اقتصاد تحت الجرافة.. هكذا يضرب الاستيطان رزق الفلسطينيين بالضفة

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظهيرة 12 مايو/أيار 2026، شاهد سكان بلدة العيزرية شرقي القدس الآليات الإسرائيلية تقتحم منطقة تجارية وتسوّي عشرات المحال بالأرض بحجة البناء دون ترخيص.

تحصّن أصحاب الكراجات ومغاسل السيارات والمطاعم بإشعارات قديمة علّها تمنحهم بعض الوقت، لكن الجرافات مضت دون التفات حتى اختفت نحو خمسين منشأة تجارية من الخريطة.

لم تكن الحادثة مجرد هدم محال بل نموذج لكيف يتحول الاستيطان إلى منظومة ضغط اقتصادي، فشبكات الطرق المرتبطة بالمستوطنات والحواجز العسكرية وعمليات الهدم، تعيد رسم حركة الناس والبضائع والرزق.

طرق ترسم الاقتصاد

في الضفة الغربية اليوم، أصبحت الطرق أدوات لإعادة هندسة الحركة مع توسع الطرق الالتفافية المرتبطة بالمستوطنات وازدياد البوابات والحواجز ونقاط الإغلاق التي تدفع الفلسطينيين إلى مسارات أطول وأبطأ وأكثر كلفة.

فحتى ديسمبر/كانون الأول 2025، سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، وجود 925 معيقًا للحركة في الضفة الغربية، تشمل 89 حاجزًا ثابتًا و218 حاجزًا جزئيًا و232 بوابة طرق. 

كما أن أكثر من 459 عائقًا يغلق الطرق بين البلدات أو يحرف حركة المركبات نحو طرق ثانوية، فيما يقطع 121 عائقًا الوصول إلى طريق 60، أحد أهم محاور الحركة بين شمال الضفة وجنوبها.

ويتجلى أثر هذا النظام في العيزرية، حيث هدمت قوات الاحتلال نحو خمسين منشأة تجارية كانت تدعم معيشة 25 أسرة تضم 135 شخصًا، بينهم 76 طفلًا بحسب أوتشا، بينما تحدثت مصادر محلية عن تضرر أكثر من 200 عائلة من فقدان النشاط التجاري المرتبط بالمنطقة.

وجاء الهدم لخدمة ممر جديد يُعرف باسم "طريق السيادة"، تخطط إسرائيل لإنشائه بين العيزرية وقرية الزعيم بالقدس، ويمر قرب منطقة E1 المتاخمة لمستوطنة معاليه أدوميم. 

وتعد E1 من أكثر المناطق حساسية في خرائط الاستيطان، لأن ربطها بمعاليه أدوميم يهدد بتعميق فصل شرق القدس عن محيطها الفلسطيني، ويؤثر في التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها.

وتدعي إسرائيل أن الطريق سيخدم الفلسطينيين ويفصل حركتهم عن ممرات المستوطنين، لكن حركة "السلام الآن" الإسرائيلية المناهضة للاستيطان تحذر من أنه سيؤدي فعليًا إلى إغلاق منطقة معاليه أدوميم وE1، التي تمثل نحو 3 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، أمام الفلسطينيين.

وبحسب مصادر بلدية نقلت عنها منصة البلسان لحقوق الإنسان المتخصصة في متابعة سياسات الاستيطان والتهجير، صودرت نحو 3000 دونم من أراضي العيزرية عبر أوامر عسكرية لصالح الطريق والبنية المرتبطة به. 

ويعكس الفارق بين الخطاب الإسرائيلي وواقع الطريق، وجود نظام حركة مزدوج إذ تمنح المستوطنات شبكات قصيرة وفعالة، بينما يُرغم الفلسطينيون على الالتفاف عبر مسارات أطول تستهلك الوقت والوقود وترفع كلفة النقل.

هذه الشبكة المزدوجة تعني أن البضاعة التي كانت تقطع بضعة كيلومترات بين بلدة وأخرى قد تحتاج إلى رحلة أطول عبر طرق ثانوية أو بوابات لا تُفتح إلا بقرار عسكري.

ولا تستهلك هذه التحويلات الوقت فحسب، بل تزيد كلفة النقل وتضر البضائع سريعة التلف وتقطع الزبائن عن المحال التجارية وتحول الطريق من شريان اقتصادي إلى أداة تعطيل.

أسواق تقتلها الحواجز

لا يتوقف الأمر عند إغلاق الطرق المرتبطة بالمستوطنات أمام الفلسطينيين، فالحواجز والبوابات العسكرية تعيد هي الأخرى رسم مسار الاقتصاد الفلسطيني. وتظهر الخليل اليوم كأحد أوضح نماذج هذا الخنق الاقتصادي.

فبحسب "أوتشا"، تضم منطقة H2 في الخليل، وهي الجزء الخاضع لسيطرة أمنية إسرائيلية مباشرة وتوجد داخله بؤر استيطانية، نحو 34 حاجزًا ثابتًا من أصل 89 في الضفة، إضافة إلى 101 معيق حركة من أصل 925.

يعيش في الجزء الخاضع لقيود مشددة نحو 7 آلاف فلسطيني إلى جانب عدة مئات من المستوطنين، فيما قُيّد دخول الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023 إلى سكان المنطقة المسجلين فقط عبر ثلاثة حواجز رئيسية تعمل بين السابعة صباحًا والثامنة مساء، وتُغلق غالبًا خارج هذه الساعات.

وتزداد خطورة هذه السياسة الإسرائيلية بالنظر إلى أهمية الخليل في الاقتصاد الفلسطيني، إذ تنتج وحدها نحو 44 بالمئة من الناتج المحلي للأراضي الفلسطينية. 

وقال عدنان النتشة، نائب رئيس غرفة تجارة الخليل إن المدينة عاشت "انهيارًا اقتصاديًا" بعد الحرب الأخيرة على غزة، موضحًا أنها كانت ترسل 40 بالمئة من بضائعها إلى القطاع المحاصر قبل انغلاق هذا السوق.

ولفت لصحيفة لوموند الفرنسية إلى أن الشاحنة التي كانت تصل إلى جنين في ثلاث ساعات قد تحتاج اليوم إلى يوم كامل بسبب تكاثر الحواجز والالتفافات.

حوّارة، جنوب نابلس، تقدم مثالًا آخر على السوق الذي يخنقه الحاجز، فبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت البلدة الواقعة على الطريق 60 من مركز تجاري نشط إلى شارع مقطّع بالبوابات. 

ووثّقت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن السكان اضطروا إلى قطع نحو 14 كيلومترًا للالتفاف حول بوابات حديدية تفصل بين طرفين لا يبعدان سوى أمتار قليلة. 

وفي حوّارة أيضًا، لا تكون الخسارة محصورة في يوم إغلاق واحد، فالشارع التجاري الذي كان يعيش على حركة السيارات والزبائن العابرين يفقد قيمته حين تصبح الحركة مرهونة ببوابة عسكرية أو تصريح أو التفاف طويل. 

ويمكن رؤية الأثر نفسه في قرى وبلدات أخرى فقدت جزءًا كبيرًا من نشاطها بسبب إغلاق المعابر والحواجز، وذلك مثل بلدة نعلين قضاء رام الله التي أغلق فيها حاجز كان يتيح للعمال والزبائن الحركة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

وبعد إغلاقه، نقلت وكالة أسوشيتد برس الأميركية أن شوارع القرية فرغت وأن متاجرها تراجعت مبيعاتها. وقال أحد أصحاب المتاجر إن الأسعار ارتفعت بنحو 30 بالمئة بسبب زيادة كلفة النقل والموردين، وإن المبيعات هبطت 70 بالمئة، فيما أغلقت أربعة متاجر مجاورة منذ أكتوبر 2023.

الأرض والزراعة

إذا فقدت الأسواق زبائنها بفعل الحواجز، فإن المزارعين يفقدون أراضيهم بسبب الجدار والطرق الالتفافية وهجمات المستوطنين، فالزراعة، وخصوصًا موسم الزيتون، ليست مجرد نشاط موسمي في الضفة الغربية، بل شبكة دخل واسعة.

ويشير الاتحاد الفلسطيني للمزارعين إلى أن نحو 110 آلاف مزارع يستفيدون مباشرة من موسم الزيتون، بينما يعتمد 50 ألفًا آخرون على العمل المرتبط بالأشجار ومنتجاتها كمصدر مهم للدخل، لكن الوصول إلى الأرض بات نفسه محفوفًا بالمخاطر.

خلال موسم الزيتون 2025، تصاعدت الهجمات على المزارعين بسرعة. ففي بداية نوفمبر/تشرين الثاني، نقلت الغارديان عن الأمم المتحدة تسجيل 86 هجومًا مرتبطًا بالموسم، أدت إلى إصابة 112 فلسطينيًا وتضرر أكثر من 3 آلاف شجرة وشتلة.

وبعد انتهاء الموسم، أشار بيان مشترك صادر في يناير/كانون الثاني 2026 عن بعثات دبلوماسية غربية وأوروبية بالقدس ورام الله، إلى أكثر من 150 حادثة “عنف” مرتبطة بموسم الزيتون في أكثر من 75 قرية.

وبحسب البيان الذي استند إلى بيانات الأمم المتحدة، أدت تلك الهجمات إلى أكثر من 140 إصابة، وتدمير أو إتلاف ما يزيد على 4,200 شجرة وشتلة زيتون.

وكان الاتحاد الفلسطيني للمزارعين قد قال إن نحو 60 بالمئة من مزارعي الزيتون لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم في 2023، وقدّر خلال موسم 2025 أن النسبة قد تصل إلى 70 بالمئة، في مؤشر إلى أن المشكلة لم تعد في الاعتداءات وحدها، بل في منع الوصول المنتظم إلى الأرض.

وفي بلدة الساوية جنوب نابلس، يظهر الأثر الاقتصادي بصورة أوضح. إذ قال الاتحاد المذكور إن نحو 70 بالمئة من بساتين الزيتون لم تعد قابلة للوصول دون خطر الاحتكاك بالمستوطنين أو قوات الاحتلال. ونتيجة ذلك، انخفض إنتاج زيت الزيتون في البلدة من نحو 150 ألف لتر سنويًا إلى 30 ألف لتر فقط.

ولا تقتصر المشكلة على الهجمات المباشرة، إذ يقف الجدار الفاصل والبوابات الزراعية كحاجز دائم بين المزارع وأرضه. 

فبحسب معطيات الأمم المتحدة، يحتاج المزارعون إلى تنسيق مسبق مع الجيش للوصول إلى أراضٍ قريبة من المستوطنات أو خلف العوائق، فيما قد تُمنح العائلات يومًا واحدًا للحصاد رغم أن العمل يحتاج أيامًا عدة.

هذه القيود تؤخر الجني وتخفض جودة الزيت وترفع الكلف، كما وتجعل الموسم الزراعي خاضعًا لقرار أمني. ويأتي هذا الضغط على الزراعة في وقت يتراجع فيه الاقتصاد عمومًا.

فبحسب أحدث بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني، بلغت البطالة بالضفة الغربية 29.5 بالمئة في الربع الأول من 2026، ووصل عدد العاطلين إلى نحو 294 ألفًا. 

كما تراجع عدد العاملين من الضفة داخل الأراضي المحتلة عام 1948 إلى نحو 48 ألفًا فقط خلال الفترة نفسها.

ومع ضيق فرص العمل، كانت الزراعة صمام أمان لكثير من العائلات، لكن منع الوصول إلى الأرض وجرائم المستوطنين يحولان هذا القطاع أيضًا إلى مغامرة خاسرة.