رامي شعث بين مصر وفرنسا.. من الإفراج الدبلوماسي إلى مواجهة الترحيل

لا تتوقف حساسية قضية رامي شعث عند حدود نشاطه السياسي أو القانوني، بل تمتد إلى حياته الشخصية والعائلية
وجد الناشط الفلسطيني رامي شعث نفسه مجددًا في مواجهة مع السلطات، لكن هذه المرة من قلب باريس؛ المدينة التي وصل إليها قبل سنوات بوصفه ناشطًا سياسيًا خرج لتوّه من تجربة اعتقال طويلة في مصر، واستقبلته فرنسا آنذاك بوصفه رمزًا لحرية الرأي وحقوق الإنسان.
واليوم، تقول السلطات الفرنسية: إنها تعتزم ترحيله خارج البلاد بوصفه "خطرًا جسيمًا على الأمن العام"، فيما يرى شعث أن ما يتعرض له ليس سوى حلقة جديدة من حملة أوسع تستهدف الفلسطينيين والمتضامنين مع غزة داخل أوروبا.
بيان شعث
وفي 14 مايو/أيار 2026، نشر شعث بيانًا مطولًا باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، أعلن فيه أن مديرية أمن “نانتير” أبلغته بنيتها ترحيله من فرنسا، متهمًا الحكومة الفرنسية باستخدام أدوات قانونية وإدارية لإسكات الأصوات الداعمة لفلسطين، وربط ما يحدث له بتصاعد التضييق على الحراك المؤيد لغزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع.
ولم يقتصر البيان الذي جاء بصيغة شديدة الحدة، على الحديث عن قرار الترحيل، بل تضمن اتهامات مباشرة لفرنسا بـ"التواطؤ السياسي والقانوني والإعلامي" مع الحرب على غزة، و"شن حملة مكارثية ضد الفلسطينيين والناشطين المتضامنين معهم داخل البلاد".
وبحسب ما نقلته وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية، بدأت السلطات الفرنسية بالفعل إجراءات قانونية قد تفضي إلى إصدار قرار نهائي بترحيله خلال الأسابيع المقبلة، في وقت يستعد فيه فريق دفاعه لخوض معركة قضائية داخل فرنسا، وربما أمام المحاكم الأوروبية لاحقًا.
وبهذا المعنى، لم تعد القضية مجرد نزاع قانوني يتعلق بالإقامة أو الأوراق الرسمية، بل تحولت إلى ملف سياسي وحقوقي شديد الحساسية، يضع فرنسا أمام تساؤلات متزايدة بشأن حرية التعبير وحدود التعامل مع النشاط المؤيد لفلسطين داخل أوروبا، خصوصًا في ظل الحرب على غزة وما تبعها من استقطاب سياسي وأمني واسع في العواصم الغربية.
بين مصر وفرنسا
رامي شعث، نجل القيادي الفلسطيني البارز نبيل شعث، يُعد من أبرز الوجوه المرتبطة بحركة المقاطعة العالمية "BDS" في مصر، وعُرف خلال السنوات الماضية بدفاعه المستمر عن القضية الفلسطينية وانتقاده للسياسات الإسرائيلية والغربية تجاهها.
في يونيو/حزيران 2019، اعتقلته السلطات المصرية ضمن القضية المعروفة إعلاميًا باسم "خلية الأمل"، والتي شملت عددًا من السياسيين والنشطاء المصريين.
وبقي شعث قيد الاحتجاز لأكثر من عامين ونصف العام، قبل أن يُفرج عنه في يناير/كانون الثاني 2022، عقب تخليه عن الجنسية المصرية، وسماح السلطات له بالسفر إلى فرنسا للالتحاق بزوجته الفرنسية سيلين لوبران وابنته.
في حينه، تعاملت باريس مع القضية بوصفها نجاحًا دبلوماسيًا وحقوقيًا؛ إذ رحّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون علنًا بوصول شعث إلى فرنسا، كما مارست منظمات حقوقية فرنسية ودولية ضغوطًا متواصلة من أجل الإفراج عنه.
لكن التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أعادت رسم المشهد بشكل كامل، فمع تصاعد الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في العواصم الأوروبية، بدأت حكومات غربية باتخاذ إجراءات أكثر تشددًا تجاه الحراك المتضامن مع غزة، تحت عناوين تتعلق بالأمن العام ومكافحة التطرف ومعاداة السامية.
وفي هذا السياق، انتقل شعث تدريجيًا من ناشط مرحّب به داخل فرنسا إلى شخصية تخضع لرقابة أمنية متزايدة.
وبحسب وكالة "فرانس برس"، يستند ملف الترحيل إلى علاقاته بحركة "طوارئ فلسطين" الفرنسية، وهي حركة داعمة للقضية الفلسطينية أسهم في تأسيسها بعد الحرب على غزة، إضافة إلى مشاركته في فعاليات ومظاهرات مناهضة للحرب الإسرائيلية على القطاع.
كما تشير وثائق اطلعت عليها وسائل إعلام فرنسية إلى أن السلطات تعد بعض تصريحاته "تحريضًا على الكراهية" أو "تبريرًا للإرهاب"، وهي اتهامات ينفيها شعث بشكل كامل، مؤكدًا أن القضية السابقة المتعلقة بتبرير الإرهاب أُغلقت دون محاكمة، ما ينفي وجود أساس قانوني لهذه الادعاءات.

عقاب سياسي
وفي بيانه، يصف شعث ما تعرض له خلال الأشهر الماضية من قبل السلطات الفرنسية بأنه انتقال من الاستهداف القضائي إلى الاستهداف الإداري، وهو نمط بات يتكرر بصورة متزايدة في ملفات النشطاء المؤيدين لفلسطين داخل عدد من الدول الغربية.
ويقول شعث: إن السلطات الفرنسية بدأت في تعطيل تجديد أوراق إقامته، رغم أحقيته القانونية بها بصفته زوجًا وأبًا لمواطنتين فرنسيتين، ثم استخدمت هذا التعطيل لمنعه من السفر والعمل، قبل أن تتصاعد الإجراءات إلى إغلاق حسابه البنكي دون إنذار، ثم وقف بطاقته الخاصة بالتأمين الصحي، رغم خضوعه سابقًا لعمليتين جراحيتين في القلب.
وتعكس هذه التفاصيل، بحسب حقوقيين، شكلًا من العقوبات غير المعلنة؛ حيث لا يُزج بالناشط في السجن مباشرة، بل يوضع داخل دائرة من إنهاك اقتصادي وصحي وإداري طويل الأمد.
ويقول الحقوقي مصطفى عزالدين فؤاد، في تصريح لـ"الاستقلال": إن ما يحدث مع شعث يكشف تحولًا واضحًا في أساليب التضييق على النشطاء المؤيدين لفلسطين داخل أوروبا.
ويوضح أن الحكومات الغربية باتت تعتمد بصورة متزايدة على أدوات إدارية تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها تُستخدم فعليًا لإرهاق الناشط وعزله اجتماعيًا واقتصاديًا.
ويضيف فؤاد أن السلطات لم تعد بحاجة دائمًا إلى أحكام قضائية صريحة، بل باتت تستخدم قوانين الإقامة والبنوك والتأمين الصحي والعمل والسفر كوسائل ضغط وعقاب. مقدرا أن هذه السياسات تخلق حالة حصار معيشية للنشطاء دون الحاجة إلى إدانتهم جنائيًا.
ويرى أن خطورة حالة شعث لا تكمن فقط في قرار الترحيل المحتمل، بل في كونها تكشف كيف يمكن استخدام البيروقراطية نفسها كأداة سياسية ضد الأصوات المؤيدة لفلسطين.

غزة وأوروبا
ولا تنفصل قضية شعث عن السياق الأوروبي الأوسع منذ اندلاع الحرب على غزة؛ حيث تصاعدت الإجراءات الأمنية والإدارية بحق نشطاء وطلاب وأكاديميين شاركوا في فعاليات داعمة للفلسطينيين أو انتقدوا الحرب.
وفي ألمانيا، واجه الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة قيودا حالت دون مشاركته في فعاليات عامة. وفي الولايات المتحدة، أُلغيت تأشيرات طلاب شاركوا في احتجاجات جامعية، فيما شهدت بريطانيا حالات مماثلة مرتبطة بالنشاط السياسي المؤيد لغزة.
هذا المناخ دفع منظمات حقوقية، بينها "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"، إلى التحذير من تراجع مساحة حرية التعبير المرتبطة بالقضية الفلسطينية في الغرب، ومن استخدام قوانين الأمن العام ومكافحة التطرف لتقييد النشاط السلمي.
كما انتقدت الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان (LDH) ما وصفته بتوسع الإجراءات الإدارية ضد الفعاليات المرتبطة بالحرب على غزة، مشيرة إلى اعتماد متزايد على أدوات غير قضائية في التعامل مع النشطاء.
وفي المحصلة، ترى جهات حقوقية أن حالة رامي شعث تمثل نموذجا لصراع متصاعد في أوروبا بين حرية التعبير والتقديرات الأمنية في ظل الحرب على غزة، وما خلّفته من استقطاب سياسي وقانوني واسع.

معركة أكبر
ولا تتوقف حساسية قضية رامي شعث عند حدود نشاطه السياسي أو الإطار القانوني، بل تمتد لتنال حياته الشخصية والعائلية، بما يجعل ملفه أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
فشعث متزوج من الفرنسية سيلين لوبران، وأب لطفلة تحمل الجنسية الفرنسية، ما يجعل قرار الترحيل المحتمل مرتبطًا مباشرة بحقوق أسرية وإنسانية، وليس فقط بتقديرات أمنية أو سياسية.
وفي بيانه، تحدث شعث بوضوح عن الأثر الإنساني لما يواجهه، مشيرًا إلى أن زوجته تجد نفسها اليوم أمام معركة جديدة، بعد سنوات من نضالها للإفراج عنه خلال فترة احتجازه في مصر.
كما رأى أن ما يتعرض له لا يقتصر على كونه إجراءً إداريًا، بل يحمل في طياته محاولة لـ"تفكيك الأسرة" وعزله عن محيطه، في سياق أوسع لإسكات الأصوات السياسية الداعمة لفلسطين.
ويرى الحقوقي مصطفى عزالدين فؤاد أن هذه الزاوية تحديدًا تكشف البعد الأكثر قسوة في القضية، موضحًا أن "الرسالة لم تعد موجهة إلى الناشط وحده، بل تمتد إلى عائلته ومحيطه الاجتماعي، بهدف خلق تكلفة شخصية ونفسية مرتفعة لأي انخراط في الحراك المؤيد لفلسطين".
ويضيف أن شعث، رغم الضغوط، نجح خلال مراحل سابقة في إسقاط بعض الإجراءات ضده عبر القضاء، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، "ضعف الأساس القانوني لبعض الخطوات المتخذة بحقه"، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الضرر يكون قد وقع فعليًا حتى في حال التراجع اللاحق عن بعض القرارات.
في المقابل، لم تصدر السلطات الفرنسية حتى الآن تعليقًا تفصيليًا على الاتهامات الموجهة إليها، بينما يواصل فريق دفاع شعث التحضير للطعن على قرار الترحيل أمام القضاء الفرنسي، وربما الأوروبي إذا اقتضى المسار القانوني ذلك.
لكن بعيدًا عن مسار المحاكم، تكشف القضية عن تحول أوسع داخل أوروبا؛ حيث بات التضامن مع فلسطين مساحة صدام متزايد بين الدولة والنشطاء، وبين خطاب الحريات التقليدي ومتطلبات الأمن والسياسة في مرحلة ما بعد الحرب على غزة.
وفي حالة رامي شعث، تبدو المفارقة أكثر حدة؛ فالرجل الذي خرج قبل سنوات من السجون المصرية بصفته معتقلاً سياسيًا، واستقبلته باريس بوصفه رمزًا للحرية، يجد نفسه اليوم مهددًا بالطرد من الدولة نفسها.
وبين لحظة الترحيب ولحظة التهديد بالترحيل، تتكشف ملامح سؤال أوسع حول حدود الحرية في الغرب حين يتعلق الأمر بفلسطين، وكيف يمكن أن تتحول أدوات مثل الإقامة، والحسابات البنكية، والتأمين الصحي، والاستقرار العائلي، إلى وسائل ضغط في معركة لم تعد محصورة في غزة فقط، بل تمتد إلى الحق في الدفاع عنها أيضًا.

















