هل يصبح قطع الكابلات البحرية أخطر من تعطيل مرور النفط في مضيق هرمز؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في تطور يعكس اتساع دائرة التنافس الجيوسياسي في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، حذّرت إيران في 28 أبريل/نيسان 2026 من أن الكابلات البحرية المارة عبر مضيق هرمز تمثل “نقطة ضعف خطيرة” للاقتصاد الرقمي في المنطقة، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن احتمال تعرض هذه البنية التحتية الحيوية لضغوط أو تهديدات في إطار مساعي طهران لتعزيز سيطرتها على هذا الممر الإستراتيجي.

وفي 9 مايو/أيار 2026، تناولت وسائل إعلام إيرانية ما وصفته بثلاث خطوات عملية قد تلجأ إليها إيران من أجل تحقيق عائدات مالية من الكابلات البحرية الخاصة بالإنترنت في مضيق هرمز، في إشارة إلى توجه متصاعد نحو التعامل مع هذه البنية التحتية بصفتها مورداً اقتصادياً إستراتيجياً، بما يعزز مفهوم السيادة الإيرانية على الممر البحري الحيوي.

ويُعد مضيق هرمز الذي يُصنَّف من أهم نقاط الاختناق في حركة التجارة العالمية، ممراً لا يقتصر دوره على نقل شحنات النفط فحسب، بل يمتد ليشكل شرياناً أساسياً للبنية التحتية الرقمية العالمية؛ إذ تمر عبر قاعه كابلات ألياف ضوئية تربط بين دول آسيا، خصوصاً الهند وجنوب شرق آسيا، وبين أوروبا مروراً بدول الخليج ومصر، ما يجعله محوراً حيوياً للاقتصاد الرقمي العالمي.

ويرى مراقبون أن أي توجه لفرض رسوم أو قيود على الكابلات البحرية سيمثل تحولاً كبيراً في طبيعة الصراع داخل المضيق، إذ قد يضيف بُعداً جديداً إلى التوتر القائم بالفعل حول الطاقة والملاحة البحرية، ليشمل ما يمكن وصفه بـ”الصراع الرقمي” إلى جانب “صراع النفط”، في ظل سعي طهران إلى توظيف موقعها الجغرافي الإستراتيجي لتعظيم مكاسبها الاقتصادية والسياسية.

ويشير هذا التطور المحتمل إلى تحول مضيق هرمز من كونه “عنق زجاجة للطاقة” يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، إلى “عنق زجاجة للاقتصاد الرقمي العالمي” أيضاً، بما يعكس اتساع نطاق التنافس الدولي في المنطقة، وتزايد أهمية البنية التحتية الرقمية كأحد عناصر القوة والنفوذ في النظام الدولي المعاصر.

حق سيادي

في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، تبرز الكابلات البحرية كأحد أهم عناصر البنية التحتية الرقمية العالمية وأكثرها حساسية، حيث تمر عبرها نحو 99% من حركة بيانات الإنترنت حول العالم. ويعبر قاع مضيق هرمز ما بين 10 إلى 17 كابلًا بحريًا للألياف الضوئية، تنقل قرابة 30% من البيانات بين آسيا وأوروبا، ونحو 90% من حركة البيانات بين دول الخليج والعالم، ما يجعل هذا الممر المائي الضيق شريانًا حيويًا للاقتصاد الرقمي الدولي.

وتكتسب هذه الكابلات أهمية إستراتيجية بالغة، إذ تشكل العمود الفقري لقطاعات مالية وتقنية رئيسة، تشمل البنوك والتحويلات المالية عبر نظام “سويفت”، وخدمات الحوسبة السحابية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات الدولية، إضافة إلى حركة الأسواق المالية العالمية. كما تُشغّل وتُدار معظم هذه الكابلات من قبل شركات تقنية كبرى مثل جوجل وميتا ومايكروسوفت وأمازون، ما يعكس حجم الاعتماد العالمي على هذا المسار البحري الحيوي.

ويحذر خبراء من أن أي انقطاع في هذه الكابلات المارة عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى تداعيات فورية وواسعة النطاق، تمتد آثارها إلى آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وقد تتسبب في تعطيل الخدمات المصرفية الإلكترونية، وأنظمة الدفع بالبطاقات، وخدمات الإنترنت الأساسية، بما ينعكس مباشرة على حياة المستخدمين العاديين والاقتصادات الوطنية على حد سواء.

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات إيرانية صدرت في مارس 2026 مخاوف متزايدة، بعد تحذير طهران من أن هذه الكابلات تمثل “نقطة ضعف خطيرة” للاقتصاد الرقمي في المنطقة، مع الإشارة إلى احتمال تعرضها لمخاطر أمنية قد تفوق في تأثيرها عرقلة حركة النفط في المضيق. كما نقلت وكالة تسنيم للأنباء، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، أن تركّز الكابلات في ممر مائي ضيق يجعل من مضيق هرمز نقطة اختناق إستراتيجية شديدة الحساسية للبنية التحتية الرقمية الإقليمية، محذرة من أن أي أضرار متزامنة قد تؤدي إلى انقطاعات واسعة في دول الخليج.

وفي 9 مايو 2026، تصاعد الجدل بعد تقارير إعلامية إيرانية تحدثت عما وصفته بـ”ثلاث خطوات عملية” لتحقيق عوائد مالية من الكابلات البحرية في المضيق، في إطار رؤية تعد هذه البنية التحتية جزءًا من موارد السيادة الاقتصادية. ووفقًا لوكالة تسنيم، فإن هذه الكابلات تنقل يوميًا ما يصل إلى تريليونات الدولارات من المعاملات المالية العالمية، ما يعزز، بحسب الطرح الإيراني، من أهمية إعادة النظر في طريقة إدارتها اقتصاديًا.

وتشير الوكالة إلى أن إيران ترى نفسها محرومة من عوائد اقتصادية وسيادية مرتبطة بهذه البنية التحتية، نتيجة ما تصفه بنظرة تقليدية لدور المضيق. ووفق التصور المطروح، تقوم الخطة على ثلاث خطوات رئيسة تشمل فرض رسوم ترخيص أولية وتجديد سنوي على الشركات الأجنبية، وإلزام شركات التكنولوجيا العالمية بالامتثال للقوانين الإيرانية، إضافة إلى منح شركات محلية احتكار عمليات إصلاح وصيانة الكابلات.

وتستند هذه الرؤية، بحسب ما نُشر، إلى مفهوم السيادة على قاع مضيق هرمز وفق المادة 34 من اتفاقية قانون البحار، مع الإشارة إلى نماذج دولية مشابهة، من بينها نموذج الاستفادة الاقتصادية من الكابلات البحرية في قناة السويس. كما روجت وسائل إعلام إيرانية أخرى، من بينها وكالة فارس، لفكرة عد مضيق هرمز “طريقًا سريعًا خفيًا” تمر عبره البنية التحتية الرقمية العالمية.

وتذهب هذه الطروحات إلى التأكيد على أن أي انقطاع في الكابلات البحرية، حتى لو كان محدودًا، قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة تتراوح بين عشرات ومئات الملايين من الدولارات خلال أيام قليلة، وهو ما يعكس حجم الاعتماد العالمي على هذا المسار الحيوي. كما تشير إلى أن مرور الكابلات يتطلب، في التصور الإيراني المقترح، تصاريح ورسومًا وتنظيمًا محليًا، مع منح الشركات الإيرانية دورًا رئيسا في إدارتها وصيانتها.

وبينما يرى مراقبون أن هذه الطروحات تحمل أبعادًا اقتصادية مرتبطة بتعظيم الموارد، يحذر آخرون من أن تحويل الكابلات البحرية إلى أداة صراع قد يضيف بُعدًا جديدًا من التوتر إلى واحد من أكثر الممرات الإستراتيجية حساسية في العالم، حيث يتداخل أمن الطاقة مع أمن المعلومات في مشهد جيوسياسي متصاعد التعقيد.

خرائط تفصيلية

تزامن هذا التصعيد مع بدء وسائل الإعلام الإيرانية المرتبطة بالدولة في نشر خرائط تفصيلية لمسارات الكابلات البحرية ومحطات الإنزال ومراكز البيانات الإقليمية المنتشرة في مختلف أنحاء الخليج العربي، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا حول دلالاتها وتوقيتها.

وقد رأى محللون لصحيفة جيروزاليم بوست في 22 أبريل/نيسان 2026 أن هذه التسريبات لا يمكن فصلها عن سياق التوتر القائم، مرجحين أنها قد تمثل تمهيدًا غير مباشر لاستهداف مواقع محددة مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية الحساسة في المنطقة.

وفي سياق متصل، كانت حركة الحوثيين في اليمن قد نشرت في 7 فبراير/شباط 2024، عبر تطبيق تيليغرام، خطة تتضمن نيتها استهداف الكابلات البحرية التي تربط بين أوروبا وآسيا عبر البحر الأحمر، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). وفي اليوم نفسه، أشارت مجلة فورين بوليسي إلى أن الحوثيين قد لا يمتلكون القدرة التقنية الكاملة لتنفيذ مثل هذه العمليات بمفردهم، إلا أن إيران قادرة – وفق تقديراتها – على توفير الدعم والقدرات اللازمة في هذا المجال.

وحذرت المجلة حينها من أن طبيعة التهديد كانت واضحة ومبكرة، إلا أن المجتمع الدولي لم يتعامل معها بالجدية الكافية، قبل أن تتحقق بعض تلك المخاوف لاحقًا.

فبعد أقل من ثلاثة أسابيع، وتحديدًا في 26 فبراير/شباط 2024، تم قطع أربعة كابلات بحرية تربط بين السعودية وجيبوتي، في حادثة أعادت إلى الواجهة التحذيرات السابقة، خاصة بعد إعلان الحوثيين نواياهم بشأن استهداف هذا النوع من البنية التحتية الحيوية.

ويشير مراقبون إلى أن النمط ذاته يبدو أنه يتكرر اليوم، لكن على نطاق أوسع وأكثر خطورة، إذ لم يعد يقتصر على منطقة محددة، بل يمتد ليشمل البنية التحتية الرقمية التي تربط العالم بأكمله، خصوصًا بعد نشر وسائل إعلام إيرانية موالية للدولة خرائط دقيقة لمسارات الكابلات، بطريقة مشابهة لما سبق أن استخدمه الحوثيون قبل هجماتهم في عام 2024.

وبحسب تقارير نقلتها وكالة رويترز وصحيفة جيروزاليم بوست، فإن من أبرز الكابلات المارة عبر مضيق هرمز والتي يمكن أن تتأثر في حال حدوث أي تصعيد هي: كابل فالكون، وكابل AAE-1، وكابل TGN-Gulf، وكابل SEA-ME-WE، وهي شبكات تُعد من الركائز الأساسية لربط مراكز البيانات في الشرق الأوسط بأوروبا وآسيا.

وعلى الرغم من عدم تسجيل أي هجوم مباشر حتى الآن على هذه الكابلات، فإن التصريحات والتحذيرات المتزايدة أثارت قلقًا دوليًا واسعًا بشأن مستقبل أمن البنية التحتية الرقمية، واحتمال تحولها إلى ساحة جديدة من ساحات الصراع غير التقليدي.

وتُظهر التجارب السابقة أن هذه الكابلات، رغم حساسيتها، لم تتعرض لأضرار مباشرة كبيرة في النزاعات الحديثة، إلا أن الخبراء يحذرون من وجود مخاطر غير مباشرة، أبرزها احتمال تعرضها للضرر نتيجة اصطدام مراسي السفن أو الأنشطة البحرية العسكرية في مناطق التوتر.

وتزداد خطورة أي انقطاع في هذه الكابلات بالنظر إلى محدودية البدائل المتاحة، إذ إن أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، رغم تطورها، لا تستطيع مجاراة السعة الهائلة وسرعات النقل التي توفرها الكابلات البحرية، كما أن تكلفتها أعلى بكثير، بحسب تقارير رويترز.

وتوفر خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض سرعات تتراوح بين 100 و200 ميغابت في الثانية، وهي مناسبة للاستخدام الفردي والمؤسسي المحدود، لكنها تبقى غير قادرة على تلبية الطلب الضخم لمراكز البيانات التي يزيد عددها عن مئتي مركز في المنطقة، وفق تقديرات مركز ستيمسون.

في المقابل، تتميز كابلات الألياف الضوئية بقدرتها على نقل كميات هائلة من البيانات بزمن استجابة منخفض للغاية، إذ يمكن لكابل واحد من نوع 2Africa نقل ما يصل إلى 21 تيرابت في الثانية لكل زوج من أزواج الألياف الضوئية، وهو ما يعادل قدرة ملايين الاتصالات عبر الأقمار الصناعية في الوقت نفسه، ما يبرز حجم الاعتماد العالمي على هذه البنية التحتية الحيوية.

شركات عملاقة

تشير تقارير أميركية ودولية إلى أن الصراع مع إيران كشف عن مستوى جديد وأكثر خطورة من التهديدات الموجهة للبنية التحتية التكنولوجية العالمية، لا يقتصر على المجال العسكري التقليدي، بل يمتد إلى مراكز البيانات وشبكات الاقتصاد الرقمي. ووفق ما أورده مركز الدراسات الأمنية “ستيمسون” في تقريره الصادر في 16 أبريل/نيسان 2026، فإن طهران نفذت هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مراكز بيانات في البحرين والإمارات، في تطور يعكس انتقال الصراع إلى البنية التحتية الرقمية الحيوية.

وبحسب ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز، فقد تعرض مركزا بيانات تابعان لشركة أمازون ويب سيرفيسز في الإمارات لهجمات مطلع مارس/آذار 2026، كما استُهدف مركز بيانات تابع للشركة نفسها في البحرين مطلع أبريل/نيسان 2026، إلى جانب استهداف مركز ثالث تابع لشركة أوراكل في دبي بتاريخ 2 أبريل/نيسان 2026. وتشير هذه التطورات إلى نمط متصاعد من استهداف البنية الرقمية في منطقة الخليج بصفتها جزءًا من منظومة القوة الاقتصادية العالمية.

وتزامنت هذه الهجمات مع تهديدات سابقة بإمكانية استهداف عدد من الشركات الأميركية العملاقة العاملة في مجال التكنولوجيا، من بينها مايكروسوفت، وجوجل، وآبل، وميتا، وأوراكل، وإنتل، وإتش بي، وآي بي إم، وسيسكو، وديل، وبالانتير، وإنفيديا، ما يعكس اتساع نطاق الصراع المحتمل ليشمل القطاع التكنولوجي العالمي بأكمله.

ويرى محللون أن هشاشة مراكز البيانات التجارية، مقارنة بالبنى العسكرية التقليدية، تعود إلى ضخامتها واعتمادها على أنظمة حماية غير مخصصة لمستوى التهديدات العسكرية المباشرة، وهو ما يجعلها أهدافًا محتملة في أي صراع مستقبلي. كما يشير خبراء إلى أن استهداف هذه المراكز قد يكون مرتبطًا بمحاولة فرض نفوذ أو التحكم في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الشركات العالمية الكبرى.

وفي هذا السياق، يحذر تقرير لموقع “ذا كونفرزيشن” في 2 أبريل/نيسان 2026 من أن تزايد الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية يجعل من مراكز البيانات أهدافًا إستراتيجية بالغة الحساسية، في حال تحولت إلى ساحات صراع بين القوى الإقليمية والدولية.

ويشهد الشرق الأوسط تحولًا متسارعًا من كونه مركزًا تقليديًا للطاقة إلى مركز رقمي عالمي، حيث يستضيف أكثر من 300 مركز بيانات موزعة على 18 دولة، مع استثمارات ضخمة من شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل في إنشاء بنية تحتية سحابية متقدمة في المنطقة، خصوصًا في دول الخليج.

ويحذر خبراء من أن أي استهداف أو تعطيل للكابلات البحرية التي تغذي هذه المراكز، أو لمراكز البيانات نفسها، لن يقتصر تأثيره على تعطيل خدمات الاتصالات أو البريد الإلكتروني، بل قد يمتد ليشمل شللًا واسعًا في الاقتصاد الرقمي العالمي، بما في ذلك الأسواق المالية، والخدمات المصرفية، والتجارة الدولية، في ظل اعتماد متزايد على الإنترنت في إدارة المعاملات اليومية حول العالم.

ما المخاطر؟

يرى عدد من التقديرات الغربية والآسيوية أن إيران تمتلك من الناحية النظرية بعض الأدوات التي قد تمكّنها من التأثير في الكابلات البحرية المارة عبر مضيق هرمز، سواء عبر التهديد أو عبر عمليات تعطيل غير مباشر، لكنها في الوقت نفسه تواجه قيودًا كبيرة تجعل تحويل هذا التهديد إلى سياسة فعلية أمرًا معقدًا ومحفوفًا بالمخاطر.

فعلى المستوى الجغرافي، تُعد مياه مضيق هرمز ضحلة نسبيًا، ما يجعل الكابلات البحرية قريبة من متناول الأنشطة البحرية المختلفة، وهو ما يفتح من الناحية التقنية إمكانية إلحاق الضرر بها عبر وسائل متعددة، من بينها الألغام البحرية أو عمليات التخريب غير المباشر. كما تمتلك إيران قدرات بحرية غير تقليدية، تشمل زوارق سريعة وألغامًا بحرية وأدوات حرب غير متماثلة، إضافة إلى خبرة تراكمية في استخدام أساليب الضغط غير المباشر في مناطق التوتر البحري. ويضاف إلى ذلك أن إصلاح الكابلات البحرية المتضررة أثناء النزاعات قد يستغرق أسابيع أو حتى أشهر، ما يعزز من خطورة أي انقطاع محتمل.

لكن في المقابل، تشير التقديرات إلى أن تنفيذ هجوم مباشر على هذه البنية التحتية يحمل مخاطر إستراتيجية كبيرة على إيران نفسها، نظرًا لاعتمادها هي الأخرى على نفس الشبكات في الاتصالات والاقتصاد، فضلًا عن أن أي استهداف واسع النطاق قد ينعكس سلبًا على اقتصادات دول الخليج والصين وآسيا وأوروبا، وقد يدفع إلى ردود فعل دولية جماعية نظرًا لارتباط هذه الكابلات بالاقتصاد العالمي ككل.

ولهذا يرى محللون أن الخيار الأكثر ترجيحًا لدى طهران ليس التنفيذ المباشر، بل استخدام أسلوب الردع والضغط السياسي والإعلامي، عبر التلويح بالمخاطر ونشر تقارير رسمية وشبه رسمية حول هشاشة الكابلات البحرية، إلى جانب طرح فكرة فرض رسوم أو تنظيم مرورها كوسيلة لفرض نفوذ اقتصادي على هذا الممر الحيوي. ويذهب بعض التحليلات إلى أن هذا النمط يعكس محاولة لتوظيف “التهديد غير المباشر” بدلًا من التصعيد العسكري المباشر.

وفيما يتعلق بإمكانية فرض رسوم على الكابلات البحرية، يشير تحليل صادر عن موقع “أوراسيا ريفيو” في 12 مايو/أيار 2026 إلى أن الطروحات الإيرانية في هذا السياق تواجه إشكاليات قانونية وعملية كبيرة، وأنها أقرب إلى كونها “ضغطًا سياسيًا” منها إلى خطة قابلة للتطبيق. فوفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ورغم سيادة الدول على مناطقها البحرية، فإن المادة 79 تنص على حماية واضحة لحق الدول والشركات في مد وصيانة الكابلات البحرية الدولية، ما يحدّ من قدرة أي دولة على فرض رسوم سيادية مباشرة عليها.

كما يشير خبراء إلى أن إجبار شركات التكنولوجيا العالمية على العمل وفق القوانين المحلية بشكل كامل داخل هذا السياق البحري يبدو غير واقعي، نظرًا لطبيعة هذه الشركات العابرة للحدود واعتمادها على أطر تنظيمية دولية. ويُقارن بعض المحللين هذه الطروحات بفكرة “رسوم الحماية”، في إشارة إلى أنها أقرب إلى أدوات ضغط سياسي منها إلى نظام قانوني معترف به دوليًا.

وبناءً على ذلك، بدأت بعض التقارير الغربية والآسيوية تتحدث عما يُعرف بـ”مشكلة هرمز الرقمية”، في إشارة إلى احتمال تحول المضيق إلى نقطة اختناق لا تقتصر على الطاقة فحسب، بل تمتد إلى تدفق البيانات العالمية. ويحذر موقع “آسيا تايمز” في تقريره الصادر في 5 مايو/أيار 2026 من أن أخطر سيناريو محتمل قد لا يكون هجومًا صاروخيًا مباشرًا، بل انقطاعًا مفاجئًا في الكابلات البحرية قد يبدو في ظاهره حادثًا عرضيًا، لكنه يؤدي إلى شلل واسع في حركة الإنترنت والاتصالات العالمية.

وتربط بعض التحليلات هذا السيناريو بتجارب سابقة في المنطقة؛ حيث أدى تضرر كابلات بحرية إلى اضطرابات في تدفق البيانات، رغم أن تلك الحوادث لم تُصنف كعمليات عسكرية مباشرة. كما يشير خبراء إلى أن المخاطر لا تقتصر على الاستهداف المتعمد، بل تشمل أيضًا الحوادث العرضية المرتبطة بحركة السفن والملاحة، مثل إسقاط المراسي أو الأنشطة البحرية الكثيفة في مناطق مرور الكابلات.

وتزداد هذه المخاوف أهمية في ظل محدودية البدائل المتاحة، إذ رغم تطور الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، فإنها لا تزال غير قادرة على تعويض السعة الهائلة وسرعة نقل البيانات التي توفرها الكابلات البحرية، ما يجعل هذه البنية التحتية عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد الرقمي العالمي.

وفي هذا السياق، تشير بعض المبادرات الدولية، مثل “بيان نيويورك المشترك” لعام 2024، الذي وقعته أكثر من عشرين دولة، إلى الاعتراف بوجود ثغرات أمنية في حماية الكابلات البحرية، من بينها إمكانية تعرضها للقطع أو التلف دون إمكانية تحديد ما إذا كان ذلك حادثًا عرضيًا أو فعلًا متعمدًا، وهو ما يزيد من تعقيد إدارة هذا النوع من المخاطر في المستقبل.