ياسر محمود عباس.. رجل أعمال فلسطيني مقيم في كندا يسعى لخلافة والده

ياسر عباس رجل أعمال يقضي جزءًا كبيرًا من وقته خارج الأراضي الفلسطينية
لم يكن فوز ياسر محمود رضا عباس بعضوية اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" مجرد رقم جديد في نتائج المؤتمر الثامن، بل انتقالًا لافتًا لرجل ظل معروفًا لسنوات من بوابة الأعمال والمهام الخاصة إلى أعلى غرفة قرار في الحركة.
وفي 18 مايو/أيار 2026، أعلنت "فتح" النتائج الرسمية غير النهائية لمؤتمرها العام الثامن، بعد اقتراع جرى في أربع ساحات: رام الله، غزة، لبنان، القاهرة.
عكست الأرقام حجم المنافسة داخل الحركة، إذ شارك 2595 عضوًا، وتنافس 59 مرشحًا على 18 مقعدًا في اللجنة المركزية، و450 مرشحًا على 80 مقعدًا في المجلس الثوري، وسط نسبة مشاركة بلغت 94.64 بالمئة.
في النتائج، تصدّر الأسير مروان البرغوثي القائمة بـ1893 صوتًا، تلاه رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج بـ1884 صوتًا، ثم جبريل الرجوب بـ1631 صوتًا، وحسين الشيخ بـ1586 صوتًا، فيما جاء ياسر عباس ثامنًا بـ1301 صوت.
بهذا الموقع، لم يعد اسم ياسر حاضرًا فقط في هامش الأعمال أو التكليفات الخاصة، بل صار داخل هيئة قيادية مؤثرة في حركة تواجه سؤالًا مفتوحًا حول مرحلة ما بعد محمود عباس، وما إذا كان صعود نجل الرئيس جزءًا من إعادة ترتيب داخلية أم مجرد نتيجة تنظيمية في مؤتمر طال انتظاره.

من هو ياسر عباس؟
ياسر محمود رضا عباس، البالغ 64 عامًا، هو أحد أبناء رئيس السلطة، ويعرف بأنه رجل أعمال فلسطيني كندي، يقضي جزءًا كبيرًا من وقته خارج الأراضي الفلسطينية، وتحديدًا في كندا، مع أعمال قائمة في الضفة الغربية.
قبل دخوله اللجنة المركزية، لم يكن معروفًا بوصفه كادرًا تنظيميًا فتحاويًا، بل كرجل أعمال قريب من مركز السلطة العائلي والسياسي.
وتورد سير متداولة أنه من مواليد 1962، وأنه درس الهندسة المدنية في الولايات المتحدة، قبل أن يبدأ نشاطه التجاري في كندا ثم يعود إلى الأراضي الفلسطينية ويؤسس مجموعة “فالكون” للأعمال.
توسعت أعمال المجموعة في قطاعات المقاولات والاتصالات والتبغ والاستثمارات العامة في مناطق الضفة التي تخضع لإدارة السلطة الفلسطينية.
لكن هذا الامتداد التجاري أدخل اسمه مبكرًا في دائرة الجدل؛ فقد واجه هو وشقيقه طارق، منذ سنوات، اتهامات بالاستفادة من المال العام أو النفوذ السياسي في دعم أعمالهما.
ففي 2009، كشفت رويترز أن شركات يديرها ياسر وطارق عباس، حصلت على عقود ومقاولات فرعية ممولة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID بقيمة تتجاوز مليوني دولار منذ 2005.
لكنها نقلت في التقرير نفسه عن USAID أن العقود منحت عبر منافسة "كاملة ومفتوحة"، وأن صلة القرابة لم تكن عاملًا، كما نقلت عن محامي نجلي عباس نفيه أي محاباة أو تفضيل.
تفاصيل العقود تظهر حساسية الملف؛ فقد وقّعت “فالكون” التابعة لياسر عباس في مايو/أيار 2005 عقدًا مع USAID بقيمة 1.89 مليون دولار لبناء منشأة صرف صحي في الخليل، دُفع منها 872,578 دولارًا.
كما حصلت شركة First Option Project Construction Management، التي قالت رويترز: إنها مرتبطة بياسر عباس، على مقاولات فرعية بقيمة 296,933 دولارًا من شركة هندسية أميركية كبرى تعمل في الضفة.
في 2012، عاد اسم ياسر عباس إلى الجدل بعد مقال في مجلة فورين بوليسي الأميركية عن ثروة نجلي الرئيس الفلسطيني.
رفع ياسر دعوى تشهير في الولايات المتحدة ضد المجلة وكاتب المقال، لكن محكمة الاستئناف في دائرة كولومبيا أيدت رفض الدعوى، ورأت أن الأسئلة المطروحة عن الثروة ومصادرها لا تكفي لصياغة ادعاء تشهير وفق قانون واشنطن.
وبعد انتخابه، أكدّ ياسر عباس أن “فتح” ستعمل على إعادة قطاع غزة “إلى حضن الشرعية الفلسطينية” في إشارة إلى إنهاء سيطرة حركة المقاومة الإسلامية حماس عليها.
وأضاف لصحفيين خلال تلقيه التهاني بالفوز أن “إنجاز الوحدة الوطنية الكاملة يتطلّب الموافقة على كل شروط دخول منظمة التحرير الفلسطينية في كل بنودها: قانون واحد ودولة واحدة وسلاح شرعي واحد، والمنظمة ممثل شرعي ووحيد” للشعب الفلسطيني.
وشهد المؤتمر المذكور إعادة انتخاب محمود عباس (90 عاما) رئيسا لفتح، ليستمر منذ عقدين في رئاسة السلطة والحركة ومنظمة التحرير. وتضم الأخيرة معظم الفصائل الفلسطينية وتغيب عنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

كيف صعد سياسيًا؟
حتى ما قبل المؤتمر الثامن، لم يكن ياسر صاحب منصب تنظيمي منتخب داخل فتح أو السلطة الفلسطينية وذلك رغم مرافقته والده في لقاءات سياسية، منها زيارة إلى موسكو عام 2025 التقى خلالها محمود عباس بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي.
لذلك، ففوزه في اللجنة المركزية يمثل نقلة من الحضور العائلي الاقتصادي والتكليفي إلى موقع تنظيمي منتخب داخل الحركة، لكنه لم يكن بعيدًا تمامًا عن السياسة.
ففي أبريل/نيسان 2026، بث تلفزيون فلسطين الرسمي خبرًا يصفه بأنه "ممثل السيد الرئيس الخاص" خلال لقاء مع مسؤولي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في بيروت، بحضور سفير فلسطين لدى لبنان.
ووقتها بحث الطرفان أوضاع اللاجئين الفلسطينيين والمهجرين منهم من سوريا إلى لبنان والتحديات المالية التي تواجه الوكالة.
كما ظهر اسمه في لقاءات رسمية لبنانية؛ إذ استقبل رئيس الحكومة نواف سلام وفدًا فلسطينيًا ضم ياسر عباس، وبحث معه أوضاع اللاجئين الفلسطينيين ومسار تسليم السلاح داخل المخيمات، إلى جانب ملفات إنسانية واجتماعية واقتصادية.
وهو ما يعزز أن دوره لم يكن بروتوكوليًا بالكامل، بل اتصل بملفات سياسية وأمنية واجتماعية حساسة في الساحة اللبنانية.
رويترز ذهبت أبعد من ذلك؛ إذ ذكرت أن محمود عباس طلب من نجله عام 2025 قيادة ملف لبنان في منظمة التحرير، والإشراف على تسليم أسلحة فلسطينية إلى الجيش اللبناني.
كما قالت: إن ياسر عقد، قبيل المؤتمر، اجتماعات مع فصائل داخل فتح تمثل المؤسسة الأمنية في السلطة، ومع مجموعات تمثل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهي دوائر يمكن أن تمنحه دعمًا داخل اقتراع اللجنة المركزية.
لكن هذه الصفة نفسها فتحت بابًا آخر للجدل، فوفق ورقة موقف لائتلاف أمان للنزاهة والمساءلة، فإن تكليف نجل الرئيس بمهام "ممثل خاص" قد يكون مفهومًا في أطر بروتوكولية خارجية محدودة، لكنه يثير إشكالات إذا امتد للشأن الداخلي أو إلى مؤسسات رسمية مثل الحكومة أو منظمة التحرير.
وبحسب ائتلاف أمان (مؤسسة أهلية فلسطينية متخصصة في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة)، لا يتضمن القانون الأساسي نصًا صريحًا يمنح الرئيس صلاحية تعيين ممثلين خاصين لمهام داخلية، كما أن غياب إطار قانوني واضح قد يعزز تصورات المحاباة أو التوريث وتضارب الصلاحيات.
بهذا المعنى، لم يبدأ صعود ياسر عباس في صندوق اقتراع فتح وحده، فقد مر أولًا عبر مسار تكليفي غير انتخابي شمل لبنان، المخيمات، الأونروا، العلاقة مع المسؤولين اللبنانيين، وملف السلاح الفلسطيني، قبل أن يدخل المسار التنظيمي عبر المؤتمر الثامن.
وتكمن أهمية اللجنة المركزية في أنها ليست هيئة رمزية، فهي تشرف على مؤسسات حزبية وميزانيات مهمة داخل فتح، ولها تأثير في تعيينات السلطة الفلسطينية، خصوصًا أن الحركة تهيمن تقليديًا على منظمة التحرير والسلطة معًا.

لماذا يثير الجدل؟
يثير ياسر عباس الجدل عند تقاطع ثلاثة ملفات: المال، والعائلة، والخلافة. فمن جهة، لا تزال اتهامات قديمة تحيط بعلاقته بعقود ومصالح تجارية في ظل سلطة يترأسها والده.
ومن جهة ثانية، أصبح نجل الرئيس داخل أعلى هيئة فتحاوية في لحظة يغيب فيها أي مسار انتخابي وطني واضح. ومن جهة ثالثة، يأتي ذلك فيما تحولت خلافة محمود عباس إلى سؤال مفتوح داخل فتح والسلطة ومنظمة التحرير.
رويترز لخصت هذا التوتر بوضوح بالقول: إن دخول ياسر عباس السياسة غذّى تكهنات بأن والده قد يكون بصدد تهيئته لخلافته في قيادة فتح.
وتركز الانتقادات داخل “فتح” على أن ياسر عباس لا يملك تاريخًا تنظيميًا أو قدرة مثبتة على توحيد الفلسطينيين في ظل غياب الانتخابات الوطنية منذ 2006 وتعطل مسار الدولة.
ويحكم محمود عباس بالمراسيم منذ انتهاء ولايته عام 2009، وفي وقت تواجه فيه السلطة أزمة مالية وفقدان ثقة وشللًا سياسيًا منذ انهيار المفاوضات مع إسرائيل عام 2014.
ومحليًا، لا يقتصر الجدل على خصوم فتح، ففوز ياسر عباس غذّى نقاش "التوريث السياسي" حتى من دون إعلان رسمي، ولا سيما أن وجوده في اللجنة المركزية يمنحه وزنًا داخل ترتيبات ما بعد والده.
ونقلت شبكة قدس المحلية عن مقربين من قيادة فتح دفاعهم عن النتائج بوصفها جاءت عبر اقتراع داخلي شارك فيه أعضاء المؤتمر العام، بينما رأت آراء أخرى أن بنية النظام الفلسطيني وتعدد مراكز القوى تجعل أي انتقال للقيادة أعقد من أن يُحسم عبر اسم واحد.
وبات حسين الشيخ الذي عُين نائبًا لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير/نائبًا لرئيس دولة فلسطين، أحد أبرز المرشحين المؤسسيين لخلافة عباس، لكنه لا يضمن المنصب؛ إذ إن موقعه يمنحه دورًا انتقاليًا فقط إذا غاب الرئيس الحالي، بينما تبقى اللجنة التنفيذية للمنظمة ساحة متنافسة تضم خصومًا ومراكز قوة.
كذلك يرى مركز كارنيغي للسلام أن إعلان 2025 الدستوري الذي يضع نائب رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة في موقع القيادة المؤقتة بعد عباس جعل حسين الشيخ اسمًا أكثر حضورًا في معادلة الانتقال، لا نهاية للجدل حولها.
في المقابل، يملك الأسير مروان البرغوثي شعبية ورمزية مختلفة تمامًا، فتصدّره نتائج مركزية فتح من داخل سجون الاحتلال يذكّر بأن جزءًا من قواعد الحركة لا يزال يرى في الأسرى والرموز النضالية مصدر شرعية أقوى من رجال الأجهزة الأمنية أو المال.
أما حلول ماجد فرج ثانيًا، فيضيف إلى نفوذه الأمني شرعية داخلية فتحاوية جديدة، فيما يمثل جبريل الرجوب ثقلًا تنظيميًا قديمًا، وبدوره، يضيف زكريا الزبيدي إلى اللجنة رمزية الميدان والأسر. ووسط هذه الخريطة، يبدو ياسر عباس رقمًا جديدًا، لكنه ليس الوحيد.
دوليًا، ذهبت قراءات عدة في الاتجاه نفسه؛ إذ رأت صحيفة لوموند الفرنسية أن محمود عباس يدفع نجله إلى المسرح السياسي عبر مركزية فتح، لكنها أشارت إلى أن حسين الشيخ يبقى في نظر كثيرين "الخليفة المرجح"، وأن دخول ياسر لا يعني بالضرورة إزاحة نائب الرئيس.
أما فايننشال تايمز البريطانية فربطت ترشيح ياسر بمسعى والده لتثبيت نفوذه داخل فتح في لحظة ضغط داخلي وخارجي، بينما ركزت تغطيات إسرائيلية مثل صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” على أن المؤتمر يفرز لجنة مركزية قد تلعب دورًا في مرحلة ما بعد عباس.
وتزداد حساسية هذا الجدل لأن المؤتمر نفسه انعقد في سياق أزمة شرعية أوسع، فقد عقدت فتح أول مؤتمر عام لها منذ نحو عشر سنوات، بينما لم تجر انتخابات رئاسية فلسطينية منذ 2005، ولا تشريعية منذ 2006.
وتعهد عباس في افتتاح المؤتمر بالمضي في إصلاحات وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، لكنه لم يقدم جدولًا زمنيًا. وفي الفجوة بين وعود الإصلاح وغياب المواعيد، لا يبدو صعود نجله إلى مركزية فتح تفصيلًا تنظيميًا عابرًا، بل سؤالًا مفتوحًا عن موقعه في ترتيبات ما بعد أبيه.
المصادر
- Official preliminary results for Fatah Central Committee and Revolutionary Council elections announced
- Palestinian leader's son wins role in Abbas' party, official says
- Exclusive: Firms run by President Abbas's sons get U.S. contracts
- Abbas v. Foreign Policy Grp., LLC, No. 13-7171 (D.C. Cir. 2015)
- ممثل الرئيس الخاص وسفير دولة فلسطين لدى لبنان يستقبلان المفوض العام بالإنابة للأونروا ومديرة شؤونها في لبنان
- Palestinian leader's son, long in the shadows, seeks political role
- بعد تكليف الرئيس نجله ياسر عباس ممثلا خاصا.. أمان: القرار يحمل مخاطر وتحديات
- Fatah Meets in Ramallah
- A look at the PLO’s new vice president, Hussein al-Sheikh
- Palestinian President Mahmoud Abbas's maneuvers to lock in the Fatah congress
- Fatah gathers for first election in decade, as PA’s Abbas pledges to continue reforms

















