فخ السيادة الرقمية.. لماذا تعمدت إيران ضرب مراكز البيانات في الخليج؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تساءلت مجلة أميركية عن أسباب استهداف القيادة الإيرانية مراكز البيانات في الخليج خلال الحرب، مشيرة إلى أن هذه المراكز كانت تُستخدم بشكل مزدوج لأغراض مدنية وعسكرية.

وشنت طائرات “شاهد” الإيرانية المسيّرة هجوما على مركزين لبيانات "أمازون ويب سيرفيسز" في الإمارات قبل فجر 1 مارس/آذار 2026، مما أدى إلى اندلاع حرائق وتعطيل تطبيقات مصرفية وخدمات رقمية يستخدمها عشرات الملايين في المنطقة.

وبدون سابق إنذار، تحولت البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الخليج من أصول تجارية إلى هدف عسكري.

خيارات إستراتيجية

وقالت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت": إن هذا الاستهداف جاء نتيجة خيارات إستراتيجية؛ إذ قررت دول الخليج الانحياز إلى واشنطن بدلا من بكين في بناء بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، فيما اختارت الولايات المتحدة توظيف هذه البنية لدعم عملياتها العسكرية في المنطقة.

وبناء على ذلك، خلصت إيران إلى أن مراكز البيانات تُعد أهدافا مشروعة، بحسب المجلة.

ولفهم كيف أصبحت مراكز البيانات الخليجية أهدافا عسكرية، علينا أن نفهم كيف أصبحت ذات فائدة عسكرية في المقام الأول. وفق تقرير المجلة.

فخلال جولته في الشرق الأوسط في مايو/أيار 2025، حصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على تعهدات استثمارية تتجاوز قيمتها تريليوني دولار، وقُدمت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بصفتها فرصة لدول الخليج لتنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط.

فقد خصصت شركة مايكروسوفت 15.2 مليار دولار للإمارات، فيما تعهدت أمازون باستثمار 5.3 مليارات دولار في عدة مراكز بيانات جديدة بالسعودية.

كما جرى الترويج لمشروع "ستارغيت الإمارات" -وهو مجمع حاسوبي للذكاء الاصطناعي بقدرة 5 غيغاواط يمتد على مساحة 7.3 أميال مربعة في صحراء أبو ظبي- بصفته المشروع الأبرز عالميا، رغم أن كثيرا من تفاصيله لا تزال غير واضحة.

إلا أن البيانات الصحفية أغفلت البعد العسكري الكامن وراء هذه الصفقات، فكمقابل للحصول على موافقة واشنطن لتصدير الرقائق الإلكترونية الأميركية، طُلب من شركتي (G42) الإماراتية و(Humain) السعودية التخلص تدريجيا من معدات هواوي والتخلي عن المنصات التكنولوجية الصينية.

ووصف محللون هذه الخطوة بأنها "دبلوماسية حوسبة"، لكنها بدت في جوهرها أقرب إلى اختبار ولاء سياسي.

وأصبحت (G42) واحدة من شركتين غير أميركيتين فقط أُدرجتا لاحقا ضمن أهداف الحرس الثوري الإيراني، بعدما عد انحيازها إلى المعسكر الأميركي جزءا من المشكلة.

كما أشارت تقارير إلى أن نظام "كلود" التابع لشركة "أنثروبيك"، والمشغّل عبر بنية تحتية تابعة لـ "أمازون ويب سيرفيسز"، استُخدم في تقييمات استخباراتية وعمليات تحديد أهداف خلال عملية "الغضب الملحمي" (الاسم الأميركي للحرب ضد إيران).

وهكذا، كانت السحابة نفسها التي تستضيف الخدمات المصرفية والمدنية في الخليج تُستخدم أيضا لمعالجة بيانات مرتبطة بحرب لم تُعلن دول الخليج تأييدها لها صراحة، بل أبدت حيالها تحفظات في جلسات خاصة، رغم استضافتها قواعد أميركية، وهو ما خلق مصدرا إضافيا للتوتر، بحسب التقرير.

استخدام مزدوج

وقالت المجلة: "هذه هي الحقيقة التي لم يُعالجها وقف إطلاق النار، فمراكز البيانات في الخليج تُستخدم استخداما مزدوجا، لا لأن مالكيها اختاروا ذلك، بل لأن العقيدة الإستراتيجية الأميركية جعلت البنية التحتية المدنية للذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من العمليات العسكرية مع مرور الوقت".

وجاء قرار الحرس الثوري الإيراني بضرب مرافق "أمازون ويب سيرفيسز" ونشر قائمة تضم 29 هدفا تقنيا في مختلف أنحاء المنطقة متسقا مع منطق البنية التحتية التي بنتها واشنطن وشجعت دول الخليج على استضافتها.

وأكد التقرير أن دول الخليج سعت إلى السيادة في مجال البيانات، لكن ما تحقق فعليا كان العكس تقريبا. 

ففي مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، سنّت دول مجلس التعاون قوانين لتوطين البيانات تُلزم بتخزين البيانات الحساسة للقطاع العام داخل حدودها الوطنية، بدافع حماية بيانات الدولة وتقليل الاعتماد على البنية التحتية الأجنبية.

غير أن النتيجة العملية كانت أنه عندما استُهدفت مرافق "أمازون ويب سيرفيسز"، ونصح مزودو خدمات الحوسبة السحابية الكبرى عملاءهم بإعادة توجيه البيانات إلى مواقع أخرى، وجدت حكومات الخليج نفسها عاجزة قانونيا عن الامتثال، إذ كانت بياناتها الأكثر حساسية مرتبطة بالمرافق ذاتها التي تعرضت للهجوم.

ولفخ السيادة بُعد آخر، فمن خلال التحالف حصريا مع شراكات الذكاء الاصطناعي الأميركية واستبعاد المزودين الصينيين -كما طالبت واشنطن- حرمت دول الخليج نفسها من أحد مسارات التنويع التكنولوجي الذي كان من شأنه تقليل مستوى التعرض للمخاطر.

وقالت المجلة: "لم تستهدف إيران مراكز البيانات الصينية في الخليج، لكنها استهدفت مرافق (أمازون ويب سيرفيسز) التي استضافت أحمال عمل مدنية إقليمية وتطبيقات استخباراتية أميركية، ما جعلها أهدافا مشروعة من وجهة نظرها".

وأضافت: "في بداية الحرب أوضحت دول الخليج أنها لم تُستشر قبل بدء عملية (الغضب الملحمي)، وهو ما أثار استياء واسعا. ولم يُمنح لها أي دور في قرار حوّل أراضيها إلى ساحة حرب نشطة".

وحتى وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه باكستان في أبريل/نيسان 2026، قيل إنه جرى دون مشاركة دول الخليج العربية الشريكة، ما عمّق شعورها بالإقصاء، وفق "ريسبونسبل ستيتكرافت".

ووجد سكان دول الخليج -ومعظمهم من الوافدين الذين لا تربطهم مصلحة مباشرة في المواجهة الأميركية-الإيرانية- أنفسهم عاجزين عن دفع تعريفة سيارات الأجرة أو الوصول إلى حساباتهم المصرفية أو طلب الطعام، نتيجة حرب سعت حكوماتهم إلى تجنبها عبر قنواتها مع واشنطن.

وكان الباحث زاكاري كالينبورن، من كلية كينجز كوليدج لندن، قد حذّر سابقا من أنه إذا أصبحت مراكز البيانات محاور حيوية لنقل المعلومات العسكرية، فستتعرض بشكل متزايد لهجمات إلكترونية ومادية. 

وهذا ما حدث بالفعل؛ إذ يُعد استخدام الجيش الأميركي للبنية التحتية السحابية التجارية في العمليات الهجومية سمة من سمات الحروب الحديثة.

صحيح أن الهدنة التي أُبرمت في 8 أبريل أوقفت الهجمات العسكرية، لكنها لم تعالج الأسباب الجذرية التي أدت إليها، بحسب تأكيد المجلة.

فلا يزال مضيق هرمز محل نزاع، فيما تحتفظ إيران ببرنامجها النووي بشكل أو بآخر، وهناك ما يشير إلى احتمال أن تعاود إيران استهداف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إذا ما اندلعت الحرب مجددا.

وقبل أيام قليلة من بدء وقف إطلاق النار، نشر المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي، العميد إبراهيم ذو الفقاري، صورا التقطتها الأقمار الصناعية لمجمع "ستارغيت"، قائلا: "لا شيء يبقى خفيّا عن أنظارنا".

أما الخسائر المالية فكانت مباشرة وملموسة؛ إذ علّقت مجموعة (سانتر بير داتا) -وهي شركة بريطانية متخصصة في تطوير وتشغيل مراكز البيانات فائقة النطاق والمدعومة جزئيا من مستثمرين أميركيين- خططها الاستثمارية لتوسيع أعمالها في أبو ظبي ومشاريع أخرى في الشرق الأوسط، بسبب تداعيات الحرب.

وبالطبع، لم يتخلَّ كبار المستثمرين المؤسسيين عن منطقة الخليج؛ فقد أكدت شركة (برووك فايلد) إحدى أكبر شركات الاستثمار في العالم، استمرار شراكتها في مجال الذكاء الاصطناعي في قطر، والتي تبلغ قيمتها 20 مليار دولار، وفقا للخطة الموضوعة.

إلا أن قواعد وشروط هذه الصفقات تغيّرت بشكل جذري، وفق التقرير، فأصبحت المشاريع أكثر تكلفة وتخضع لمتطلبات أكثر صرامة، كما ارتفعت كلفة التأمين بشكل ملحوظ.

ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المتزايدة، مع تركيز أكبر على الأمن والحماية المادية وأنظمة النسخ الاحتياطي، كذلك، تسير الصفقات بوتيرة أبطأ وبقدر أكبر من الحذر مقارنة بالسابق. 

وباختصار، لا تزال الأموال تتدفق، لكن مشاريع الخليج لم تعد تُعامل بوصفها منخفضة المخاطر؛ إذ جعل النزاع كل شيء أكثر كلفة، وأكثر حذرا.

توافقات تنظيمية

لكن الأكثر أهمية من ذلك هو ما لم يُؤخذ في الحسبان بشكل كامل، بحسب المجلة. 

فقد افترضت دول الخليج، في سباقها نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، أن ضخ رؤوس أموال ضخمة سيكون كافيا لضمان النجاح.

واستثمرت عشرات المليارات من الدولارات على أساس أن الشراكة مع شركات تقودها الولايات المتحدة ستوفر لها حماية من المخاطر الجيوسياسية. 

غير أنها لم تستعد بشكل كاف لاحتمال أن ترى إيران هذه المشاريع أهدافا مرتبطة بالولايات المتحدة وتستهدفها.

وقالت المجلة: إن "الحرب مع إيران أظهرت، بتكلفة باهظة على المدنيين في الخليج واقتصادهم الرقمي، أن (الدبلوماسية الحاسوبية) تقوم على منطق عسكري لم يُكشف بالكامل للدول المضيفة".

"فلم يُدعَ الخليج ببساطة إلى الانضمام لاقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي، بل جرى دمجه في البنية التحتية الإستراتيجية الأميركية، ما جعل هذه المنشآت بطبيعتها المزدوجة أكثر عرضة للاستهداف".

وجاءت الدعوة بشروط -منع استخدام هواوي، وبروتوكولات أمنية صارمة، وتوافقات تنظيمية- كرّست هذا الانخراط، ثم تبعه الاستهداف.

وقالت المجلة: "ينبغي على واشنطن التعامل بقدر أكبر من الوضوح مع هذه الديناميكية، فإذا كانت البنية التحتية التجارية للذكاء الاصطناعي في دولة شريكة ستُستخدم في عمليات الاستهداف العسكري الأميركي، فإن لتلك الدولة مصلحة مشروعة في العلم بذلك واستشارتها مسبقا".

ويبقى السؤال المركزي في مرحلة ما بعد الهدنة ما إذا كان الاستثمار المقبل في الذكاء الاصطناعي سيُبنى على أسس مختلفة، لا من حيث التكنولوجيا فقط، بل من حيث تعريف طبيعة الشراكات الأميركية في المنطقة.

وختمت المجلة بالإشارة إلى أن "السحابة قد تكون افتراضية، لكن آثارها سياسية وجغرافية واقعية، وواشنطن مسؤولة تجاه من يعيشون تحتها".