جزيرة خرج الإستراتيجية.. ما الذي يحمي "شريان النفط" الإيراني من هجمات أميركا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

صعدت الولايات المتحدة عدوانها على إيران مستهدفة المنشآت العسكرية بجزيرة "خرج" الإيرانية الإستراتيجية.

بدورهم، أكد عدد من المسؤولين الأميركيين بأن "القصف ركز على أهداف عسكرية ولم يشمل مواقع مرتبطة بتجارة النفط"، وهو ما أكدته أيضا وكالة أنباء فارس الإيرانية التي ذكرت أن "البنى التحتية النفطية في جزيرة خرج التي تضم منشآت نفطية إيرانية إستراتيجية في الخليج، لم تُصب بأي أذى".

وردا على تهديدات ترامب باستهداف المنشآت النفطية في الجزيرة، هدد الحرس الثوري الإيراني بردّ مباشر ضد دول الخليج، كما هدد تحويل منشآت النفط والطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة إلى "رماد".

ووفق وصف صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، فإن هذه الجزيرة تعد "نقطة ضعف إستراتيجية بالنسبة لطهران؛ إذ إن تدميرها سيُلحق ضررا بالغا بالاقتصاد الإيراني".

ففي هذه الجزيرة الصغيرة الواقعة في الخليج العربي، يوجد أحد أكبر موانئ تصدير النفط الإيراني؛ حيث يمر عبره نحو 90 بالمئة من النفط الذي تصدره إيران إلى العالم، ومعظمه يتجه إلى الصين.

ومع ذلك، تجنبت واشنطن في ضربتها على الجزيرة، استهداف منشآت النفط في الجزيرة الإستراتيجية، وهو ما يطرح تساؤلا حول سبب بقاء هذه المنشآت بمنأى عن المخاطر حتى اللحظة، وعما إذا كان يرتبط ذلك بزيارة ترامب المرتقبة إلى بكين، أو باقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي بالكونجرس.

نقطة ضعف 

واستهلت الصحيفة تقريرها قائلة: "منذ الهجوم الإيراني في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وردت تقارير تفيد بأن جزيرة خرج أصبحت هدفا محتملا للهجمات".

ومع ذلك، لم تتعرض الجزيرة لأي ضربات في الهجوم الإسرائيلي المضاد آنذاك، كما لم تُقصف خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/ حزيران 2025. 

وتابعت: “وبعد أن شن سلاح الجو الإسرائيلي للمرة الأولى خلال هذه الحرب هجمات على منشآت نفطية إيرانية، استهدفت مخازن للنفط وليس مصافي التكرير أو المنشآت الصناعية الأخرى التي قد يؤدي ضربها إلى أضرار أشد بكثير، عاد السؤال ليتصدر النقاش: هل قد تصبح المنشآت النفطية في الجزيرة هدفا في نهاية المطاف، لا سيما إذا دخلت الحرب مرحلة جديدة من التصعيد؟”

تقع الجزيرة على مساحة صغيرة لا تتجاوز ستة كيلومترات مربعة، وتبعد نحو 25 كيلومترا فقط غرب السواحل الإيرانية في الخليج العربي، قبالة محافظة بوشهر.

وبحسب الصحيفة، "اكتسبت أهميتها الإستراتيجية خلال الطفرة النفطية التي شهدتها إيران في ستينيات القرن العشرين، حين تحولت -بعد اكتشاف عدد كبير من حقول النفط في الخليج وجنوب إيران- إلى محطة ضخمة لتصدير النفط الخام، وكانت في ذلك الوقت الأكبر من نوعها في العالم".

"واليوم تصدر هذه الجزيرة نحو 90 بالمئة من إجمالي صادرات النفط الإيرانية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن إيران قادرة من خلال هذه المنشأة على تصدير ما يصل إلى سبعة ملايين برميل من النفط يوميا، رغم أنها تعلن رسميا أرقاما أقل من ذلك". وفق الصحيفة.

وذكرت أنه "بسبب هذه الأهمية الإستراتيجية للاقتصاد الإيراني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط، تُعد جزيرة خرج نقطة ضعف حيوية".

مضيفة أنها "تعرضت بالفعل لهجمات متكررة من العراق خلال الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، ما أدى إلى أضرار كبيرة في بنيتها التحتية، رغم أن إيران تمكنت آنذاك من مواصلة تصدير النفط".

وفي ردها على الهجوم الإيراني في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أفادت تقارير عديدة بأن إسرائيل "درست خيار استهداف الجزيرة حتى في أكتوبر/ تشرين الأول 2024".

وأشارت الصحيفة إلى أنه "في ذلك الوقت أفادت تقارير بأن إيران اتخذت إجراءات احترازية، من بينها إبعاد ناقلات النفط التي ترسو عادة في الجزيرة، وهو إجراء قيل إنها لجأت إليه أيضا قبيل اندلاع الحرب الحالية".

وأردفت: "وبالفعل اختفت معظم ناقلات النفط التي كانت ترسو هناك، لكن وكالة "بلومبيرغ" أفادت في الرابع من مارس/ آذار بأنه حتى بعد بدء الهجمات الإسرائيلية والأميركية في نهاية فبراير/ شباط، ظلت بعض الناقلات في الجزيرة محملة بالنفط الخام".

وأضافت الشبكة أن إيران، رغم إعلانها إغلاق مضيق هرمز -الذي يتعين على أي ناقلة نفط مغادرة الخليج المرور عبره- قد تواصل تصدير النفط من خلال ناقلات تعمل بسرية؛ إذ غالبا ما تقوم هذه السفن بإطفاء أجهزة تتبع مواقعها لتجنب الرصد.

في هذا السياق، ذكرت الصحيفة أن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد دعا صراحة إلى مهاجمة الجزيرة، وكتب على منصة "إكس" أن "على إسرائيل تدمير جميع حقول النفط وصناعة الطاقة الإيرانية في جزيرة خرج، فهذا وحده كفيل بتحطيم الاقتصاد الإيراني وإسقاط النظام". 

وأضاف أن "الحرب يجب أن تنتهي بسقوط النظام في إيران، وتدمير منشآتها النووية، والقضاء على صناعة الصواريخ الباليستية بالكامل، إضافة إلى القضاء على حزب الله في لبنان".

وعقبت "يديعوت أحرونوت" قائلة: "رغم أن هذا الطلب لم يُنفذ، فإن سلاح الجو الإسرائيلي شنّ بالفعل هجمات للمرة الأولى على مخازن نفط كبيرة في طهران، وكذلك في منطقة البرز شمالي إيران، وقال الجيش الإسرائيلي: إن هذه المنشآت كانت تُستخدم لدعم قوات النظام الإيراني".

وأردفت: "بحسب التقديرات، تُعد هذه الهجمات الأولى التي تستهدف منشآت طاقة إيرانية في الحرب الحالية".

"في المقابل، حاولت إيران الضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب عبر إغلاق مضيق هرمز وشن هجمات واسعة على دول الخليج، وقد استهدفت بالفعل عددا من منشآت الطاقة في تلك الدول". تقول الصحيفة.

وتتابع: "ومع ذلك، يبدو أن الهجمات على قطاع الطاقة بقيت حتى الآن محدودة نسبيا".

من جهتها، أكدت القوات المسلحة الإيرانية أن "أي ضربة تستهدف البنية التحتية للنفط والطاقة في البلاد ستواجه برد مباشر على المنشآت المملوكة لشركات النفط (المتعاونة) مع الولايات المتحدة في المنطقة".

كما هدد الحرس الثوري، في الثالث عشر من مارس/ آذار 2026، بتحويل منشآت النفط والطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى "رماد"، ردا على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهاجمة البنية التحتية النفطية في جزيرة خرج.

كما حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من التخلي عن أي قيود إذا تعرضت الجزر الإيرانية لأي هجوم.

مؤكدا في تدوينة على منصة "إكس" أن أي اعتداء على أراضي الجزر الإيرانية سيؤدي إلى "جريان مياه الخليج بدماء الغزاة"، وأن طهران "ستتخلى عن كل ضبط للنفس" في حال تعرض أي من جزرها في الخليج لهجوم.

بدوره، قال الحرس الثوري: إن "الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفتا البنية التحتية للوقود والطاقة ومراكز الخدمات العامة".

مشيرا إلى أن "القوات الإيرانية امتنعت حتى الآن عن تنفيذ خطوات مماثلة مراعاة لمصالح شعوب المنطقة، رغم امتلاكها معلومات استخباراتية وقدرات هجومية تمكنها من تحديد جميع منشآت الوقود والطاقة والخدمات".

وأضاف بيان الحرس الثوري أنه يتوقع من الحكومات الإسلامية أن تحذر الولايات المتحدة وإسرائيل سريعا من الإقدام على مثل هذه الأفعال، وإلا فإن "نيران الحرب ستتسع أكثر وقد تُتخذ خطوات مماثلة في أنحاء المنطقة".

قفزة إضافية

وإلى جانب تهديد إيران بالانتقام من منشآت النفط، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار الخام عالميا، يرى محللون أن استهداف جزيرة خرج تحديدا سيؤدي إلى قفزة إضافية في أسعار النفط.

فقد قدّر "المعهد الأميركي للدراسات الإستراتيجية والدولية" (CSIS) أن أي هجوم على الجزيرة أو فرض حصار عليها قد يرفع الأسعار بنحو 10 دولارات للبرميل. 

وأوضح المعهد أن تعطيل الجزيرة ممكن بعدة طرق، منها شل أو تدمير معدات تحميل النفط على السفن -مثل الأنابيب والمضخات والمرافق المرتبطة بها- أو استهداف خزانات تخزين النفط، أو تعطيل تدفق النفط إلى الجزيرة عبر الأنابيب البحرية".

وبحسب الصحيفة، "ففي مثل هذا السيناريو، قد يتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل".

وتابعت: "بالفعل، ارتفع سعر خام برنت إلى أكثر من 100 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2023".

وترى الصحيفة أنه "من الأسباب المحتملة لامتناع إسرائيل عن ضرب الجزيرة حاليا أن خطوة بهذا الحجم تحتاج إلى ضوء أخضر من واشنطن".

وأضافت: "الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي واجه انتقادات داخلية بسبب قراره خوض الحرب، يدرك أن ارتفاع أسعار النفط يضر بموقفه السياسي مع اقتراب انتخابات الكونجرس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026".

"لذلك، تشير تقارير إلى أنه يبحث عن وسائل لتخفيف الارتفاع في الأسعار، ما يجعل استهداف المنشآت النفطية في الجزيرة غير متوافق مع مصالحه". وفقا للصحيفة.

في هذا السياق، أفاد موقع "أكسيوس" الأميركي بأن الإدارة الأميركية تناقش خيارا آخر وهو السيطرة على الجزيرة ومنشآتها النفطية، إلى جانب دراسة إرسال قوات خاصة لشن عمليات كوماندوز تستهدف مخازن اليورانيوم المخصب في إيران. 

وعندما سُئل ترامب في مقابلة مع شبكة ABC عن احتمال تنفيذ مثل هذه العمليات، أجاب: "كل شيء مطروح على الطاولة، كل شيء".

تاريخ معقد

ورغم هذه النقاشات، لفتت الصحيفة إلى أن ترامب "يتجنب حتى الآن التصريح علنا برغبته في السيطرة على النفط الإيراني، وهو ما أثار دهشة بعض المراقبين، خاصة في ظل تصريحات سابقة له عن نية السيطرة على صناعة النفط الفنزويلية بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو".

وتطرقت "يديعوت أحرونوت" إلى  العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في ملف النفط، مشيرة إلى أنها "تحمل تاريخا معقدا، ففي عام 1953 قادت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) انقلابا ضد حكومة محمد مصدق بعد أن أممت صناعة النفط، وأعاد الانقلاب الشاه إلى الحكم، ما ضمن السيطرة الغربية على النفط الإيراني لكنه غذّى مشاعر العداء للغرب، وأسهم لاحقا في اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979".

في هذا السياق، أشارت مجلة "أتلانتيك" الأميركية إلى أن هذا الإرث التاريخي ربما يفسر حذر ترامب من إطلاق تصريحات مشابهة؛ إذ نصحه مستشاروه بالتركيز علنا على الأهداف العسكرية لا النفطية.

وعقّب دلغا كاتينوغلو، خبير الطاقة الإيراني الذي يعمل مع قناة "إيران إنترناشونال" الناطقة بالفارسية من لندن والتابعة لمعارضي النظام، لصحيفة "نيويورك تايمز": "لا شك أن الهجمات على البنية التحتية للطاقة ستدفع إيران إلى أزمة خطيرة".

وتابعت الصحيفة العبرية: "ورغم العقوبات الأميركية، بلغت عائدات صادرات الطاقة الإيرانية عام 2024 نحو 78 مليار دولار، معظمها من النفط الذي تشتريه الصين، الخصم الإستراتيجي لواشنطن".

واستدركت: "لكن ترامب الذي يستعد لزيارة بكين في الحادي والثلاثين من مارس/ آذار 2026 -في أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ 2017- قد لا يرغب حاليا في مواجهة مباشرة مع الصين عبر ضرب قطاع النفط الإيراني".

وبحسب كاتينوغلو، هناك سبب إضافي لعدم استهداف جزيرة خرج حتى الآن؛ إذ إن "إصلاح الأضرار الناجمة عن ضربة كبيرة لقطاع الطاقة الإيراني قد يستغرق سنوات طويلة، ما سيعقّد مهمة أي حكومة مستقبلية في طهران إذا انهار النظام الحالي".

وقال: "حتى لو سقط النظام، فإن أي حكومة جديدة لن تتمكن من الحفاظ على الاستقرار أو تلبية احتياجات الشعب الأساسية إذا كانت البنية التحتية للطاقة مدمرة".

مضيفا: "وبكلمات أخرى، تدمير منشآت النفط والغاز سيغلق فعليا الطريق أمام انتقال ديمقراطي؛ لأن أي سلطة جديدة ستنشغل فقط بمحاولة إبقاء الدولة على قيد الحياة".