أميركا توجه بوصلتها نحو المغرب العربي تزامنا مع انسحاب فرنسا.. لماذا؟

منذ ٢١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

خلال الأشهر الأخيرة، ومع تسارع التحولات على الساحة الجيوسياسية، وجّهت الولايات المتحدة بوصلتها نحو منطقة المغرب العربي لملء الفراغ الذي خلّفه تراجع أدوار حلفاء آخرين، وعلى رأسهم فرنسا.

وبهذه المقاربة، تعمل واشنطن على نسج شبكة من التحالفات مع أطراف تجمعها علاقات معقدة وعداوات إقليمية داخل المغرب العربي. لكن يبقى السؤال: هل ستنجح في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق؟

وأفادت صحيفة "إل إسبانيول" الإسبانية بأن الولايات المتحدة وقّعت اتفاقيات مع الجزائر لاستثمار موارد الهيدروكربونات والمعادن النادرة ودعم التنمية الزراعية، بما في ذلك استثمار بقيمة 635 مليون دولار في مشروع للثروة الحيوانية.

توازن دقيق

وبالمثل، عززت زيارة قام بها مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى إلى المغرب التعاون التكنولوجي والفضائي، وتُوِّجت بانضمام المغرب إلى اتفاقيات أرتميس التابعة لوكالة ناسا.

كما ستفتتح الولايات المتحدة قنصلية في الداخلة، بالصحراء الغربية، وأبدت اهتماما بميناء الداخلة الأطلسي الذي يعد مركزا تجاريا حيويا بين إفريقيا وأوروبا والأميركتين.

عموما، تعكس هذه التحالفات اهتمام الولايات المتحدة باقتصاد المغرب العربي وأمنه واستقراره، مع التركيز بشكل خاص على الموارد الإستراتيجية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، قام نائب الرئيس دونالد ترامب، كريستوفر لاندو، والجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأميركية في إفريقيا، أفريكوم، بزيارة إلى الجزائر والمغرب في نهاية أبريل، وكللت بإبرام اتفاقيات عسكرية وغيرها من الاتفاقيات المتعلقة بنزاع الصحراء الغربية.

وخلال هذه الاجتماعات، وُقعت اتفاقيات أيضا بشأن الموارد الطبيعية لدول المغرب العربي. وبهذه الخطوات، تؤكد الولايات المتحدة مجددا اهتمامها باقتصاد المغرب العربي. ويضاف هذا إلى التزامها بشأن الأمن في منطقة الساحل وحل نزاع الصحراء الغربية.

وهكذا، تناول كريستوفر لاندو في الجزائر العاصمة "اتفاقيات تجارية ذات أثر كبير مع الشركات الأميركية"، بينما ناقش المغرب "تعزيز التنسيق التكنولوجي والفضائي".

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها: "تؤكد هذه الزيارة التزام الولايات المتحدة بدعم الاستقرار الإقليمي وتطوير شراكات اقتصادية وإستراتيجية في شمال إفريقيا".

وفي كل من الجزائر العاصمة والرباط، اجتمعت إدارة ترامب مع رئيسي الوزراء ومسؤولين حكوميين مختلفين لمناقشة تطوير شراكات تجارية واستكشاف فرص استثمارية في قطاعي الطاقة والتعدين في الجزائر، وفي قطاعي التكنولوجيا والفضاء في المغرب.

وفي الجزائر، أعرب لاندو عن نية الشركات الأميركية إقامة شراكات "طويلة الأجل" في مجال الهيدروكربونات مع الدولة الواقعة في شمال إفريقيا، وهي المنتج الرئيس للغاز في إفريقيا ولاعب رئيس في إنتاج النفط.

خلال اجتماع مع وزير المحروقات، محمد عرقاب، اتفق الجانبان على توسيع التعاون بين شركة سوناطراك النفطية وشركتي إكسون موبيل وشيفرون الأميركيتين.

كما حثّ عرقاب الشركات الأميركية على "الاستفادة من فرص الاستثمار التي توفرها الجزائر في مجالات الاستكشاف، وتطوير الحقول، والصناعات التحويلية، والتحول الرقمي، والحلول التكنولوجية الحديثة، ومشاريع خفض الانبعاثات الكربونية".

اجتماعات مكثفة

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت تركز فيه إستراتيجية تطوير قطاع المحروقات في الجزائر على تكثيف الاستكشاف، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتعزيز القيمة المضافة للموارد، وتطوير صناعة البتروكيماويات، ودعم المحتوى المحلي.

علاوة على ذلك، أبدت الولايات المتحدة اهتماما خاصا باستغلال الغاز الصخري والمعادن الأرضية النادرة في الجزائر. ولهذا السبب، التقى لاندو أيضا بوزير المناجم، مراد حنيفي.

وخلال الاجتماع، ناقش الجانبان سبل الاستثمار والتعاون الثنائي، مع التركيز على استغلال ومعالجة الموارد المعدنية "الإستراتيجية والحيوية"، مثل تلك المستخدمة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة والطاقة المتجددة.

وركز المقترح على تعزيز تبادل الخبرات ودعم الممارسات المتقدمة من خلال شراكات بين مجموعة سوناريم والشركات والمؤسسات المتخصصة في استكشاف ومعالجة المعادن. وشددوا بشكل خاص على المعادن الإستراتيجية والمواد الخام اللازمة للتطبيقات الصناعية المتقدمة.

وأضافت الصحيفة أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، حيث كانت الاجتماعات مكثفة بين الجانبين. 

وفي هذا السياق، عقد اجتماع آخر في الجزائر العاصمة مع وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كامل رزيق. وخلال هذا الاجتماع، تم التأكيد على أهمية تكثيف اللقاءات بين رجال الأعمال، ما من شأنه أن يسهم في زيادة حجم التبادل التجاري وتطوير التعاون في مختلف القطاعات ذات الاهتمام المشترك.

ونقلت الصحيفة أن فريق ترامب أبدى اهتماما بالقطاع الزراعي. ففي نيسان/ أبريل، انطلقت المرحلة الثانية من مشروع بلدنا الزراعي في الجزائر، أحد أكبر المشاريع الزراعية في العالم.

يمثل المشروع استثمارا بقيمة 635 مليون دولار من إجمالي 3.5 مليارات دولار، ويتضمن استيرادا ضخما لحوالي 30 ألف بقرة من الولايات المتحدة، ومن المقرر بدء توزيعها في تشرين الثاني/ نوفمبر. 

ووفقا لبيان صادر عن الوزارة، ناقش وزير الزراعة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين المهدي وليد، مع لاندو "فرص تطوير التعاون الثنائي في القطاع الزراعي".

كما ناقش الجانبان "دور الشركات الأميركية العاملة في السوق الجزائرية في دعم المزارعين، لا سيما من خلال توفير المدخلات والتقنيات الحديثة. 

شريك الفضاء

في حالة المغرب، كان التركيز بشكل خاص على "تطوير التنسيق في قطاعي التكنولوجيا والفضاء".

علاوة على ذلك، وقّع وزير الخارجية، ناصر بوريطة، ووكيل وزارة الخارجية الأميركية، خلال الزيارة، اتفاقية انضمام المغرب إلى برنامج أرتميس، وهو برنامج رحلات فضائية تابع لوكالة ناسا. 

وبهذا الاتفاق، يصبح المغرب الشريك العالمي الرابع والستين والشريك الأفريقي الخامس في برنامج الفضاء التابع لوكالة ناسا. ويفتح هذا التوقيع آفاقا جديدة للبعثات الفضائية المشتركة، والوصول إلى البيانات العلمية، وتحديث القطاع الصناعي، والتدريب الهندسي، وتطوير اقتصاد البيانات.

شملت زيارة لاندو إلى الرباط استكشاف مدينة الداخلة في الصحراء الغربية؛ حيث ستفتتح الولايات المتحدة قنصلية لها. وعقب زيارة لاندو، أكد السفير الأميركي لدى المغرب، ديوك بوكان الثالث، أن "الإمكانات الاقتصادية للصحراء الغربية لا حدود لها".

وفي الداخلة، زار موقع بناء ميناء الداخلة الأطلسي، وأكد أن "هناك فرصا تجارية واستثمارية هائلة لهذه المنطقة، والولايات المتحدة حريصة على المشاركة فيها". 

ومن المتوقع أن يُسهّل هذا الميناء، المقرر افتتاحه عام 2028، التجارة بين إفريقيا وأوروبا والأميركتين، وأن يجذب الاستثمارات الأجنبية.