من بوكو حرام إلى صراع النفوذ.. كيف تحولت نيجيريا إلى ساحة تنافس دولي؟

"معالجة جذور الأزمة تتطلب إصلاحات أعمق"
تحولات عميقة شهدتها البيئة الأمنية في غرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد مقتصرة على تصاعد نشاط التنظيمات المتطرفة التي تستغل الإسلام، بل باتت ترتبط أيضا بتراجع البنية الأمنية الإقليمية وإعادة تشكل التنافس بين القوى الكبرى.
ففي ظل الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل وتراجع النفوذ الغربي، خصوصا الفرنسي، مقابل توسع الحضور الروسي والصيني، تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس جيوسياسي متزايد الأهمية.
وهنا برزت نيجيريا كنقطة ارتكاز رئيسة في معادلة الأمن الإقليمي، وذلك نظرا لكونها إحدى أكبر اقتصادات إفريقيا وأكثرها كثافة سكانية.

شريك مهم
ونشر مركز "أورسام" مقالا للكاتب التركي قآن ديفيجي أوغلو، أكد فيه أنه "لا يمكن فهم التحديات الأمنية التي تواجهها نيجيريا بمعزل عن نشاط التنظيمات المسلحة، وعلى رأسها بوكو حرام وتنظيم ولاية غرب إفريقيا التابع لتنظيم الدولة".
وأوضح أن “تهديد هذه الجماعات قد تطور خلال السنوات الماضية من مجرد هجمات إرهابية متفرقة إلى أزمة متعددة الأبعاد، تؤثر في قدرة الدولة على بسط سلطتها، وتزيد من هشاشة المجتمعات المحلية، كما تخلق بيئة ملائمة لتدخلات القوى الخارجية”.
وفي هذا الإطار، اكتسب قرار الولايات المتحدة في فبراير/ شباط 2026، والذي تضمّن نشر نحو 200 جندي في نيجيريا لأغراض التدريب والاستشارة، دلالات تتجاوز مجرد الدعم الأمني.
فهذه الخطوة تشير إلى أن التحديات الأمنية في نيجيريا لم تعد مسألة داخلية فحسب، بل أصبحت جزءا من معادلة جيوسياسية أوسع تتعلق بمستقبل التوازنات الأمنية في غرب إفريقيا، وفق ديفيجي أوغلو.
وأضاف “حيث نجد أن واشنطن تنظر إلى نيجيريا بوصفها شريكا إستراتيجيا مهما، وذلك بفضل قدراتها العسكرية وموقعها الجيوسياسي المطل على المحيط الأطلسي، وهو ما يجعلها عنصرا أساسيا في إعادة تشكيل النفوذ الأميركي في المنطقة بعد التراجع الذي شهدته في منطقة الساحل”.
واستطرد: "على المستوى الميداني، تكشف الهجمات المتكررة التي تنفذها جماعة بوكو حرام في ولايات بورنو ويوبي وأداماوا عن استمرار قدرة التنظيم على العمل بمرونة رغم الضغوط العسكرية".
وتابع: “فإن نشاطه لا يقتصر على العمليات المسلحة فحسب، بل يسعى في بعض المناطق إلى بناء نوع من (الحوكمة الموازية)، وهذا من خلال فرض الضرائب على السكان المحليين والسيطرة على طرق التجارة و التدخل في النزاعات المحلية”.
ولفت يفيجي أوغلو إلى أن “هذا السلوك يعكس محاولة التنظيم الانتقال من مجرد حركة تمرد إلى كيان يسعى لفرض سيطرة فعلية على الأرض”.
تدخلات إقليمية
في المقابل، يتّبع تنظيم ولاية غرب إفريقيا التابع لتنظيم الدولة نموذجا مختلفا نسبيا؛ إذ يحاول بناء علاقات أكثر براغماتية مع المجتمعات المحلية وتقليل العنف المباشر ضد المدنيين مقارنة بـ"بوكو حرام".
وبهذا فقد سمح هذا النهج للتنظيم بتعزيز حضوره في بعض المناطق، من خلال مزيج من النشاط العسكري والاقتصادي، ما يشير إلى تطور نماذج الحكم التي تسعى الجماعات المسلحة إلى فرضها في مناطق الفراغ الأمني.
ولا تقتصر هذه التحديات على حدود نيجيريا فحسب؛ إذ أصبح حوض بحيرة تشاد أحد أبرز بؤر عدم الاستقرار في المنطقة. فطبيعة الحدود المفتوحة بين نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون تتيح للجماعات المسلحة حرية الحركة، والانسحاب إلى مناطق أخرى عند تعرضها لضغوط عسكرية.
كما أن الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، مثل تهريب الوقود والصيد غير القانوني وشبكات الرعي العابرة للحدود، توفر مصادر تمويل مستمرة لهذه الجماعات، وهو ما يعزز قدرتها على البقاء والاستمرار، يقول ديفيجي أوغلو.
وأشار الكاتب التركي إلى أن “قراءة الأزمة الأمنية في نيجيريا من زاوية مكافحة الإرهاب وحدها تبقى غير كافية".
وذكر أن "التطورات الأخيرة في منطقة الساحل، بما في ذلك انسحاب بعض القوى الغربية وصعود النفوذ الروسي والصيني، قد خلقت فراغات أمنية أعادت رسم ملامح التوازنات الإقليمية”.
وفي هذا السياق، لم يعد الإرهاب مجرد تهديد أمني، بل أصبح أيضا عنصرا محفزا يعيد تشكيل مواقع النفوذ الدولي في المنطقة.
فقد عزّزت الصين حضورها الاقتصادي في نيجيريا خلال العقد الأخير عبر استثمارات واسعة في البنية التحتية، بما في ذلك السكك الحديدية والموانئ وقطاع الطاقة.
أما روسيا فقد سعت إلى توسيع نفوذها في إفريقيا، لا سيما في منطقة الساحل، وذلك من خلال اتفاقيات التعاون العسكري والاستعانة بالشركات العسكرية الخاصة.
ولفت الكاتب النظر إلى أن “تقارب بعض الأنظمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر مع موسكو قد أدّى إلى إثارة قلق إستراتيجي لدى الولايات المتحدة التي باتت تسعى إلى إعادة ترسيخ حضورها في غرب إفريقيا”.

تقوية القدرات
ورأى أنه “يمكن فهم التحرك الأميركي في نيجيريا بوصفه جزءا من إستراتيجية أوسع لإعادة التوازن إلى النفوذ الدولي في المنطقة”.
واستدرك: “غير أن واشنطن تبدو حريصة هذه المرة على تجنب الانخراط العسكري المباشر والواسع النطاق، بل وتفضل التركيز على بناء القدرات المحلية وتقديم الدعم التدريبي والاستشاري، وهي مقاربة تعكس الدروس المستفادة من تجربتي العراق وأفغانستان”.
وتابع: “مع ذلك، يظل هذا النوع من الدعم العسكري محفوفا بتحديات داخلية”.
وأوضح أن “زيادة الوجود العسكري الأميركي قد تستخدمه الجماعات المتطرفة لتعزيز خطابها المعادي للغرب، خاصة في المناطق التي تعاني من تهميش اقتصادي واجتماعي، لهذا فإن نجاح أي إستراتيجية لمكافحة الإرهاب في نيجيريا يتطلب مزيجا من الحلول الأمنية والتنموية في آن واحد”.
وأكد أن “الأزمة الأمنية في نيجيريا تنعكس من تداخل عدة عوامل، من ضعف الدولة في بعض المناطق الريفية إلى تعقيدات البيئة الإقليمية في الساحل، وصولا إلى تصاعد تنافس القوى الكبرى في إفريقيا”.
ويرى أن “تآكل سلطة الدولة في المناطق الريفية، وتفكك البنية الأمنية الإقليمية في الساحل، وانتقال تنافس القوى الكبرى إلى المجال الأمني، كلها عوامل حولت غرب إفريقيا إلى خط صدع جيوسياسي جديد”.
وعلق الكاتب التركي: "قد يؤدي تعزيز الولايات المتحدة لوجودها التدريبي والاستشاري في نيجيريا إلى تقوية القدرات العملياتية على المدى القصير، إلا أن الحد الدائم من التهديد الإرهابي لا يبدو ممكنا عبر الأدوات العسكرية وحدها".
وقال: إنه “من دون التقدم المتزامن في إصلاحات الحكومة المحلية، وتعزيز الشمول الاقتصادي، وتطوير التنسيق الأمني عبر الحدود، ستستمر التنظيمات مثل بوكو حرام وتنظيم ولاية غرب إفريقيا التابع لتنظيم الدولة في إعادة إنتاج الفراغات الأمنية”.
وشدد على أن معالجة جذور الأزمة "تتطلب إصلاحات أعمق في مجالات الحكم المحلي والتنمية الاقتصادية والتنسيق الأمني الإقليمي".
وتابع: “بذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام نيجيريا لا يقتصر على تحقيق نجاحات عسكرية ضد الجماعات المتطرفة، بل يتمثل في قدرتها على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز استقرارها، مع الحفاظ على استقلالها الإستراتيجي في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس على النفوذ غرب إفريقيا”.
















