"رسالة مسربة" تكشف عن "صراع خفي" على السلطة في إيران.. ما القصة؟

"تسريب الرسالة السرية اعتبره المتشددون الدينيون (خيانة)، وهو ما يعكس حدة الصراع الدائر داخل مؤسسات الحكم"
أثارت “رسالة داخلية مسرّبة” حالة من التوتر داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، بعدما بدأت شخصيات من النخبة الحاكمة تُبدي تشكيكاً متزايداً في جدوى مواصلة النهج المتشدد تجاه الولايات المتحدة، لا سيما مع تفاقم الأزمة الاقتصادية.
في المقابل، يتمسك تيار آخر داخل النظام برواية "الانتصار" في المواجهة مع واشنطن، مقدرا أن بقاء النظام وصموده أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم الخسائر الكبيرة والدمار الواسع الذي نال البنية العسكرية والاقتصادية، يشكل دليلاً على نجاحه وقدرته على تجاوز الأزمة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة "فوكس أونلاين" الألمانية مليء بالمزاعم، فإن هذا المشهد يضعف قناعة ترامب بحسم الحرب لصالحه، إذ إن الطرف الذي يُنظر إليه كخاسر لا يزال، من وجهة نظره، يرفض الإقرار بالهزيمة.
,regionOfInterest=(518,325)&hash=7b8fc8f9f5d7594760117bf204817a6728e3f091345b0ac2d73f50afe6f2fdbe)
فجوة تتسع
وخلق هذا الوضع فجوة بين طهران وواشنطن، حيث يوضع التقرير الألماني أنه "في ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو الجبهات بين الطرفين أكثر تصلبا من أي وقت مضى، فكل من أميركا وإيران تعتبر نفسها في موقع متقدم، وتواصلان الدعوة إلى الوحدة والصمود".
ولفت إلى أن التصلب الأميركي يأتي بالتزامن مع "انتقادات واسعة يواجهها ترامب بسبب الحرب مع إيران، بما في ذلك انتقادات من داخل تيار "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى (ماغا)" الذي يعد من أبرز قواعده الداعمة".
"في المقابل، يبدو أن القيادة السياسية والدينية في إيران تعاني انقسامات داخلية، خلافا لما تروج له الدعاية الرسمية"، تقول المجلة
وتتابع: "ففي طهران، تتداول الأوساط السياسية تقارير عن رسالة كانت شديدة السرية وموجهة إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، قبل أن تتسرب إلى العلن".
وبحسبه، "تكشف الرسالة المسربة حجم الصراع داخل مراكز القوة الإيرانية، كما تعزز تقديرات ترامب بأن إيران قد تكون على شفا الانهيار".
وبحسب معلومات أوردتها قناة "إيران انترشانوال" المعارضة والتي تبث من الخارج، فإن مسؤولين كبارا حذروا في الرسالة من أن الدولة لم تعد قادرة على مواصلة نهجها الحالي، بما في ذلك الحرب مع الولايات المتحدة.
وأضاف الموقع الفارسي المعارض: "أكد الموقعون على الرسالة أن القيادة الإيرانية لا تملك خيارا سوى الدخول في مفاوضات جدية مع واشنطن بشأن البرنامج النووي".
وشبه التقرير الفارسي "الوضع الحالي بعام 1988، حين اضطر الزعيم الإيراني السابق روح الله الخميني إلى إنهاء الحرب مع العراق تحت ضغط داخلي هائل".
ووفق المجلة الالمانية، "ضمت قائمة الموقعين على الرسالة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي".
وأردفت: "عمل هؤلاء على جمع توقيعات شخصيات نافذة داخل النظام دعما للرسالة".
واستدركت: "إلا أن عددا من الشخصيات التي طُلب منها التوقيع رفضت ذلك، ومن بينهم كبير المفاوضين النوويين السابق في عهد الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي. والمتشدد علي باقري كني".
وأوضحت المجلة أن "الرسالة كانت موجهة حصريا إلى خامنئي، غير أن باقري كني عرضها، بحسب التقارير، على شخصيات متشددة أخرى، مؤكدا أنه لم يوقع عليها، وهو ما أدى في النهاية إلى تسريب مضمونها إلى العلن".
وقد أكد الموقعون على أن "تفاقم الأزمة الاقتصادية لم يترك أمام إيران خيارا سوى التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي".

أربعة مراكز
وفي تعقيبه على الرسالة المسربة، قال خبير الشؤون الإيرانية، ومؤلف كتاب "شبكة الملالي"، رالف غضبان، في حديث مع مجلة "فوكوس أونلاين"، أن "الرسالة لها تأثير هائل، لأنها تؤجج الصراع داخل القيادة الإيرانية بصورة أكبر".
واستطرد: "الجمهورية الإسلامية باتت تشهد تعددا في مراكز القوة داخل النظام".
مؤكدا على أن "تسريب الرسالة السرية اعتبره المتشددون الدينيون (خيانة)، وهو ما يعكس حدة الصراع الدائر داخل مؤسسات الحكم".
ويشير غضبان إلى أن "وفاة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في نهاية فبراير/ شباط 2026 أدت إلى تفجر الخلافات داخل قمة السلطة".
موضحا أن "نجله وخليفته مجتبى خامنئي لم يتمكن من تثبيت نفوذه، وأن الحرس الثوري هو من فرض اختياره، ما يعكس مدى ضعفه السياسي".
ووفق تقديره، فإن "تمسك الحرس الثوري بمجتبى يعود لعلاقته الوثيقة بهم وتعاونه معهم منذ سنوات".
واستطرد: "مجتبى ينتمي إلى التيار المتشدد منذ الحرب الإيرانية العراقية، كما يرتبط بعلاقات قوية مع الحرس الثوري". مضيفا: "إنه رجلهم".
بعبارة أخرى، "إن وصول مجتبى إلى السلطة يعني عمليا انتقال إيران إلى حكم مباشر للحرس الثوري، ولكن بصورة أكثر وضوحا وصراحة من السابق".
وأضاف غضبان أن "مجتبى خامنئي لا يمتلك المكانة الدينية التي كان يتمتع بها والده، كما أنه فقد إحدى ساقيه، على الأرجح نتيجة محاولة اغتيال، وتعرض لإصابات في الوجه".
ووفق رأيه، فهو "يعيش متخفيا ويتواصل مع الخارج عبر وسطاء، ولم يعد قادرا على توحيد مراكز القوة المختلفة أو فرض نفوذه عليها".
وبحسب الخبير في الشأن الإيراني، فإن "ضعف المرشد الأعلى أدى إلى ظهور أربعة مراكز قوة داخل البلاد".
وقال: "مراكز القوة هذه ليست جديدة، بل تشكل جزءا من بنية النظام منذ سنوات".
وتابع: "يتمثل المركز الأول في مجتبى خامنئي، بينما يمثل الحرس الثوري، بقيادة أحمد وحيدي، المركز الثاني، وهو من أكثر الأطراف تشددا، إلى جانب المرشد الأعلى".
ويعتقد غضبان أن "هذا التيار يرفض أي مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، كما تحركه دوافع دينية قوية".
أما المعسكر الثالث، فأشار إلى أنه "يتمثل في التيار البراغماتي، الذي يضم بشكل أساسي رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان".
وذكر أن هذا التيار "يعبر عن قلق متزايد من التدهور الاقتصادي في البلاد، مع أخذهم بعين الاعتبار الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في بداية يناير/ كانون الثاني 2026 وكانت دوافعها اقتصادية، وسط مخاوف من أن يؤدي تفاقم الأزمة إلى انهيار النظام بالكامل".
في الوقت ذاته، أشار غضبان إلى أنهم "يتعرضون لضغوط هائلة، لدرجة دفعتهم إلى تقديم اعتذار بسبب الرسالة السرية".
في المقابل، وصف غضبان "رجال الدين والمؤسسة الدينية في إيران بأنهم يمثلون مركز القوة الرابع"، لكنه أكد أنهم "لم يعودوا يملكون سلطة فعلية".
وقد تجلى ذلك، وفقا لغضبان، عندما أجبر الحرس الثوري مجلس الخبراء على اختيار مجتبى خامنئي خليفة لوالده، رغم أنه لا يمتلك المؤهلات الدينية اللازمة لهذا المنصب.
وعند السؤال عن تأثير ذلك على مسار المفاوضات، يجيب رالف غضبان بأن النتيجة الحتمية هي "حرب طويلة الأمد".
وتابع: "القوى المدنية داخل إيران لا تمتلك أي تأثير حقيقي على الجيش أو الأجهزة الأمنية أو حتى على مضيق مضيق هرمز، إذ إن القوة الفعلية تبقى بالكامل بيد الحرس الثوري".

عقلية انتحارية
وتطرق الخبير في الشأن الإيراني إلى الأسباب المزعومة التي أدت إلى تصعيد الصراع داخل النظام.
وقال: "بعد الانتقادات التي وجهها ترامب للإيرانيين بسبب عجزهم عن توحيد موقفهم التفاوضي نتيجة الصراعات الداخلية، سارع سياسيون إيرانيون من مختلف التيارات إلى التشديد على وجود "إجماع وطني" داخل إيران، بما في ذلك التيار البراغماتي، في خطوة عدت بمثابة تراجع أمام ضغط المتشددين".
في هذا السياق، ذكر غضبان أن "مجتبى خامنئي كان قد وضع، قبل انطلاق المفاوضات الأولى خطا أحمر واضحا يتمثل في أن البرنامج النووي غير مطروح للنقاش".
إلا أن بعض المفاوضين مضوا قدما في التفاوض حول هذا الملف، وهو ما ساهم، بحسب قوله، في "تصعيد الصراع داخل النظام".
وهو ما يفسر-بحسب غضبان- "استقالة محمد باقر قاليباف من رئاسة الوفد، بعد أن شنت وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري حملة تشهير ضده وضد عباس عراقجي".
ويحذر غضبان من أن "هذا الوضع قد يدفع التيار المتشدد إلى مزيد من التطرف، وتبني عقلية "انتحارية" باتت ملامحها موجودة بالفعل داخل بعض دوائر النظام".
ورغم ذلك، أو ربما بسببه، يرى غضبان أن "فرص التوصل إلى سلام قريب تفرضه الولايات المتحدة تبدو مرتفعة".
فهو يرى أن "تكتيكات الحرب الأميركية ناجحة، وقال: "أدرك ترامب أن حصار الموانئ الإيرانية فعال، وسيواصل هذا الحصار. البلاد تتجه نحو الانهيار".
فبحسب تحليله، "إن سياسة الحصار المضاد التي ينتهجها ترامب ضد الموانئ الإيرانية تؤدي إلى تسريع التدهور الاقتصادي داخل إيران، ومع الوقت، يتجه النظام إلى السقوط، لكن السؤال يبقى مفتوحا: كم من الوقت سيستغرق ذلك؟"
وأجاب غضبان: "إن نموذج حركة حماس في غزة يثبت أن مثل هذه الأنظمة قد تصمد لفترات طويلة، وهو ما تراهن عليه القيادة الإيرانية".
"كما أن الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة (نوفمبر/ تشرين الثاني 2026)، إلى جانب انتهاء ولاية ترامب خلال سنتين تقريبا، قد تمنح النظام فرصة للبقاء، رغم أن الوقت المتاح له يبدو محدودا"، وفق تقديره.
مع ذلك، يتمسك غضبان بروايته التي تشدد على أن "الاستراتيجية الأميركية في الحرب تحقق أهدافها، وأن الجمهورية الإسلامية تتجه نحو الانهيار".

















