ألقت بظلالها على "يوروفيجن".. النكبة الفلسطينية جرح ممتد منذ 78 عاما

بينما يستحضر الفلسطينيون ذكرى عام 1948، تبدو مشاهد غزة والضفة الغربية امتدادا مباشرا لتلك النكبة الأولى
في الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، لم تعد المأساة مجرد حدث تاريخي يُستعاد في الذاكرة أو يُروى في شهادات الناجين، بل واقعا متواصلا يعيشه الفلسطينيون يوميا عبر القصف والتهجير والحصار والنزوح المتكرر.
فبينما يستحضر الفلسطينيون ذكرى عام 1948، تبدو مشاهد غزة والضفة الغربية امتدادا مباشرا لتلك النكبة الأولى، بما تحمله من فقدان للأرض وتهديد للهوية واستمرار لمشاريع الإحلال والاستيطان.
ولم يقتصر صدى الذكرى هذا العام على ساحات التظاهر والفعاليات التضامنية، بل امتد إلى فضاءات ثقافية وفنية عالمية، بعدما ألقت بظلالها على مسابقة "يوروفيجن"، وسط دعوات للمقاطعة وانتقادات متزايدة لمشاركة إسرائيل، في وقت شهدت فيه عواصم أوروبية وأميركية مسيرات واسعة أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وربطت بين نكبة الأمس ومأساة اليوم.
وفي 15 مايو/أيار 2026، أحيا الفلسطينيون ومؤيدوهم حول العالم الذكرى الـ78 للنكبة، تلك الكارثة الوجودية التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948، وأدت إلى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني، وتدمير ما يزيد على 500 قرية وبلدة، وسيطرة إسرائيل على نحو 78 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، في واحدة من أكبر عمليات النزوح والتطهير العرقي في العصر الحديث.
وتحل ذكرى النكبة هذا العام في ظل أوضاع إنسانية وأمنية بالغة التعقيد؛ إذ يمثل ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية امتدادا مباشرا ومكثفا للنكبة الأولى؛ فالدمار الواسع، والنزوح الجديد لمئات الآلاف، والتهديد المستمر للأرض والهوية، كلها عوامل تؤكد استمرار المشروع الاستيطاني الذي بدأ قبل 78 عاما.
وفي وقت يخيم فيه الصمت على مواقف العديد من الدول العربية والإسلامية، شهدت دول أوروبية فعاليات متنوعة لإحياء الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية.
وكما حدث منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة قبل أكثر من عامين، واصلت الرواية الفلسطينية اختراق مساحات جديدة كانت عصية عليها سابقا.
فقد خفت بريق مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" هذا العام، لتزامنها مع ذكرى النكبة الفلسطينية، وسط دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل، فيما تصاعدت لليوم الثاني على التوالي الأصوات المنددة بالحرب في غزة والانتهاكات في الضفة الغربية، والداعية إلى تفعيل حق عودة الفلسطينيين المهجرين من أراضيهم منذ عام 1948.
وبشكل عام، تميزت فعاليات إحياء ذكرى النكبة التي تصادف 15 مايو/أيار من كل عام، بتداخل السياسة والفنون والرياضة في العديد من دول العالم، لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين المستمرة منذ عقود.
وفي العاصمة البريطانية لندن، جابت مسيرة شارك فيها آلاف الداعمين لفلسطين شوارع المدينة، السبت، إحياء لذكرى النكبة وتنديدا بالاحتلال الإسرائيلي.
وانطلقت المسيرة من محيط متحف فيكتوريا وألبرت؛ حيث احتشد المشاركون قبل أن يجوبوا عددا من الشوارع مرددين هتافات داعمة لفلسطين ومطالبة بإنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي التي هُجّروا منها عام 1948.
وشارك في المسيرة يهود وحاخامات معارضون للاحتلال والصهيونية، مؤكدين أن إسرائيل لا تمثل اليهودية، وأن للفلسطينيين حقا ثابتا في العودة إلى أرضهم.
كما شهدت العاصمة السويدية ستوكهولم، في 16 مايو/أيار، مسيرة لإحياء ذكرى النكبة؛ حيث تجمع آلاف الأشخاص في ساحة أودنبلان استجابة لدعوات أطلقتها منظمات مجتمع مدني، مطالبين بوقف فوري لما وصفوه بجرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.
ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ولافتات كُتِب عليها: "أوقفوا الإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام الصهيوني في فلسطين".
وقال ممثل جمعية "التحالف اليهودي المناهض للصهيونية" جوناثان كي إن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لم يبدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول، بل يعود إلى ما يقارب 80 عاما.
وانتقد غياب الوعي التاريخي بشأن النكبة، قائلا: "من الفضيحة أن تُعامل النكبة وكأنها تاريخ مدفون أو مخفي، وأن نُجبر على البحث عنها وتعلمها بأنفسنا عبر الإنترنت".
وشهدت مدينتا روما وميلانو الإيطاليتان، في 16 مايو/أيار، مسيرات حاشدة لإحياء ذكرى النكبة، وللتعبير عن الدعم لـ"أسطول الصمود العالمي" المتجه لكسر الحصار عن قطاع غزة.
وفي الولايات المتحدة، استحضر عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني شهادة السيدة إينيا، إحدى الناجيات من أحداث النكبة، عبر مقطع فيديو نشره على منصة "إكس".
وقال: إن “يوم النكبة مناسبة سنوية لإحياء ذكرى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني بين عامي 1947 و1949، خلال قيام دولة إسرائيل وما تلا ذلك من أحداث”. مضيفا أن "إينيا من سكان نيويورك ومن الناجين من النكبة، وقد شاركتنا قصتها؛ قصة وطن وذاكرة وتقاليد امتدت عبر الأجيال".
كما خرج متظاهرون في مسيرة جابت شوارع العاصمة الفرنسية باريس لإحياء ذكرى النكبة والمطالبة بإنهاء الحرب المستمرة في قطاع غزة.
النكبة مستمرة
وفي مواجهة محاولات طمس الرواية التاريخية وتشويهها، برز دور منصات التواصل الاجتماعي كساحة رئيسة لإحياء الذاكرة، وتوثيق الحقائق، وتعزيز التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية؛ إذ شهدت تفاعلا استثنئيا ومنظما من قبل الناشطين والمؤيدين للحق الفلسطيني.
وربط ناشطون عبر وسوم عدة على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #النكبة، #ذكرى_النكبة، #حق_العودة، #النكبة_مستمرة، #الإبادة_مستمرة وغيرها، بين نكبة 84 والأحداث الراهنة، متداولين بكثافة صورا ومقاطع فيديو تقارن بين خروج الفلسطينيين حفاة عام 1948، وصور النزوح المستمر وموجات التشريد الراهنة في غزة والضفة.
وأكدوا أن أحداث 1948 ليست حدثاً تاريخياً منتهياً بل سلسلة متواصلة من التهجير القسري، الاقتلاع، والتدمير، وأن ما يحدث اليوم هو حلقة جديدة في نفس المشروع الاستعماري، مما يحول الذكرى السنوية إلى دعوة للوعي وإعلان استمرار المقاومة.
توثيق الحقوق
ونشر ناشطون إنفوجرافيكس توضح ديموغرافيا اللجوء (أعداد اللاجئين، توزيعهم، والتغييرات الديموغرافية)، مبرزين أن حصيلة الشهداء والمباني المدمرة في السنوات الأخيرة تخطت أرقام النكبة الأولى بكثير، مما جعلهم يصفون الواقع الحالي بأنه "أبشع فصول النكبة المستمرة".
وعرض ناشطون أرشيفا تاريخيا غنيا يشمل صور اللاجئين الأوائل، ومفاتيح بيوت لم تعد موجودة، وخرائط تفصيلية للقرى المدمرة، بالإضافة إلى شهادات حية للناجين وأحفادهم، مؤكدين على إبراز استمرارية الذاكرة الجماعية ومقدسية حق العودة كحق فردي وجماعي لا يسقط بالتقادم.
الضمير العالمي
وعد ناشطون خروج مسيرات في دول أوروبية وغربية لإحياء ذكرة النكبة الـ78 دليلاً على "استيقاظ الضمير العالمي" و"تغير الرأي العام الغربي" رغم القمع في بعض الدول مثل ألمانيا، معربين عن فخرهم بحشود الأعلام الفلسطينية، ومؤكدين أن "التاريخ يُكتب في الشوارع" وأن "العدالة ستنتصر".
وعبروا عن ذلك بوصف المسيرات (في لندن وستوكهولم وبرلين وروما وغيرها) بـ"الطوفان البشري" الذي يتحدى الرواية الإسرائيلية والدعم الحكومي الغربي. مشددين على أن الشعوب الغربية بدأت تفرق بين حكوماتها وسياساتها الرسمية، وأن القضية الفلسطينية أصبحت "اختبارا إنسانيا عالميا".
واختص ناشطون بالذكر خروج حشود هائلة في لندن لإحياء ذكرى النكبة، رافعين الأعلام الفلسطينية ومطالبين بالعدالة ووقف ما يصفونه بالاحتلال والتطهير العرقي. مشيرين إلى أن هذا المشهد رمزية تاريخية مؤثرة حيث حدث في المدنية التي أسهمت حكومتها في تمهيد الطريق لقيام الكيان المحتل.
ولفتوا إلى أن شوارع مدينة لندن تحولت اليوم إلى منبر شعبي عالمي يعبر عن تضامن واسع مع الشعب الفلسطيني، ويؤكد تحولاً في الرأي العام البريطاني والغربي رغم الدعم الرسمي المستمر لإسرائيل.
أسهمت بريطانيا عبر آلياتها السياسية والعسكرية في تأسيس الكيان الإسرائيلي المحتل، وتغيير التركيبة الديموغرافية والسياسية لفلسطين.
لعبت بريطانيا دوراً محورياً ومباشراً في إنشاء دولة إسرائيل، بدءاً من وعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، حين أعلن وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور دعم حكومة بريطانيا لإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، التي كانت آنذاك تحت الحكم العثماني.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، منحت عصبة الأمم بريطانيا الانتداب على فلسطين عام 1922، فأدارتها حتى عام 1948، وسهّلت خلالها الهجرة اليهودية الواسعة النطاق، خاصة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، رغم معارضة السكان العرب الأصليين.
ومع تصاعد التوترات بين العرب واليهود، أعلنت بريطانيا انسحابها من فلسطين في 15 مايو 1948، تاركة البلاد في حالة فوضى أمنية، مما مهد مباشرة لإعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو 1948، واندلاع حرب 1948 التي أدت إلى سيطرة إسرائيل على معظم أرض فلسطين التاريخية وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين فيما يُعرف بالنكبة.
(يوروفيجن) 2026
وبرز توجه مناهض لمشاركة "إسرائيل" مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2026 التي تعد واحدة من أكبر مسابقات الغناء في العالم، وتشهد عادة مشاركة واسعة من الدول الأوروبية، ما يجعل أي انسحابات منها محل جدل واسع داخل الأوساط الفنية والسياسية.
وأعلنت 5 دول أوربية هي (إسبانيا، هولندا، أيرلندا، سلوفينيا، وآيسلندا) انسحابها من المسابقة بسبب مشاركة إسرائيل فيها، وسط دعوات لمقاطعة شاملة للنسخة المقبلة من المسابقة، مع إيضاحات بأن قرار الانسحاب جاء بدافع التضامن مع غزة، الاعتراض على انتهاكات قوانين الحرب.
وعد ناشطون السماح للاحتلال بالمشاركة (بخلاف استبعاد روسيا سابقاً) يعكس ازدواجية معايير من قبل EBU (اتحاد البث الأوروبي). مؤكدين أن "إسرائيل" تستخدم المسابقة لتحسين وتلميع صورتها "غسيل ثقافي" بينما تستمر في عمليات الإبادة في غزة والضفة ولبنان.
ووصفت منظمة العفو الدولية ذلك بـ"الجبن" و"الازدواجية الصارخة".
وتداول ناشطون فيديوهات للاحتجاجات داخل وخارج القاعة في فيينا، رفع الأعلام الفلسطينية، هتافات "Stop the genocide" أثناء أداء المشارك الإسرائيلي، وصور توابيت رمزية أو رسوم كاريكاتيرية تسخر من EBU (اتحاد البث الأوروبي)، مشيدين بانسحاب بعض الدول.














