موجة اغتيالات جديدة تضرب عدن جنوبي اليمن.. من يقف وراءها؟

يوسف العلي | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

أعادت الاغتيالات التي شهدتها العاصمة اليمنية المؤقتة عدن خلال الأيام القليلة الماضية، فتح ملف الاغتيالات التي وقعت بالمدينة على مدار السنوات الماضية، عقب الانقلاب الحوثي على السلطة الشرعية في اليمن.

وشهدت عدن، خلال الأيام الـ15 الأخيرة، اغتيال وسام قائد، المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية التابع للحكومة الشرعية اليمنية، إلى جانب اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الرحمن الشاعر.

وتُعد هاتان العمليتان تطورا لافتا في ملف الاغتيالات، لا سيما في ظل المتغيرات السياسية والأمنية التي شهدتها المدينة، عقب استعادة الحكومة الشرعية السيطرة على عدن من قبضة "المجلس الانتقالي الجنوبي" الانفصالي المدعوم إماراتيا، وفرار رئيسه عيدروس الزبيدي إلى خارج البلاد مطلع يناير/ كانون الثاني 2026.

إنذار صريح

على الصعيد الحكومي، قال رئيس الوزراء، شائع الزنداني، على منصة "إكس" في 3 مايو/أيار 2026، إنه "يتابع ملابسات وتطورات الجريمة الغادرة والجبانة". مشيرا إلى أنه وجّه "الأجهزة الأمنية والعسكرية باتخاذ إجراءات عاجلة وحازمة لتعقّب الجناة وضبطهم وتقديمهم للعدالة دون تأخير".

على الصعيد ذاته، أدان "التكتل الوطني" للأحزاب والمكونات السياسية أدان الجريمة، وعدها استمرارًا "لموجة الإرهاب المأساوية المثيرة للقلق العميق التي حذّر منها التكتل في بيانه الصادر في 26 أبريل الماضي". 

وقال التكتل خلال بيان: إن "الانفلات الأمني وقراره المتضارب، والتسويف في محاسبة الإرهابيين وإفلاتهم من العقاب، يتحول إلى وقود يُغذي جرائم جديدة". معتبرا أن "ما يجري في عدن اليوم إنذار صريح بأن المدينة قد تذهب إلى انهيار أمني خطير إن لم تتحرك الجهات المعنية بصرامة وحزم ودون إبطاء".

على الصعيد الدولي، قالت السفيرة الفرنسية لدى اليمن، كاثرين كمون: "يجب تعقب مرتكبي هذه الجريمة الشنيعة واعتقالهم ومحاسبتهم"، مؤكدة الدعم لجهود السلطات اليمنية لضمان الأمن الاستقرار في جميع أنحاء البلاد.

وأعربت السفيرة البريطانية، عبده شريف، عن غضبها وصدمتها، وقالت: "لقد عمل الراحل بلا كلل لضمان وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى ملايين اليمنيين في جميع أنحاء البلاد".

وأكّدت ضرورة على منصة "أكس" في 3 مايو "تحديد المسؤولين ومحاسبتهم وتقديمهم إلى العدالة بسرعة".

وخلال أدانته للاغتيال، قال منسق الأمم المتحدة لوران بوكيرا، الجريمة: إن "مثل هذه الجرائم البشعة لا يمكن التسامح معها. وأدعم جهود الحكومة لضمان تقديم المسؤولين عن هذه الجرائم إلى العدالة".

كما أدانها، المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، وقال: "من المحزن أن نشهد اغتيال شخصية عامة أخرى خلال أسبوعين فقط، بعد مقتل عبد الرحمن الشاعر في 25 أبريل".

وأكد هانس غروندبرغ خلال تدوينة على منصة "أكس" ضرورة "تحقيق المساءلة واتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز حماية العاملين في المجتمع المدني والمسؤولين الحكوميين".

في 23 يناير/ كانون الثاني 2024، نشرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" تحقيقا تحت عنوان "الحرب في اليمن: الاغتيالات السياسية الممولة من قبل الإمارات" تسبب في إزعاج الدولة الخليجية وغضبها.

وذكر التحقيق البريطاني أن الإمارات لعبت دورا كبيرا في "تمويل اغتيالات بدوافع سياسية في اليمن"، ما أسهم في تفاقم النزاع بين الفصائل المتناحرة هناك.

وأورد أن تدريبات مكافحة الإرهاب التي وفرها مرتزقة أميركيون لوحدات إماراتية عاملة في اليمن، استخدمت في تدريب عناصر محليين بتستر، وهو ما أدى إلى زيادة ظاهرة الاغتيالات السياسية المقصودة.

إرباك المشهد

وبخصوص تصاعد الاغتيالات، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي لـ"الاستقلال": إن "العمليات الأخيرة من شقين، بعضها هي امتداد لنمط الاغتيالات التي نفذت طيلة السنوات الماضية وهي ربما نفذت نفس العقيدة الأمنية التي تستهدف كل من له علاقة بالإسلام والتجمع اليمني للإصلاح".

أما النمط الثاني، بحسب التميمي، فإنه "له علاقة بإرباك المشهد في عدن بدليل استهداف المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد، وهو موظف حكومي من التكنوقراط ويقوم بعمله بكفاءة عالية وليس له أي انتماء سياسي".

ولفت إلى أن "استهداف قائد يضفي على نفوذ الدولة نوع من التأثير والحضور وهو أمر لا يروق لمن يريدون إفشال السلطة الشرعية في هذه المرحلة سواء الحوثيون أو جماعات المجلس الانتقالي والإمارات، ففي كل الأحوال عدن لاتزال الاستهداف نفسه".

وأكد التميمي أن "الغاية النهائية هو إرباك المشهد في عدن وإظهار الوضع فيها بأنه مسرح للنشاط الإرهابي، وهذا أمر يسرد الرواية التي يتبناها المجلس الانتقالي بإيعاز من الإمارات، وأنه كان يشغل الفراغ الأمني في الجنوب ويغطي هذا الجانب بالتحديد ويواجه نشاط القاعد والإرهاب".

وأردف الخبير اليمني، قائلا: "لكن عندما ندقق في طبيعة الأهداف في عدن فسنجد أنها لا تدعم هذه الرواية بقدر ما تؤكد أن العمليات تنفذ بآليات أمنية واستخباراتية منضبطة".

ورأى التميمي أن "ارتخاء القبضة الأمنية وعدم انضباطها في عدن وهناك عضو مجلس قيادة رئاسي يتولى المسؤولية وهو عبد الرحمن المحرمي، ولا أعتقد أن له ضلع فيما يدور في المدينة".

وتابع: "لكن المحرمي يتحمل المسؤولية من جهة أن عدن لم تُؤمّن بشكل كافٍ ولم تُتخذ الخطوات الكافية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يسمح في السيطرة على المشهد الأمني في المدينة".

ورجح التميمي أن "من يقف وراء إرباك المشهد هو مزيج من فلول المجلس الانتقالي الجنوبي بإسناد من جهاز استخباري إقليمين وربما التنسيق الذي ربما يكون قد حصل بين الحوثيين والانتقالي في عدن".

وبيّن أن "استهداف مدير الصندوق الاجتماعي هو هدف حوثي بامتياز، لأن هذا الشخص نقل المقر الرئيس للصندوق إلى عدن وجلب نحو 130 مليون دولار كدعم، وبالتالي أفقد الحوثيين فرصة الاستفادة من الدعم الذي كان يذهب إلى الصندوق ويحقق لهم الكثير من الأهداف، ويغطي جانبا من أوجه القصور فيما يتعلق بالمشاريع التي كانت تنفذ في مناطق سيطرتهم".

وعن استمرار عمليات الاغتيال، قال التميمي: "يبدو أننا أمام مشروع طويل، وأن الأمر لا يقتصر على إرادة السلطة الشرعية بقدر ما يتعلق بتدخل واضح وفعال من الجانب السعودي، فهو مهم وضروري، لأن هذا الأمر يقتضي إعادة هندسة الأجهزة والمؤسسة الأمنية في عدن، وإبعادها عن الانغلاق المناطقي الذي جعل الأجهزة حكرا على عناصر تنتمي إلى جهة معينة وتمثل الأجندة الانفصالية بامتياز".

وخلص إلى أن "إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في عدن يعني أنها تتحول إلى مؤسسة وطنية ويكون هناك تنويع في العناصر والقيادات التي يمكن أن تضبط المشهد اليمني، تأسيسا على أجندة وأولويات وأهداف الدولة اليمنية". 

دلالات سياسية

على الصعيد ذاته، قال الكاتب اليمني، مصطفى ناجي، إن "حوادث الاغتيالات تكررت في غضون أسابيع في عدن، وكلّ اغتيالٍ يحمل دلالاتٍ سياسيةً وأمنية في سياق سياسي معقد بعد حل المجلس الانتقالي وتبدلات السلطة جزئياً في عدن والمحافظات المجاورة".

وأضاف ناجي خلال تدوينة نشرها على "إكس" في 4 مايو، أن "المعالجة تكون من خلال مراجعة جادّة للمنظومة الأمنية؛ فهذا الانكشاف يقتضي إعادة هيكلة وتدوير وبناء منظومة استخباراتية جادّة".

وشدد الكاتب على أن "أقل ما يمكن أن يسهم في معالجة هذه الفجوة هو القبض على القتلة وكشف الحقيقة".

فيما أشار رئيس تحرير صحيفة "عدن الغد"، فتحي بن لزرق خلال تدوينة على "إكس" في 4 مايو، إلى عدم وجود نتائج حقيقية للتحقيق في عشرات القضايا من جرائم الاغتيالات السابقة.

وقال: "منذ العام 2015 حدثت عشرات، بل مئات الاغتيالات في عدن ومحافظات كثيرة، في المقابل قرأنا عشرات البيانات والاعترافات لأشخاص لا نعرفهم يقولون إنهم قتلوا ونفذوا وخططوا وتلقوا تمويلا". 

وأردف: "شاهدنا تصريحات على التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي ومسؤولين أمنيين يعددون انتصارات كبيرة وإنجازات ضخمة. على أرض الواقع ما الذي يحدث لاحقاً، يختفي كل هؤلاء، يتسربون كحبات رمال ناعمة من بين الأصابع".

وأضاف: "لم أعايش ولم أقرأ خبرا واحدا عن إعدام هؤلاء، لم أر محاكمة واحدة لشخص أُدين بقتل أحد، ولذلك وقبل كل شيء نريد أمناً ونريد أجهزة مخابرات حقيقية، هذا الخواء الكبير كان خيط دخان لا أكثر، حاولنا التقاطه والإمساك به واختفى، ومعه أحباؤنا وكوادرنا وعقولنا وأرواحنا المتعبة. نريد أمنا حقيقيا يخبرنا صباحاً أنه نجح في حمايتنا من الضرر لا أمن يعلن أن الضرر قد أصابنا".

وبحسب تحليل صادر عن معهد "تشاتام هاوس" البريطاني في 10 مايو، فإن اغتيال وسام قائد "ليس حادثاً عرضياً"، محذرا الأمن من أن الجريمة ستدفع المنظمات الدولية والجهات المانحة إلى التردد في إرسال موظفيها إلى بيئة أمنية مضطربة وخطرة.

وأشار التحليل الذي أعده الباحث اليمني فارع المسلمي، إلى أن الحادثة تكشف افتقار مجلس القيادة الرئاسي إلى منظومة أمنية موحدة وفعالة، موضحا أن الأجهزة الأمنية في عدن لا تزال تعاني من التشتت وتعدد الولاءات وضعف التنسيق الاستخباراتي.

وأشار إلى أن محاولات دمج الأجهزة الأمنية ظلت "شكلية"، في ظل استمرار سياسة الاستيعاب السياسي للفصائل المسلحة على حساب الكفاءة المهنية، الأمر الذي أضعف قدرة المؤسسات الأمنية على منع التهديدات قبل وقوعها.

وبحسب التقرير، فإن استمرار مثل هذه العمليات يعزز الانطباع بأن الحكومة اليمنية لا تزال عاجزة عن فرض سيطرة أمنية مستقرة حتى داخل المناطق الواقعة تحت نفوذها، رغم الدعم الإقليمي والدولي الذي تتلقاه.

ورأى أن حالة التشرذم الأمني وتعدد القوى المسلحة في جنوب اليمن خلقت بيئة معقدة تُضعف مؤسسات الدولة وتحد من قدرتها على حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.

وشدد التحليل على ضرورة إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الأمنية في عدن ومناطق سيطرة الحكومة، وإنشاء آلية مركزية لتنسيق العمل الاستخباراتي بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية جادة.