المؤتمر الشعبي العام في اليمن.. يستعيد دوره أم يتحول إلى ساحة صراع إقليمي؟

مصطفى كمال | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم يعد النقاش الدائر حول حزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن محصورا في أزمة تنظيم سياسي فقد وحدته الداخلية، بل تحول إلى مدخل رئيس لإعادة رسم خرائط النفوذ داخل معسكر الشرعية، وجزءا عضويا من الصراع الإقليمي على شكل السلطة المقبلة في البلاد.

فالحزب الذي حكم اليمن لعقود وشكّل العمود الفقري للدولة منذ تأسيسه عام 1982، يجد نفسه اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله تعقيداً منذ مقتل مؤسسه الرئيس السابق علي عبدالله صالح في ديسمبر 2017.

وبينما تتنازع أجنحته مراكز النفوذ والشرعية التنظيمية، تتحرك قوى إقليمية لإعادة صياغة دوره السياسي بما يتوائم والتوازنات الجديدة التي فرضتها الحرب، ما يجعل من مبادرة "استعادة دور المؤتمر" التي يقودها وزير الإعلام معمر الإرياني، أكثر من مجرد حراك حزبي داخلي، إنها محاولة لاستثمار الفراغ السياسي وإعادة إنتاج شرعية قادرة على منافسة هيمنة التشكيلات المسلحة.

من مظلة جامعة إلى حزب ممزق

تأسس المؤتمر الشعبي العام في أغسطس 1982 في شمال اليمن كمظلة سياسية جامعة ضمت تيارات متعددة ومتباينة، في ظل غياب التعددية الحزبية، قبل أن يتحول خلال العقود التالية إلى الحزب الحاكم وصاحب الهيمنة السياسية الأكبر، مستفيداً من ارتباطه العضوي بعلي عبدالله صالح الذي قاد الحزب والدولة معاً.

غير أن سنوات الانفراد بالسلطة والاستبداد بها أضعفت الحزب تنظيمياً وسياسياً؛ إذ ارتبطت الولاءات داخله بشخص صالح أكثر من ارتباطها بالمؤسسة الحزبية، ما جعله هشاً أمام التحولات الكبرى.

وشكلت احتجاجات 2011 أول هزة حقيقية داخل المؤتمر بعد انشقاق قيادات وقواعد واسعة عنه، قبل أن يتحول مقتل صالح على يد الحوثيين عام 2017 إلى نقطة التشظي الأخطر في تاريخ الحزب.

فمنذ ذلك الحين، انقسم المؤتمر عملياً إلى ثلاثة أجنحة رئيسة: جناح متحالف مع الحوثيين بقيادة صادق أمين أبو راس، وجناح مرتبط بعائلة صالح يضم طارق صالح وأحمد علي صالح، وجناح محسوب على الشرعية يبرز فيه رشاد العليمي وأحمد عبيد بن دغر ومعمر الإرياني.

ولم يكن هذا الانقسام تنظيمياً فحسب، بل حمل أبعاداً سياسية وعسكرية وإقليمية؛ إذ ارتبط كل جناح بمراكز نفوذ وتحالفات مختلفة داخل اليمن وخارجه، ما أفقد الحزب موقعه التقليدي كقوة جامعة.

«استعادة دور المؤتمر».. لماذا الآن؟

في 30 أبريل 2026، أعلنت مجموعة من قيادات وأعضاء المؤتمر الشعبي العام، برئاسة معمر الإرياني، إشهار "تيار استعادة دور المؤتمر"، مؤكداً في بيانه التأسيسي أن المبادرة تهدف إلى تعزيز التلاحم داخل الصف المؤتمري، واستعادة الدور الوطني للحزب، وتفعيل مؤسساته بما يواكب متطلبات المرحلة، مع التأكيد أن المؤتمر "ليس مجرد كيان سياسي، بل تجربة وطنية شكلت لعقود ركيزة من ركائز الدولة".

ودعا التيار إلى توحيد الصف المؤتمري، واختيار قيادة مؤقتة، وإعادة تفعيل المؤسسات التنظيمية، وصياغة رؤية سياسية موحدة، وتعزيز الشراكة مع القوى الوطنية في مواجهة الحوثيين.

وعلى الرغم من اللغة التصالحية التي تبناها التيار وتأكيده في بيانه الثاني أنه ليس كياناً موازياً للقيادة، بل "حراك مؤتمري مسؤول" يهدف إلى كسر الجمود التنظيمي، فإن توقيت المبادرة وطبيعة الشخصيات الداعمة لها يعكسان محاولة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الشرعية، بالتوازي مع الحراك السعودي لإعادة هيكلة الشرعية سياسياً وعسكرياً.

ويكتسب هذا الحراك أهمية إضافية كونه يأتي في لحظة سياسية وإقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها ترتيبات التسوية، ومساعي توحيد التشكيلات العسكرية، ومحاولات إعادة ضبط مراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ما يجعل مستقبل المؤتمر مرتبطاً إلى حد بعيد بمستقبل التوازنات الإقليمية ذاتها.

الإرياني.. واجهة الحراك الجديد

برز معمر الإرياني بصفته المحرك الرئيس للمبادرة، عبر حملة سياسية وإعلامية مكثفة هدفت إلى تقديم التيار بصفته محاولة لإنقاذ المؤتمر من التآكل والانقسام. وأكد الإرياني أن المبادرة "ليست سعياً إلى موقع أو قيادة بديلة"، بل تحرك "من داخل المؤتمر ومن أجله"، داعياً إلى استعادة دوره التاريخي كوعاء سياسي جامع.

غير أن الدور الذي يؤديه الإرياني يبدو أوسع من مجرد التحرك الإعلامي؛ إذ يرتبط -بحسب قراءات سياسية- بمحاولة إعادة تحريك الملف المؤتمري ضمن ترتيبات إقليمية جديدة تحظى بغطاء سعودي غير معلن، ما يمنح المبادرة بعداً إستراتيجياً يتجاوز الخطاب الحزبي الداخلي.

المؤيدون والمعارضون

كشف الحراك الجديد عن حجم الانقسام العميق داخل المؤتمر الشعبي العام. ففي حين يرى المؤيدون أن المبادرة تمثل محاولة لإنقاذ الحزب من التآكل واستعادة دوره السياسي من خلال إنهاء الجمود التنظيمي، وإعادة تفعيل المؤسسات الحزبية، واستعادة الحضور السياسي للمؤتمر، وتوحيد الصفوف في مواجهة الحوثيين، يعدها المعارضون مشروعاً لإعادة هندسة المؤتمر وفق ترتيبات إقليمية جديدة.

ويركز المعارضون على مخاوف تتعلق باستخدام المبادرة لإقصاء بعض الأجنحة، وفرض قيادة موالية للسعودية، وتقليص نفوذ القوى المرتبطة بالإمارات، وتحويل الحزب إلى أداة ضمن ترتيبات التسوية المقبلة. ويعكس هذا الجدل حقيقة أن الصراع داخل المؤتمر لم يعد مجرد خلاف تنظيمي، بل أصبح صراعاً على التمثيل السياسي والعسكري داخل معسكر الشرعية نفسه.

وأثارت المبادرة ردود فعل متباينة داخل جناح عائلة صالح، الذي عدها محاولة للالتفاف على مراكز النفوذ التي تشكلت بعد 2017.

ويبدو جناح طارق صالح الأكثر رفضاً للمبادرة، بوصفها تهدد النفوذ السياسي والعسكري الذي بناه خلال السنوات الماضية عبر "المقاومة الوطنية" و"المكتب السياسي للمقاومة الوطنية".

ويرى مقربون من هذا الجناح أن أي عملية لإعادة توحيد المؤتمر تحت قيادة جديدة قد تؤدي إلى إعادة توجيه الولاءات التنظيمية والسياسية داخل الحزب باتجاه مركز أقرب إلى الرياض، بما يقلص النفوذ المدعوم إماراتياً.

أما جناح أحمد علي صالح، فيبدو أقل حدة؛ إذ قد يرى في إعادة توحيد الحزب فرصة لإعادة التموضع سياسياً ضمن أي تسوية قادمة، ما يعكس تبايناً في الرؤى حتى داخل الجناح الواحد.

التنافس السعودي الإماراتي

لا يمكن عزل التحركات الأخيرة داخل أروقة المؤتمر الشعبي العام عن التنافس السعودي-الإماراتي الأوسع داخل معسكر الشرعية؛ حيث تتباين الرؤى الإقليمية حول مستقبل الحزب التاريخي ودوره في أي تسوية سياسية مقبلة.

فمن منظور الرياض، يظل المؤتمر الشعبي العام خزاناً سياسياً واجتماعياً يصعب تجاوزه، خصوصاً في المحافظات الشمالية، ما يدفع السعودية للسعي نحو إعادة إنتاجه ضمن صيغة أكثر انسجاماً مع مشروعها الهادف إلى هيكلة مؤسسات الشرعية وتوحيد القرارين السياسي والعسكري تحت مظلة واحدة.

في المقابل، تتوجس أبوظبي من أن تؤدي أي عملية إعادة توحيد للحزب إلى تقليص النفوذ الذي راكمته داخل أجنحته المختلفة، ولا سيما عبر علاقتها الوثيقة بالفريق طارق صالح والتشكيلات العسكرية المرتبطة به، ما يجعل من معركة "استعادة دور المؤتمر" جزءاً من صراع إقليمي أوسع على النفوذ داخل جبهة الشرعية، وليس مجرد خلاف تنظيمي داخلي.

وفي الإطار ذاته، تتقاطع التحركات الرامية إلى إعادة تنشيط المؤتمر الشعبي العام مع تصاعد أحاديث متداولة في الأوساط السياسية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حول احتمال توجه سعودي لإجراء تعديلات على مستوى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، بما في ذلك طرح بدائل للرئيس رشاد العليمي.

ورغم غياب أي مؤشرات رسمية تؤكد هذه الأنباء، فإن مجرد تداولها يعكس حجم النقاش الدائر داخل دوائر الشرعية والتحالف حول مستقبل هيكل السلطة الحالي، ومدى قدرة المجلس الرئاسي بصيغته الراهنة على إدارة تعقيدات المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل تعثر مسارات الحسم العسكري وتزايد الانقسامات داخل المكونات المناهضة للحوثيين.

إن الحديث عن "مرحلة ما بعد العليمي" أو "تقليص المجلس الرئاسي"، كما تتناوله المصادر السياسية، يضع تحركات قيادات المؤتمر -وفي مقدمتهم وزير الإعلام معمر الإرياني- في سباق مع الزمن لإعادة تموضع الحزب كقوة سياسية فاعلة قادرة على قيادة الدفة، مستفيدة من فشل الصيغة التعددية الحالية في تحقيق استقرار ميداني أو سياسي في المناطق المحررة.

كما تأتي مبادرة الإرياني لاستعادة دور المؤتمر الشعبي العام كمحاولة استثمارية لفراغ القيادة المدنية وتآكل المؤسسات الرسمية، بهدف إعادة إنتاج شرعية سياسية قادرة على توحيد مكونات "الجبهة الشرعية" وتقديم بديل مدني لهيمنة التشكيلات المسلحة على القرار.

وتلعب الحسابات السعودية دوراً محورياً في توجيه هذا المشهد؛ حيث تبحث الرياض عن صيغة "وظيفية" مستقرة لإدارة الملف اليمني، قد تستخدم فيها إعادة إحياء المؤتمر كأداة لتوحيد الصف الشرعي وتعزيز تماسكه. غير أن الواقع الميداني يؤكد هيمنة المنطق العسكري على القرار اليمني، ما يعني أن أي إعادة هندسة سياسية -سواء عبر تعديل المجلس الرئاسي أو إحياء المؤتمر- ستظل نظرية ما لم تُترجم إلى توازنات قوى حقيقية على الأرض.

والحقيقة التي تفرض نفسها هي أن اليمن لا يحتاج إلى إعادة ترتيب كراسي أو تبديل وجوه، بل إلى عقد اجتماعي جديد يجمع اليمنيين حول مشروع وطني قائم على السلام والعدالة والشراكة، وهو اختبار مصيري لم ينجح فيه أحد حتى الآن.

الحوثيون والمؤتمر

تنظر جماعة أنصار الله (الحوثيون) إلى المؤتمر الشعبي العام بوصفه أحد أبرز التحديات السياسية الكامنة داخل مناطق سيطرتها، رغم الشراكة التي جمعت الطرفين خلال السنوات التي سبقت مقتل الرئيس علي صالح.

فالحزب لا يزال يحتفظ بامتدادات قبلية وإدارية واسعة داخل المحافظات الشمالية، كما أن شريحة مؤثرة من البيروقراطية التقليدية ومؤسسات الدولة السابقة ما تزال ترتبط به سياسياً أو وظيفياً، وهو ما يمنحه قابلية كامنة لإعادة التشكل متى ما توفرت الظروف المناسبة.

ومنذ انهيار التحالف بين الطرفين أواخر عام 2017، عمل الحوثيون على إدارة الجناح المؤتمري الموجود في صنعاء ضمن معادلة دقيقة تقوم على الاحتواء والسيطرة، بما يضمن بقاء الحزب في حالة حضور شكلي محدود دون السماح له بالتحول إلى مركز نفوذ سياسي مستقل أو منافس فعلي داخل مناطق الجماعة.

وفي هذا السياق، تبدو الجماعة أكثر ميلاً إلى استمرار حالة الانقسام والتشظي داخل المؤتمر الشعبي العام، بتقدير أن تشتت أجنحته يحد من فرص استعادته لدوره التقليدي كقوة سياسية جامعة وقادرة على إعادة إنتاج توازنات مغايرة داخل المشهد اليمني.

مستقبل المؤتمر

يبدو مستقبل المؤتمر الشعبي العام مفتوحاً على ثلاث مسارات رئيسة، تتحدد وفق قدرة أجنحته المختلفة على الوصول إلى صيغة توافقية، وبحسب طبيعة التفاهمات الإقليمية التي تعيد تشكيل المشهد اليمني.

السيناريو الأول: يقوم على تمكن "تيار استعادة دور المؤتمر" من فرض ديناميكية سياسية وتنظيمية تقود إلى إعادة تفعيل مؤسسات الحزب، وتشكيل قيادة توافقية تستوعب معظم الأجنحة غير المرتبطة بالحوثيين. ويعزز هذا الاحتمال وجود رغبة سعودية في إعادة بناء الحزب كقوة سياسية أكثر تماسكاً داخل معسكر الشرعية، إلى جانب تنامي شعور داخل القواعد المؤتمرية بحالة الفراغ والتهميش التي يعيشها الحزب منذ سنوات.

السيناريو الثاني: يفترض تعثر جهود التوحيد نتيجة تمسك الأجنحة النافذة، خصوصاً المرتبطة بعائلة علي صالح، بمراكز النفوذ السياسي والعسكري التي راكمتها خلال الحرب.

وفي هذه الحالة، سيستمر المؤتمر كأجنحة متوازية تخضع لمرجعيات متباينة: جناح داخل مناطق الحوثيين، وآخر مرتبط بالإمارات، وثالث يتحرك ضمن المظلة السعودية والشرعية، بما يعني تحول الحزب من كيان مركزي جامع إلى مظلة اسمية لأطراف متفرقة.

السيناريو الثالث: يرتبط بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تعيد هندسة موازين القوى في اليمن، بما في ذلك إعادة صياغة بنية المؤتمر الشعبي العام ضمن ترتيبات إقليمية جديدة تنظم النفوذ بين الأطراف الفاعلة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات.

وفي هذا السياق، قد يجري الدفع بقيادة جديدة للحزب تجمع بعض الأجنحة وتستبعد القوى الأكثر اعتراضاً أو تصادماً.

ومهما يكن، فقد برهنت الأحداث أن مستقبل حزب المؤتمر (الحاكم سابقاً) لم يعد يتحدد بقراراته الداخلية فقط، بل بميزان التفاهمات الإقليمية، خصوصاً بين السعودية والإمارات، وبطبيعة التسوية السياسية المحتملة في اليمن. 

 ومن هنا، لا تبدو معركة "استعادة دور المؤتمر" مجرد محاولة تنظيمية لإحياء حزب يعاني الجمود، بل أقرب إلى معركة على شكل القوة السياسية التي ستملأ الفراغ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وعلى الجهة الإقليمية القادرة على الإمساك بهذه الورقة المهمة.

فالسعودية تدفع نحو إعادة بناء الحزب ضمن صيغة أكثر انسجاماً مع مشروعها لإعادة هيكلة الشرعية، بينما تتحرك القوى المرتبطة بالإمارات للحفاظ على النفوذ الذي راكمته داخل الأجنحة العسكرية والسياسية للمؤتمر.

وفي المقابل، يراقب الحوثيون المشهد بحذر، مدركين أن أي نجاح حقيقي في إعادة توحيد الحزب قد يعيد إنتاج مركز قوة يمتلك حضوراً عميقاً داخل الجغرافيا الشمالية.

أما النتيجة النهائية، فتكشف أن أزمة المؤتمر ليست سوى انعكاس لأزمة الدولة اليمنية نفسها، إذ إن المشكلة لم تعد في غياب الأحزاب أو تبديل القيادات، بل في غياب مشروع وطني قادر على إنتاج توازن سياسي مستقر يتجاوز منطق المحاصصة والسلاح والنفوذ الخارجي.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يمكن إعادة إحياء حزب في ظل دولة منهارة؟ الجواب لا يكمن في النوايا أو الخطابات، بل في قدرة هذا الحزب على تقديم مشروع وطني جامع قائم على شراكة حقيقية، وتحوّله من كيان نخبوي يبحث عن الشرعية التاريخية، إلى قوة سياسية قادرة على تقديم خدمات، وحماية محلية، ورؤية واضحة لما بعد الحرب، وإلا فسيبقى حراكه السياسي مجرد إعادة تدوير لأزمة في جسم حزب فقد سياقه التاريخي.