنيه يضرب المواطن العادي بشكل فوري ومؤلم، مشيرا إلى أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت مشاريع تسييل الأراضي ستحول دون تراكم الديون بما يكفي لتحقيق استقرار دائم للجنيه.

تسييل الأصول

وفصّل التقرير آليات هذا النهج، مستشهدا بمشروع رأس الحكمة على الساحل الشمالي، حيث أسهمت مصر بنحو 40 ألفا و600 فدان من الأراضي المملوكة للدولة على طول البحر المتوسط، وخصصت الإمارات عبر صندوقها السيادي ما يقارب 35 مليار دولار، وهو أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر.

وحصلت مصر في المقابل على تدفقات فورية من العملات الأجنبية وحصة 35 بالمئة في المشروع ومشاركة في الأرباح على المدى البعيد.

وأوضح التقرير أنه حين تبرم مصر اتفاقية من هذا النوع يصل رأس المال بالدولار مما يعزز احتياطاتها من العملات الأجنبية ويحسن وضع ميزان المدفوعات ويمكّنها من خدمة ديونها القائمة وربما يؤهلها للاقتراض مستقبلا، وعلى خلاف الاقتراض فإن هذا التمويل استثمار في رأس المال لا يستلزم سدادا.

وأشار إلى مشروع مماثل على الساحل الشمالي أيضا، هو علم الروم/سملا قرب مرسى مطروح، حيث يضخ جهاز قطر للاستثمار عبر شركة الديار القطرية نحو 30 مليار دولار. 

وتشمل الدفعة الأولى 3.5 مليارات دولار لأرض مساحتها 20 مليون متر مربع و26 مليار دولار لاستثمارات التطوير، مع حصة لمصر من الإيرادات تبلغ 15 بالمئة بعد استرداد التكاليف.

وتناول التقرير العاصمة الإدارية الجديدة بوصفها نموذجا مختلفا؛ إذ تقع على بعد نحو 30 ميلا شرق القاهرة وتتضمن خططا لمقر الحكومة ومركزا تجاريا بتكاليف تطوير تصل إلى 58 مليار دولار.

ووفّرت البنوك الصينية بقيادة البنك الصناعي والتجاري الصيني 85 بالمئة من تمويل 20 برجا في منطقة الأعمال المركزية التي طورتها شركة هندسة البناء الحكومية الصينية.

فيما طور مستثمرون خليجيون -كشركة موانئ دبي العالمية- قطعا تجارية، وباعت الدولة الأراضي تدريجيا لتمويل التطوير دون زيادة الدين العام.

وذكر التقرير أن نمطا مماثلا أسهم قبل عقود في تطوير مدينتي الشيخ زايد والسادس من أكتوبر، حين قدم النظام المصري أراضي صحراوية مقابل رؤوس أموال خليجية.

وقدم صندوق أبو ظبي للتنمية تمويلا لمدينة الشيخ زايد شمل مرافق ومياه شرب ومستشفى بـ200 سرير ومدارس ومساجد.

أما في السادس من أكتوبر فطورت مجموعة ماجد الفطيم الإماراتية "مول مصر" بينما تبني شركة سايك موتور الصينية مصنعا لسيارات (MG)، وفي 2024 أعطت القاهرة الضوء الأخضر لبيع قطع أراضٍ في 8 مدن لـ34 شركة أجنبية بأسعار محددة بالدولار.

وأضاف التقرير أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس شهدت نموذجا مغايرا؛ إذ أسهمت مصر بأراضٍ عبر عقود إيجار طويلة الأجل، وطور مستثمرون صينيون وسعوديون وإماراتيون مناطق صناعية دون أن تتنازل مصر عن ملكية الأراضي، فيما تدفقت العائدات بالعملات الأجنبية عبر الصادرات.

دولة شبه ريعية

ويرى التقرير أن النظام المصري يتخذ كل قرار اقتصادي ممكن لشراء راحة من الديون، وأن تسييل الأراضي يجري في ظل ضائقة مالية قد تجعل المكاسب طويلة الأجل تصب بصورة غير متناسبة في مصلحة المستثمرين الأجانب.

وكثيرا ما تكون شروط هذه المشاريع غير واضحة، كما أن سيطرة الدولة على أولويات التنمية محدودة إذ يختار المطورون ما يرونه مربحا.

وأوضح التقرير أن انخراط الصين يتسق مع اهتمامها بتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في الشرق الأوسط، فيما تدفع السعودية والإمارات حسابات أمن نظاميهما؛ إذ تعتمدان على مصر بصفتها ركيزة عسكرية وسياسية في المنطقة وتخشيان أن يمتد عدم الاستقرار فيها إليهما.

وأشار إلى أن الاقتصاد المصري عانى بعد انتهاء التجربة الديمقراطية عام 2013 ثم من تداعيات الحرب في أوكرانيا على أسعار القمح وجائحة كورونا.

ومع تعافي مصر من هذه الأزمات، قل اهتمام دول الخليج بالمساعدات غير المشروطة وبدأت تبحث عن فرص استثمارية.

فضلا عن ذلك، تبدي المؤسسات الإسلامية وصناديق الثروة السيادية الخليجية اهتماما بالاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وهو ما وظّفته مصر في نموذج يستخدم الأراضي ضمانا لإصدار الصكوك الإسلامية.

وخلص التقرير إلى أن تسييل الأراضي يسهم في الحد من الاقتراض غير المستدام وجلب عملات أجنبية قيمة وتطوير الأراضي غير المستغلة واستقطاب الخبرات الإدارية والمساعدة في استقرار العملة.

ولفت إلى أن التدفق النقدي الفوري بالغ الأهمية لإدارة ميزان المدفوعات ويستكمل بحصص الأرباح طويلة الأجل والإيرادات الضريبية.

وأكد التقرير أن لجوء مصر المتزايد إلى هذا النهج سيستمر على الأرجح ويساعد في تغطية فجوات التمويل، غير أن العائدات تستخدم عادة لتمويل الالتزامات الجارية لا لتخفيض الدين القائم، إلا ما خُصص صراحة لهذا الغرض وهو جزء محدود من الإيرادات.

وحذّر الخبير الاقتصادي، محمد فؤاد، في حديث لصحيفة "الأهرام ويكلي" من أن مصر يجب أن تتجنب في مسعاها هذا التحول إلى دولة شبه ريعية تعتمد على مصادر تمويل قائمة على الريع بدلا من اقتصاد منفتح وحر.

وختم التقرير بالإشارة إلى أن النظام المصري لم ينفذ وفق صندوق النقد الدولي إصلاحات هيكلية مستدامة وكافية من شأنها تقليص عجز الموازنة وخفض الدين وتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتحسين مناخ الاستثمار وتحفيز نمو أسرع، وذلك رغم نصائح المنظمات الدولية.

وتابع: "فمبيعات الأراضي قد توفر دعما مؤقتا، لكن الإصلاحات الأعمق هي مفتاح الانتعاش الاقتصادي المصري على المدى البعيد".