أغلقت 9 منها.. لماذا تحاصر النيجر ودول الساحل الوجود الإعلامي الفرنسي؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

ضيّقت دول الساحل الإفريقي الخناق على الوجود الفرنسي في أراضيها، إذ لم يقتصر هذا التوجه على الجوانب العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية فحسب، بل امتد أيضاً إلى وسائل الإعلام.

وفي هذا السياق، أعلنت النيجر تعليق عمل تسع وسائل إعلام فرنسية داخل البلاد، بهدف "الحفاظ على السلام والتماسك الاجتماعي واستقرار المؤسسات في دول تحالف الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)"، إضافة إلى "رفع معنويات قوات الدفاع والأمن".

وأوضح بيان صادر عن المرصد الوطني للاتصالات في النيجر، في 9 مايو/أيار 2026، أن قرار التعليق يشمل عدداً من المؤسسات الإعلامية، من بينها: "فرانس 24"، وإذاعة فرنسا الدولية، و"فرانس آفريك ميديا"، و"أل أس آي آفريكا"، ووكالة "فرانس برس"، و"تي في 5 موند"، و"تي إف 1 أنفو"، و"جون آفريك"، و"ميديابارت".

وبيّن المرصد أن هذا الإجراء جاء على خلفية "النشر المتكرر لمحتوى إعلامي من شأنه أن يهدد بشكل خطير النظام العام والتماسك الاجتماعي واستقرار المؤسسات الجمهورية في دول تحالف الساحل، فضلاً عن التأثير سلباً على معنويات قوات الدفاع والأمن المشاركة في الدفاع عن بلداننا".

وشدّد المرصد على "ضرورة ممارسة حرية الصحافة وفق قوانين الجمهورية وأخلاقيات المهنة والمصالح العليا للأمة، في ظل الظروف الراهنة التي تتسم بالتحديات الأمنية والتهديدات المعلوماتية".

كما دعا البيان جميع وسائل الإعلام الوطنية والدولية والفاعلين الرقميين وقادة الرأي إلى التحلي بالمسؤولية والمهنية وضبط النفس في تناول القضايا المرتبطة بالأمن والسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه وسائل الإعلام الفرنسية قيوداً أو حظراً متكرراً في كل من النيجر وبوركينا فاسو ومالي، منذ وصول السلطات العسكرية إلى الحكم عقب سلسلة انقلابات بين عامي 2020 و2023، وما تبعها من توتر متصاعد في العلاقات مع فرنسا.

وكانت بوركينا فاسو قد حظرت، في 5 مايو، بث قناة "TV5 Monde"، متهمة المجلس العسكري القناة الفرنسية بـ"التضليل" و"تمجيد الإرهاب" في تغطيتها للعنف الجهادي.

“قرار بالغ الخطورة”

تدعي "منظمة مراسلون بلا حدود" أن هذا القرار "تعسفي" يُجسّد القمع المتزايد لحرية الصحافة في النيجر، وعلى نطاق أوسع في تحالف دول الساحل.

وفي هذا الصدد، نقل موقع "rfi" الفرنسي في 10 مايو، تصريحا لمدير المكتب الإقليمي لمنظمة مراسلون بلا حدود في غرب إفريقيا، ساديبو مارونغ، قال فيه: إن "هذا قرار بالغ الخطورة".

وأضاف: "نعتقد أن المرصد الوطني للاتصالات يدفع البلاد نحو مزيد من إنكار الحق في الحصول على معلومات متعددة المصادر، استنادا إلى اتهامات نراها ملفقة تماما".

وتابع: "هذا الأمر لا يزيد الوضع إلا سوءا، وهو وضع بالغ الخطورة أصلا في النيجر التي تراجعت 37 مركزا في أحدث مؤشر لحرية الصحافة العالمية بسبب الاعتقالات التعسفية للصحفيين".

وزاد مارونغ: "فضلا عن التلاعب بالقوانين، كقانون الجرائم الإلكترونية على سبيل المثال، الذي يُستخدم لارتكاب جرائم ضد الصحافة"، داعيا إلى "الرفع الفوري لهذا القرار الذي التعسفي".

وطالب الجهات التنظيمية بالكف عن الخضوع لإرادة السلطات العسكرية من خلال اتخاذ قرارات كهذه، مثل تعليق عمل هذه المؤسسات الإعلامية التسع.

عداء راسخ

في تعليقها على الحدث، اعتبر موقع "لوموند" الفرنسي أن "القرار تأكيد لمواصلة الجيش الحاكم في النيجر عداءه لفرنسا".

وذكر الموقع في تحليل في 9 مايو، أن العديد من وسائل الإعلام الغربية تم حظرها منذ استيلاء الجيش على السلطة في النيجر في يوليو/تموز 2023 عبر انقلاب عسكري.

وتابع، حيث بدأت هذه الدولة الشاسعة الواقعة في منطقة الساحل على الفور قطيعة مع فرنسا، قوتها الاستعمارية السابقة، لاسيما من خلال ضمان انسحاب جيشها المشارك في القتال ضد الجهاديين، واتجه النظام إلى شركاء آخرين، من بينهم روسيا، ويندد باستمرار بـ "الإمبريالية"، مؤكداً "سيادته".

وأوضح المصدر ذاته أن قرار النيجر جاء قبيل انعقاد قمة هامة بين فرنسا والدول الإفريقية، تحت مسمى "إفريقيا إلى الأمام"، في العاصمة الكينية نيروبي، وهي القمة التي لن تشارك فيه النيجر ومالي وبوركينا فاسو.

من جانبه، أكد موقع " africtelegraph" في 10 مايو، أن نطاق إيقاف وسائل الإعلام الفرنسية لا يقتصر على الإطار التنظيمي الصارم فحسب، بل يتجاوزه إلى ما هو أبعد.

وتابع الموقع، فمن خلال استهداف وسائل الإعلام التي تقع رؤوس أموالها أو سيطرتها في معظمها تحت إشراف الخدمة العامة الفرنسية، أو تحت سيطرة جماعات وثيقة الصلة بالإعلام الباريسي، توجه السلطات في نيامي رسالة سياسية واضحة إلى القوة الاستعمارية السابقة.

واسترسل، "وهكذا، يمتد القطيعة الدبلوماسية التي بدأت بطرد السفير الفرنسي في نهاية عام 2023 لتشمل المشهد الإعلامي".

وأردف، بالنسبة للجمهور النيجري، سيخفّ الأثر العملي بفضل استمرار قنوات الالتفاف، سواءً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو مواقع الوصول المباشر أو البث الفضائي.

ومع ذلك، يقول المصدر ذاته، "يُعقّد هذا الإجراء نشر المعلومات الموثوقة، ويُفضّل بشكل تلقائي المحتوى الذي تُنتجه وسائل الإعلام الحكومية أو المنصات غير الخاضعة لرقابة كافية".

وقال الموقع: إن العديد من محللي المشهد الإعلامي في منطقة الساحل تشير إلى أن هذا الفراغ يفتح الباب أمام جهات خارجية، لا سيما الروسية والتركية، التي تنشط بالفعل في المنطقة من خلال شراكات مؤسسية واتفاقيات بث.

وشدد أن قرار 8 مايو يُجسّد حركة ذات شقين، وهي توطيد السيطرة الداخلية على الفضاء الإعلامي، وإعادة تشكيل التحالفات الإعلامية الإقليمية.

أما موقع "africanperceptions"، فقال في تحليل بتاريخ 10 مايو، فقال إن سلطات النيجر دأبت على اتهام وسائل الإعلام الأجنبية بنشر معلومات مضللة، ولذلك تعتقد أن "التحكم في المعلومات ضروري في مواجهة التحديات الأمنية".

وأشار الموقع إلى تحليل قرار النيجر يعكس "رغبة في السيطرة على الروايات السياسية والأمنية"، الأمر الذي أدى إلى "تراجع إمكانية الوصول إلى المعلومات الدولية المستقلة".

وفي الوقت نفسه، يردف المصدر ذاته، "تكتسب وسائل الإعلام الدولية الجديدة زخما"، مقدرة أن هذه التطورات تعكس إعادة تنظيم إقليمية، حيث تسعى الدول إلى إيجاد شركاء جدد.

"إنهم يعملون على تطوير أطر جديدة للتعاون بين الدول الإقليمية"، يقول الموقع، معتبرة أن ما يجير يشير إلى وجود تحول جيوسياسي، إذ أصبحت السيطرة على المعلومات قضية محورية.

تكلفة باهظة

يرى الباحث المختص في التاريخ المعاصر والشأن السياسي دداي بيبوط، أن فهم قرار النيجر يستدعي العودة قليلا إلى الوراء، حيث ارتكز النفوذ الفرنسي في دول غرب إفريقيا على ماضي استعماري وطدته الحملات العسكرية على تلك الدول بتكلفة بشرية واقتصادية وثقافية باهظة على شعوب تلك الدول.

وأوضح بيبوط لـ "الاستقلال" أن تلك الكلفة لم تتوقف رغم حصول تلك الدول على الاستقلال الشكلي مع بداية الستينيات، ومنها دولة النيجر التي حكمها عشر رؤساء منذ الاستقلال عن فرنسا في أغسطس/آب 1960.

وتابع، وكان آخرهم محمد بازوم المنتمي للأقلية العربية، والذي أطيح به في انقلاب 26 يوليو/تموز 2023، بقيادة الجنرال عبد الرحمان تياني ضمن حركة منسقة مع دول عسكر الجوار الإفريقي في كل من بوركينافاسو ومالي، في رد فعل مباشر على استمرار النهج الامبريالي التقليدي الفرنسي في تعاملها مع أنظمة ودول من مستعمراتها السابقة.

ونبه بيبوط إلى أنه منذ تولي القيادة الحالية للمجلس العسكري، أصبح نفوذ فرنسا في تراجع مستمر، حيث بدأت تلك القيادة بتأميم إنتاج اليورانيوم النيجيري، وإجبار الشركات الفرنسة على التوقف ومغادرة مناجمها.

واسترسل، كما قام المجلس بطرد البعثة العسكرية الفرنسية التي كانت تضم 1500 جندي فرنسي كانت مهامها تتجلى في محاربة الارهاب ومجالات اشتغال أخرى، وبالطبع لم تبق فرنسا مكتوفة الأيدي، حيث لجأت إلى رفع دعاوى دولية لاسترجاع جزء من حقوقها في معادن البلد، خاصة اليورانيوم المكتشف من قبلها.

وزاد، فضلا عن القيام بشن حملات إعلامية بين الفينة والأخرى عبر مؤسساتها الإعلامية المنتشرة في غرب إفريقيا وأوروبا، من إعلام متلفز وإلكتروني ومكتوب ومسموع ضد المجلس العسكري وإجراءاته التي تعدها فاقدة للشرعية بسبب الانقلاب على المؤسسات الديمقراطية بحسبها.

وعليه، يرى بيبوط أن توقيف المؤسسات الاعلامية الفرنسية يأتي على خلفية هذه الحملات التي عدتها دولة النيجر في بيان رسمي معادية للبلد ومؤسساته العامة ونسيجه الاجتماعي واختياراته الشعبية المناهضة للاستغلال الاستعماري والتبعية لفرنسا.

وشدد الباحث الأكاديمي أن عداء دول الساحل لفرنسا يختزن الكثير من خيبات الأمل من دور باريس داخل تلك البلدان، وفي عموم إفريقيا في الماضي.

ويرى بيبوط أن قرار النيجر يندرج ضمن مسار قطيعة مع المستعمر السابق، حيث باتت فرنسا تفقد الكثير من مكاسبها الاقتصادية وريادتها الاستراتيجية السابقة في النيجر، والتي راكمتها لعقود، وذلك لفائدة فاعلين دوليين جدد كالصين وروسيا وتركيا أحيانا.

وخلص المتحدث ذاته إنه من المنتظر أن يستمر استهداف مواطن النفوذ الفرنسي في النيجر وفي دول أخرى ما لم تراجع فرنسا سياستها اتجاه هذه البلدان.