يني شفق: العقوبات الأوروبية المزعومة ضد المستوطنين بالضفة مجرد خطوة رمزية

"العقوبات الأوروبية أقرب إلى الرمزية السياسية منها إلى أدوات ضغط قادرة على تغيير الواقع القائم"
أعلن الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار 2026 فرضَ عقوبات جديدة ضد عدد من المنظمات الاستيطانية الإسرائيلية وقادتها، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها من حيث استهدافها للبنية التنظيمية للحركة الاستيطانية، لا مجرد الأفراد المتورطين في أعمال عنف منفصلة.
غير أن هذه الخطوة، رغم رمزيتها السياسية، تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول حدود الموقف الأوروبي، ومدى جدية الاتحاد في مواجهة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بصفته مشروعاً استعمارياً ممنهجاً، وليس مجرد تجاوزات أمنية معزولة.
وذكرت صحيفة يني شفق التركية في مقال للكاتب التركي "محمد رقيب أوغلو"، أن إسرائيل، تحاول منذ عقود تقديم المستوطنين في الضفة الغربية على شكل "مدنيين" كانوا قد عادوا إلى "أرض الأجداد"، وهي رواية تسعى إلى نزع البعد الاستعماري عن المشروع الاستيطاني، وإعادة تصويره كحركة سكانية طبيعية أو دينية.

حقبة ما بعد أوربان
واستدرك الكاتب قائلا: إلا أن هذا الخطاب يتناقض بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي الذي يعدّ نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال انتهاكاً صريحاً لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
بالتالي، فإن المستوطنات ليست مجرد تجمعات سكنية مثيرة للجدل، بل هي أدوات مركزية في هندسة الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
فالمستوطنون لا يعيشون في فراغ سياسي أو أمني، وإنما يشكلون امتداداً وظيفياً للدولة الإسرائيلية، سواء كان ذلك عبر السيطرة على الأراضي، أو فرض الوقائع الديموغرافية، أو تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، أو ممارسة العنف ضد السكان الفلسطينيين تحت حماية الجيش الإسرائيلي.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية مضاعفة بعد الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، والذي أكد بشكل واضح أن الاستيطان الإسرائيلي يمثل خرقاً للقانون الدولي.
بذلك لم يعد الحديث يدور حول خلاف سياسي قابل للتفاوض، بل حول نظام احتلال واستعمار استيطاني موصوف قانونياً.
وأردف الكاتب بأنّه رغم كل تلك الإدانات الأوروبية المتكررة للاستيطان، ظل الاتحاد الأوروبي عاجزاً لسنوات عن اتخاذ خطوات عملية مؤثرة ضد المستوطنين أو الجهات الداعمة لهم.
ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى طبيعة آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد؛ حيث تعتمد السياسة الخارجية على مبدأ الإجماع، وهو ما يمنح أي دولة عضو حق تعطيل القرارات.
وقد لعبت المجر لمدة طويلة دور الحاجز الأبرز أمام أي تحرك أوروبي حقيقي ضد إسرائيل.
فمنذ سنوات، استخدم أوربان حق النقض لحماية تل أبيب من العقوبات أو الإدانات الحادة، ضمن تحالف سياسي وأيديولوجي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي.
وهذا التحالف لم يكن مجرد تقارب دبلوماسي عابر، بل ارتبط بصعود تيارات قومية وشعبويّة داخل أوروبا؛ حيث ترى في إسرائيل نموذجاً للدولة القومية المحافظة ذات النزعة الأمنية الصلبة. ومن هنا، أصبحت حماية إسرائيل جزءاً من معركة أيديولوجية أوسع داخل أوروبا نفسها.
غير أن انتخابات أبريل/نيسان 2026 في المجر شكلت نقطة تحول مهمة، فبعد خسارة أوربان السلطة، صعدت حكومة جديدة أعلنت أنها لن تستخدم حق الفيتو الأوروبي لأغراض أيديولوجية.
ومع سقوط هذا الحاجز السياسي، أصبح تمرير العقوبات الأوروبية ممكناً للمرة الأولى منذ سنوات.

تحول نوعي أم خطوة تجميلية؟
واستهدفت العقوبات الأوروبية الجديدة أربع منظمات استيطانية رئيسة؛ وهي "أمانا"، و"هاشومير يوش"، و"ريغافيم"، و"نحالا"، إضافة إلى شخصيات بارزة مرتبطة بالحركة الاستيطانية.
وتتمثل العقوبات في تجميد الأصول المالية ومنع السفر والتعامل المالي مع مؤسسات أوروبية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يركز فقط على الأفراد الذين ينفذون أعمال عنف مباشرة ضد الفلسطينيين، بل بدأ يستهدف البنية المؤسسية التي تدير المشروع الاستيطاني نفسه.
فهذه المنظمات تؤدي أدواراً حيوية في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، ومنع التوسع العمراني الفلسطيني، وتمويل البؤر الاستيطانية، وتوفير الغطاء القانوني والسياسي للمستوطنين.
لذلك من ناحية اقتصادية، قد يؤدي منع المؤسسات الأوروبية من التعامل مع هذه الجهات إلى تقليص مصادر التمويل والدعم اللوجستي، التي تعتمد عليها الحركة الاستيطانية.
لكن نجد أن تأثير العقوبات يظل محدوداً، طالما لا يمتد إلى الدولة الإسرائيلية نفسها، أو إلى الشركات الكبرى المتورطة في دعم الاحتلال.
ورغم أهمية القرار، إلّا أنّه يكشف في الوقت ذاته عن تناقضات عميقة داخل السياسة الأوروبية.
فقد حرص الاتحاد الأوروبي على موازنة العقوبات ضد المستوطنين، وذلك بفرض عقوبات متزامنة على عدد من مسؤولي حركة حماس، وكل ذلك كان ضمن إطار إظهار "الحياد" السياسي.
غير أن هذه المقاربة تطرح إشكالية قانونية وأخلاقية جوهرية. فهناك فارق أساسي بين قوة احتلال تمارس الاستيطان وتفرض نظاماً استعماريا على شعب خاضع للاحتلال، وبين حركة مقاومة تنشط داخل سياق تحرر وطني.
ولا شك أن وضع الطرفين في إطار عقابي واحد يوحي بوجود تكافؤ أخلاقي وقانوني بين الاحتلال والمقاومة، وهو ما يتناقض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي.
كما أن هذا التوازن يعكس استمرار الحذر الأوروبي التقليدي من أي مواجهة سياسية مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى الظهور بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان، دون أن يصل إلى مرحلة الصدام الحقيقي مع البنية السياسية والعسكرية التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي.
ولا يمكن فهم محدودية الموقف الأوروبي دون التوقف عند الدور الأميركي. فمع عودة دونالد ترامب إلى السلطة مطلع عام 2025، ألغت واشنطن العقوبات التي كانت مفروضة على بعض المستوطنين الإسرائيليين، وهو ما وفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً جديداً للحركة الاستيطانية.
وهذا التحول الأميركي منح الحكومات الأوروبية المترددة ذريعة إضافية لتجنب التصعيد مع إسرائيل، كما عزز شعور تل أبيب بأن الضغوط الدولية لن تتجاوز حدود الإدانات الرمزية.
لذلك، فإن العقوبات الأوروبية الحالية تبدو معزولة نسبياً عن موازين القوة الحقيقية التي تحكم الصراع.

دلالات سياسية مهمة
ولفت الكاتب التركي النظر إلى أنّ العقوبات الأوروبية تحمل دلالات سياسية مهمة، غير أنّها لا تزال بعيدة عن إحداث تحول جذري في العلاقة بين أوروبا وإسرائيل.
فالاتحاد الأوروبي ما زال يحتفظ بعلاقات تجارية وعسكرية وتقنية واسعة مع إسرائيل، ولم يبدِ حتى الآن استعداداً لتعليق اتفاقيات الشراكة أو فرض قيود اقتصادية شاملة.
كما أن العقوبات لم تشمل مسؤولين إسرائيليين كباراً، على الرغم من الاتهامات الدولية المتزايدة بشأن الحرب على غزة، والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وكل هذا هو ما يجعل القرار يبدو وكأنّه محاولة لاحتواء الغضب الدولي، أكثر من كونه بداية لسياسة أوروبية جديدة بالكامل.
في المقابل، تدرك إسرائيل أن الضغوط الأوروبية غالباً ما تبقى ضمن حدود الخطاب السياسي، وأن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى الإرادة الموحدة لاتخاذ إجراءات استراتيجية قاسية بسبب الانقسامات الداخلية والمصالح الاقتصادية المتشابكة.
ويرى الكاتب بأنّ هذه العقوبات الأوروبية الأخيرة ضد منظمات المستوطنين الإسرائيليين، على الرغم من تأثيرها الضئيل، إلّا أنّها تمثّل تطوراً سياسياً لا يمكن تجاهله؛ وذلك لأنها تكسر جزئياً حالة الحصانة التي تمتعت بها الحركة الاستيطانية داخل الغرب لسنوات طويلة.
إلا أن هذه الخطوة تبقى محدودة التأثير ما لم تتحول إلى سياسة شاملة، سياسة تعترف بأن الاستيطان ليس انحرافاً فردياً أو سلوكاً متطرفاً معزولاً، بل هو جوهر المشروع الاحتلالي الإسرائيلي نفسه.
وختم الكاتب مقاله قائلاً: إن الاختبار الحقيقي للموقف الأوروبي لن يكون في فرض عقوبات على بضعة مستوطنين أو مؤسسات، بل في مدى استعداده لمراجعة علاقاته الإستراتيجية مع إسرائيل، وربط الشراكات الاقتصادية والعسكرية باحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.
وحتى يحدث ذلك، ستظل العقوبات الأوروبية أقرب إلى الرمزية السياسية منها إلى أدوات ضغط قادرة على تغيير الواقع القائم.















