اختناق هرمز.. كيف تربح الجزائر وليبيا من حرب أميركا وإسرائيل على إيران؟

خالد كريزم | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بينما يعيش الشرق الأوسط صدمة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تبدو الجزائر وليبيا في موقع مختلف عن باقي دول شمال إفريقيا، فكلاهما مصدر كبير للنفط والغاز اللذين ارتفعت أسعارهما بفعل إغلاق مضيق هرمز.

فبعد إغلاق الممر الذي يعبر منه نحو خُمس النفط العالمي ومثلها من تجارة الغاز الطبيعي المسال، تعطلت صادرات الخليج بشدة وتراجعت الإمدادات، لتقفز أسعار النفط بأكثر من 40 بالمئة وترتفع أسعار الغاز بقوة، ما أشعل مخاوف مستوردي الطاقة، ومنح الجزائر وليبيا متنفسًا ماليًّا.

المنتج الأكبر بإفريقيا

تعد الجزائر أكبر منتج للغاز الطبيعي في إفريقيا وثاني أكبر منتج للسوائل النفطية، ولذلك فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز يمثل لها مكسبًا مباشرًا؛ لأن الدولة تعتمد بشكل كبير على إيرادات الهيدروكربونات لتمويل الإنفاق العام.

ويُظهر آخر تقرير سنوي مكتمل لشركة “سوناطراك” الجزائرية المملوكة للدولة، والصادر عن عام 2024، أن إنتاج المحروقات استقر عند 193.7 مليون طن مكافئ نفطي.

فيما بلغت صادرات النفط الخام 18.5 مليون طن، وصادرات المكثفات 2.7 مليون طن خلال العام نفسه، وهو ما يمنح الجزائر قاعدة تصديرية وازنة للاستفادة من صعود الأسعار بعد الحرب.

أما في الغاز الطبيعي، فقد بينت الشركة أن صادراته بلغت 34.3 مليار متر مكعب في 2024، فيما سجلت مبيعات الغاز في السوق المحلية 53.2 مليار متر مكعب، ما يوضح حجم الورقة الغازية الجزائرية وحدودها في الوقت نفسه. 

وعلى المستوى الأوروبي، استحوذت الجزائر في الربع الثالث من 2025 على 14.6 بالمئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز عبر الأنابيب، وعلى 7.7 بالمئة من وارداته من الغاز المسال، بحسب مكتب معلومات الطاقة الأميركي (EIA).

كما بقيت أكبر مورّد غاز إلى إيطاليا في 2024 بإجمالي 21.1 مليار متر مكعب، وفي فبراير/شباط 2026 كانت ثاني أكبر مورّد للغاز إلى إسبانيا بنحو 9151 غيغاواط/ساعة، أي قرابة 29 بالمئة من وارداتها في ذلك الشهر.

 وبعد الحرب، ساعد ارتفاع أسعار الغاز الأوروبي الجزائر على التفاوض بشأن تعديل صيغ التسعير لرفع حصتها من العوائد في العقود طويلة الأجل.

ومع ذلك، لا يمكن وصف الجزائر بأنها “رابح صاف”، فقدرتها على زيادة الكميات محدودة بسبب اتفاقيات أوبك+ التي تضع سقفًا للإنتاج، وبسبب نضج كثير من حقولها. 

ويظل الاقتصاد الجزائري معتمدًا على النفط والغاز بنسبة تزيد على 90 بالمئة من عائدات التصدير، ما يجعله شديد الحساسية للأسعار.

وقد لاحظ صندوق النقد الدولي خلال تقرير له في أغسطس/آب 2025 أن ارتفاع الأسعار دعم الانتعاش بعد جائحة كورونا، لكن تراجع العائدات الهيدروكربونية في 2024 مع زيادة الإنفاق، أدى إلى اتساع العجز المالي وتحول فائض الحساب الجاري إلى عجز، ما يضغط على القطاع المصرفي.

وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول 2025 توقعت الحكومة الجزائرية خفض عجز الموازنة إلى 40 مليار دولار، بما يعادل 12.4 بالمئة من الناتج المحلي، في موازنة 2026، بافتراض سعر 60 دولارًا للبرميل، فيما تستهدف نموًا اقتصاديًّا بنسبة 4.1 بالمئة.

ولهذا تسعى سوناطراك إلى فتح آفاق جديدة، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلنت الحكومة استثمار 60 مليار دولار بين 2025 و2029، يخصص 80 بالمئة منه للاستكشاف والإنتاج، والبقية للتكرير والبتروكيماويات.

كما وقّعت سوناطراك في الشهر نفسه عقدًا يمتد 30 عامًا بقيمة 5.4 مليارات دولار مع شركة “مِداد” السعودية للتنقيب والتطوير في حوض إليزي الجنوبي. لكن استفادة الجزائر من ارتفاع الأسعار تبدو في النهاية مؤقتة أكثر منها تحولًا هيكليًّا.

فأوروبا تسعى إلى تنويع مورّديها وتقليل الاعتماد على الغاز الأحفوري، ومع تعافي صادرات الطاقة الأميركية والنرويجية ونمو الطاقة المتجددة، قد يتراجع الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري في السنوات المقبلة.

احتياطيات وشراكات

أما ليبيا فتعتمد أساسًا على النفط الخام، فبحسب المؤسسة الوطنية للنفط، بلغ إنتاج البلاد نحو 1.4 مليون برميل يوميًّا نهاية عام 2024، ما يمنحها فرصة للاستفادة السريعة من أي ارتفاع في الأسعار.

ولهذا اتجهت السلطات الليبية إلى استثمار اللحظة، ففي فبراير 2026 أطلقت الحكومة أول جولة ترخيص منذ 2007 بهدف جذب الاستثمارات ورفع الطاقة الإنتاجية إلى مليوني برميل يوميًّا، وذلك عبر شراكات مع كبرى الشركات مثل شيفرون الأميركية وإيني الإيطالية وقطر للطاقة وريبسول الإسبانية.

كما وقعت شركة واحة النفط، المملوكة للدولة، في يناير/كانون الثاني 2026 اتفاقًا لمدة 25 عامًا مع توتال إنرجيز الفرنسية وكونوكو فيليبس الأميركية لرفع طاقة الحقول المشتركة إلى 850 ألف برميل يوميًّا، وتحقيق عوائد صافية تزيد على 376 مليار دولار. 

وفي مارس/آذار 2026 أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أنها رفعت إنتاج حقل المبروك (جنوب سرت) إلى ما بين 25 و30 ألف برميل يوميًّا، مبينة أنها تسعى للوصول إلى هدف 40 ألف برميل من حقلي “الجرف” (شمال غرب طرابلس) و"المبروك" بنهاية نفس الشهر.

وتنعكس هذه الزيادة على الإيرادات بسرعة، ففي أول تسعة أشهر من 2025 بلغت إيرادات النفط 79.4 مليار دينار ليبي (14.65 مليار دولار) وهو رقم كبير مقارنة بحجم الاقتصاد، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم التبعية، إذ قدّر البنك الدولي أن النفط يمثل أكثر من 95 بالمئة من الناتج الاقتصادي.

ورغم احتياطيات الغاز الكبيرة التي تصل إلى نحو 80 تريليون قدم مكعب، فإن ليبيا ما تزال تعتمد عمليًّا على النفط أكثر بكثير من الغاز، وفق وكالة رويترز البريطانية.

فالمؤسسة الوطنية للنفط تسعى إلى رفع إنتاج الغاز إلى ما يقارب مليار قدم مكعب قياسي يوميًّا والتوسع في الغاز الصخري، بهدف تلبية الطلب المحلي والتصدير عبر خط جرين ستريم إلى إيطاليا، إلا أن الصادرات الحالية تكاد تكون معدومة. 

لكن هذه الأرباح تظل عرضة للانحسار بسبب هشاشة سياسية وتشغيلية واضحة، إذ تعاني ليبيا من انقسام سياسي بين حكومتين متنافستين، ما يؤدي إلى إغلاق الحقول وخطوط التصدير بين الحين والآخر، كما حدث عدة مرات بين 2021 و2024. 

كما أن تقاسم عوائد النفط بين الأطراف السياسية أدى في فترات سابقة إلى إغلاق موانئ ومنشآت، وأبرز ذلك حصار الموانئ في 2020 وأزمات 2022 و2024.

ويضاف إلى ذلك أن الوصول إلى الطاقة الإنتاجية المستهدفة يحتاج إلى استثمارات ضخمة. فقد قالت المؤسسة الوطنية للنفط: إن البلاد تحتاج إلى 3 أو 4 مليارات دولار لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة البالغة 1.6 مليون برميل يوميًّا.

ولا تقف القيود عند هذا الحد، إذ تعتمد ليبيا أيضًا بشكل كبير على استيراد الوقود بسبب ضعف قدرة التكرير، حيث يتراوح متوسط وارداتها من المنتجات النفطية منذ 2024 عند نحو 186 ألف برميل يوميًّا. 

وقد تراجعت واردات الوقود الروسية إلى 5 آلاف برميل يوميًّا في 2026 مقابل 56 ألفًا في 2024 و2025، فيما أصبحت إيطاليا المورد الأكبر بنحو 59 ألف برميل يوميًّا.

وهذا الاعتماد على الوقود المستورد يعني أن جزءًا من ارتفاع الأسعار العالمية يتسرب إلى الداخل ويقلل صافي العائدات، وفق رويترز.

لذلك تبدو استفادة ليبيا من ارتفاع الأسعار سريعة، لكنها تبقى مؤقتة وهشة، حيث ترتفع مع كل موجة صعود في السوق، ثم تتراجع سريعًا مع أي إغلاق سياسي أو تعطل تشغيلي أو انخفاض في الأسعار العالمية.

وعلى خلاف الجزائر، لا تساعد قدرة ليبيا المحدودة على تصدير الغاز في تنويع الإيرادات، ما يجعلها أكثر ارتباطًا بالنفط الخام، وأكثر عرضة لتقلبات السوق والاضطرابات الداخلية.

ما رأي الخبراء؟

ويرى الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي البروفيسور مراد كواشي، أن النفط الجزائري يعد من أفضل الخامات على المستوى العربي والعالمي، وربما الأغلى عربيًّا، نظرًا إلى مميزاته العديدة. 

وأضاف لـ"الاستقلال" أن الأحداث الأخيرة نجم عنها ارتفاع أسعار الغاز داخل السوق الأوروبية بنحو 50 بالمئة تقريبًا، مقدرا أن كل هذه التطورات ربما تسير في صالح الجزائر، التي أضحت ثاني أكبر مورد للاتحاد الأوروبي من الغاز عبر الأنابيب، وثاني أكبر مصدر للغاز المسال في إفريقيا بعد نيجيريا.

وأضاف كواشي أن السلطات الجزائرية وضعت خطة ورصدت لها ميزانية تُقدَّر بـ50 مليار دولار خلال الفترة بين 2024 و2028، بهدف زيادة حجم الإنتاج والاكتشافات، إلى جانب دعم الانتقال الطاقوي عبر التحول نحو الطاقات المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر. 

وأشار إلى أن الجزائر تفخر في هذا السياق بما حققته سوناطراك، التي تتقلد المرتبة الاولى إفريقيا وال 12 عالميًّا، بفضل نجاحات طاقوية مهمة في النفط والغاز.

وتابع أن سوناطراك تمكنت كذلك من عقد شراكات مع كبريات شركات الطاقة العالمية، من بينها شيفرون وإكسون موبيل الأميركيتان، وإيني الإيطالية، ومِداد السعودية، وسينوبك الصينية. موضحًا أن هذه الشراكات كلها مكّنت الجزائر من تحقيق زيادة في حجم الإنتاج.

وفيما يتعلق بالموازنة الجزائرية، قال كواشي: إنها بُنيت على أساس سعر 60 دولارًا لبرميل النفط، في حين أن سعره الآن يتجاوز 100 دولار، ما يعني وجود فارق إيجابي بنحو 40 دولارًا، وهو ما قد يشكل رافعة تمويلية حقيقية للحكومة الجزائرية. 

وأضاف أن هذا الفارق يمكن أن يتيح تمويل صندوق ضبط الإيرادات الذي شهد تراجعًا حادًّا خلال الفترة الماضية، إلى جانب المساهمة في تقليص عجز الموازنة وتدعيم قيمة الدينار الجزائري الذي شهد تراجعًا خلال السنوات القليلة الماضية.

وختم كواشي بأن هذا التطور قد يشكل أيضًا دعمًا ماليا إضافيا للحكومة من أجل المضي قدمًا في مختلف المشاريع، سواء في البنية التحتية أو المشاريع الاقتصادية، بما يساعد على تحقيق التنويع الاقتصادي المنشود في الجزائر، والكسر التدريجي للارتباط بالمحروقات.

وبدورها، أكدت صحيفة “ليزيكو” الفرنسية الاقتصادية أن الجزائر وليبيا قد تستفيدان من هذا الارتفاع في أسعار الطاقة، لأن البلدين يصدّران كميات كبيرة من النفط والغاز إلى الأسواق الدولية.

وأشارت في 16 مارس 2026، إلى ارتفاع سعر الغاز الأوروبي المرجعي في السوق الهولندية (TTF) إلى نحو 50 يورو لكل ميغاواط ساعة، مقارنة بحوالي 30 يورو قبل اندلاع الصراع.

ولفتت إلى أن الاتحاد الأوروبي يُعدّ الوجهة الرئيسة للغاز الجزائري الذي يصل عبر الغاز الطبيعي المسال أو من خلال ثلاثة خطوط أنابيب.

ونقلت عن الباحثة في الاقتصاد السياسي للطاقة، نسيما أوحاب العثامنة، قولها: إن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية قد يكون بمثابة فرصة مؤقتة للجزائر وليبيا، لكنها تؤكد أن الحكم على حجم المكاسب يعتمد على مدة الحرب واتجاه الأسعار في المستقبل.

وتضيف “ليزيكو” أن هذا السيناريو يشبه ما حدث عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حين بلغ متوسط سعر برنت نحو 101 دولار، وارتفع سعر الغاز الأوروبي إلى 133 يورو لكل ميغاواط ساعة.

وبفضل ذلك الارتفاع، قفزت إيرادات الجزائر من النفط والغاز بنحو 75 بالمئة لتصل إلى حوالي 60 مليار دولار في ذلك العام، رغم انخفاض طفيف في كميات الصادرات.

لكن الصحيفة الاقتصادية أشارت أيضاً إلى أن هذه المكاسب ليست بلا آثار سلبية؛ إذ أدت حينها إلى ارتفاع التضخم إلى نحو 9 بالمئة نتيجة زيادة أسعار السلع المستوردة، خصوصاً المواد الغذائية، كما أن الاعتماد على العائدات النفطية قد يؤخر مشاريع تنويع الاقتصاد.

مع ذلك، تستبعد “ليزيكو" أن ترتفع كميات الصادرات بشكل كبير؛ لأن إنتاج الجزائر من النفط والغاز يشهد تراجعاً تدريجياً، في حين يزداد الطلب المحلي مع نمو عدد السكان الذي يبلغ نحو 47 مليون نسمة. 

أما في ليبيا، فإن ارتفاع الأسعار عام 2022 لم ينعكس بوضوح على الإيرادات الرسمية التي بقيت عند حدود 22 مليار دولار، وذلك بسبب تراجع الإنتاج إلى النصف تقريباً نتيجة إغلاق عدد من الحقول والموانئ النفطية خلال صراع سياسي بين أطراف ليبية متنافسة، تقول الصحيفة الفرنسية.