قمة ترامب وشي جين بينغ.. الاقتصاد والتوترات الجيوسياسية على طاولة المباحثات

شدوى الصلاح | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في زيارة تُوصف بأنها واحدة من أكثر التحركات السياسية حساسية وتأثيرًا في السنوات الأخيرة، توجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في زيارة رسمية تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وإستراتيجية معقدة، وسط تحولات متسارعة يشهدها النظام الدولي وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ العالمي.

وتأتي هذه الزيارة، التي تعد الأولى لرئيس أميركي إلى بكين منذ سنوات طويلة في ظل هذا المستوى من التوتر الدولي، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى إعادة ترميم صورتها الدولية واستعادة جزء من نفوذها السياسي والاقتصادي الذي تعرض لاختبارات قاسية خلال الحرب في إيران وما رافقها من انتقادات داخلية وخارجية، وفق ما أشارت إليه تقارير دولية عدة بينها صحيفة "الغارديان" البريطانية.

وتحمل زيارة ترامب إلى الصين دلالات تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية بين البلدين، إذ ينظر إليها بصفتها محاولة لإعادة صياغة التوازنات بين أكبر اقتصادين في العالم، في ظل استمرار الخلافات التجارية والتكنولوجية، واحتدام المنافسة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب الملفات الأمنية والجيوسياسية التي باتت تشكل مصدر توتر دائم بين واشنطن وبكين، وعلى رأسها ملف تايوان، والنفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فضلاً عن تطورات الملف الإيراني وانعكاساته على استقرار الشرق الأوسط والعالم.

ويرافق ترامب خلال الزيارة، التي جاءت بدعوة رسمية من الرئيس الصيني شي جين بينغ، وفد أميركي رفيع المستوى يضم شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، إضافة إلى رؤساء كبرى الشركات الأميركية العملاقة، في مؤشر واضح على الأهمية الاقتصادية التي توليها واشنطن لهذه الزيارة.

ومن بين أبرز المشاركين الرئيس التنفيذي لشركة "تسلا" إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لشركة أبل تيم كوك، والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ، حيث تسعى الشركات الأميركية الكبرى إلى استغلال الزيارة للضغط باتجاه توسيع فرص الاستثمار وفتح السوق الصينية أمام مزيد من المنتجات والتقنيات الأميركية، إضافة إلى تخفيف القيود التجارية والتكنولوجية التي فرضتها بكين خلال السنوات الماضية.

ومن المقرر أن يعقد ترامب ونظيره الصيني يومي 14 و15 مايو/أيار 2026 سلسلة من الاجتماعات المكثفة التي ستتناول عدداً واسعاً من الملفات المعقدة، يتصدرها الملف التجاري الذي يشكل محور التنافس الأبرز بين البلدين، خاصة في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، وقيود التصدير، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، إلى جانب مناقشة مستقبل العلاقات الاقتصادية الثنائية في ظل المخاوف العالمية من تباطؤ الاقتصاد الدولي.

كما ستتناول المحادثات ملفات سياسية وأمنية شديدة الحساسية، من بينها التصعيد حول تايوان، والتوترات العسكرية في بحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى تطورات الملف الإيراني وتأثيراته على أمن الطاقة العالمي.

وقبيل مغادرته إلى الصين، حرص ترامب على توجيه رسائل سياسية واضحة بشأن موقف بلاده من إيران، مؤكداً في تصريحات أدلى بها من البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى مساعدة من الرئيس الصيني شي جين بينغ في التعامل مع الملف الإيراني، مشيراً إلى أنه لا يرى دوراً صينياً محورياً في هذا السياق، رغم توقعه إجراء "محادثات مطولة" مع نظيره الصيني خلال الزيارة.

وتعكس هذه التصريحات تمسك الإدارة الأميركية بإدارة الملف الإيراني وفق رؤيتها الخاصة، في وقت تحاول فيه واشنطن إبقاء الضغوط السياسية والعسكرية على طهران دون السماح بتحول الأزمة إلى مواجهة أوسع قد تهدد استقرار المنطقة والعالم.

وشدد ترامب على أن الأولوية الأساسية بالنسبة لواشنطن تتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مقدرا أن هذا الملف يتجاوز أي تقديرات سياسية أخرى، كما وجه انتقادات حادة إلى حلف الناتو، متهماً الحلف بعدم تقديم الدعم الكافي للولايات المتحدة خلال الأزمة مع إيران، ومعبراً عن استياء بلاده من مواقف بعض الحلفاء الغربيين.

وقال ترامب في تصريحاته: "لسنا بحاجة إلى الناتو. عندما كنا بحاجة إليهم لم يكونوا موجودين؛ لقد خيب الناتو آمالنا كثيراً"، في تصريحات تعكس استمرار التوتر بين ترامب وبعض الحلفاء التقليديين لواشنطن، وتكشف في الوقت ذاته عن توجه أميركي متزايد نحو إعادة تقييم التحالفات الدولية التقليدية وربطها بحسابات المصالح المباشرة.

وتترقب الأوساط السياسية والاقتصادية العالمية نتائج هذه الزيارة التي قد تسهم في تخفيف حدة التوتر بين واشنطن وبكين، أو على العكس قد تكشف عمق الخلافات بين الطرفين بشأن قضايا التجارة والنفوذ والأمن الدولي.

كما ينظر إلى القمة الأميركية الصينية بصفتها اختباراً مهماً لمستقبل العلاقات بين القوتين الأكبر في العالم، في وقت يمر فيه النظام الدولي بمرحلة إعادة تشكيل واسعة قد تعيد رسم موازين القوة والتحالفات خلال السنوات المقبلة.

قمة مفصلية

وتحدث خبراء ومحللون سياسيون وناشطون على منصات التواصل عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #قمة_بكين #دونالد_ترامب  #شي_جين_بينغ عن توقعاتهم لزيارة ترامب إلى بكين، مع تركيز كبير على ملف إيران.

وعبّروا عن ذلك من خلال تحليلات جيوسياسية تربط بين المفاوضات التجارية/التقنية والضغط الأميركي على الصين لتقليص دعمها الاقتصادي أو الدبلوماسي لإيران (مثل شراء النفط، أو الضغط لإعادة فتح مضيق هرمز، أو عدم تقديم أسلحة/تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام). 

ورأوا الزيارة محاولة أميركية لاستخدام "الجزرة والعصا" (تخفيف رسوم، صفقات AI/تجارة مقابل تعاون على إيران)، بينما يتوقع آخرون حذرًا صينيًا شديدًا وعدم تنازل كبير، مقدرين أن بكين لن تخاطر بأمن الطاقة أو نفوذها، وعادين الزيارة "قمة مفصلية" قد تحدد ما إذا كانت الحرب مع إيران تتوقف أو تتصاعد بعد العودة. 

ما بعد القمة

وتوقع خبراء أن تكون قمة ترامب-شي جين بينغ  نقطة تحول جيوسياسي، حيث يُتوقع أن تنعكس نتائجها مباشرة (إيجاباً أو سلباً) على الملف الإيراني-الأميركي-الإسرائيلي، خاصة في ظل حرب إيران، أزمة مضيق هرمز، والتوترات الإقليمية. 

وأكدوا أن ما بعد هذه القمة لن يكون كما قبلها، مشيرين إلى توازن الصين بين مصالحها الإستراتيجية مع إيران (اتفاق 25 عاماً، نفط، حزام وطريق) وحاجتها للتعاون التجاري مع أميركا (تجارة تفوق 450 مليار دولار، تكنولوجيا، بوينغ).

كما توقعوا أن يستغل ترامب الضغط على بكين للتهدئة مع إيران أو إعادة فتح هرمز، بينما تحصل الصين على تنازلات في التجارة أو تايوان، مع مخاوف إسرائيلية من الدور الصيني.

مخاوف وتحذيرات

وأعرب ناشطون عن مخاوفها من أن تقدم الصين تنازلات تضعف موقف إيران أو تعد انتصاراً للسياسة الأميركية "الصفقات"، أو تقوّض الإستراتيجية الصينية طويلة الأمد القائمة على الصبر والمصالح الجوهرية، متحدثين عن السيناريوهات المحتملة لمسار العلاقة بين واشنطن وبكين.

وحذروا من أن التنازلات قد تكون "رفع راية بيضاء" أو خسارة للتوازن الدولي، مع التركيز على أن بكين تنتظر تورط واشنطن أكثر بدلاً من التنازل، معربين عن ثقتهم في أن بكين لن تقدم لترامب أي مساعدة فيما يخص الملف الإيراني مهما امتدحها.

صفقات تجارية

وركز متابعون على مرافقة ترامب وفد ضخم من الرؤساء التنفيذيين مثل إيلون ماسك (تيسلا وسبيس إكس)، جنسن هوانغ (إنفيديا)، تيم كوك (أبل)، ولاري فينك (بلاك روك)، عادين الزيارة "قمة أعمال تاريخية" قد تفتح أبواب صفقات تجارية كبرى في مجالات الذكاء الاصطناعي، الطيران، والطاقة وتشكل تحالف اقتصاد وتقني عالمي.