استبعاد الأزهر وحضور أوروبي.. لماذا يثير قانون الأحوال الشخصية جدلا في مصر؟

داود علي | منذ ١٥ ساعة

12

طباعة

مشاركة

لم يعد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر مجرد تعديل تشريعي ينظم قضايا الزواج والطلاق والحضانة، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك واسعة تمس واحدة من أكثر الملفات حساسية في المجتمع المصري، الأسرة والمرجعية الدينية وهوية التشريع.

فمع انتقال المشروع إلى أروقة البرلمان، خرج الجدل من الإطار القانوني الضيق إلى مواجهة مفتوحة بين رؤى متباينة حول شكل الأسرة المصرية وحدود تدخل الدولة ودور المؤسسات الدينية في صياغة القوانين ذات الصلة بالشريعة.

وتصاعدت حدة الجدل بصورة غير مسبوقة بعدما أعلن الأزهر الشريف، في 18 مايو/أيار 2026، عدم مشاركته في إعداد الصيغة المتداولة للمشروع وعدم عرضه عليه، رغم الارتباط المباشر للقانون بأحكام الأسرة في الفقه الإسلامي، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن المرجعية التي استندت إليها الصياغة الجديدة.

ويأتي ذلك في وقت كانت الحكومة قد أحالت المشروع بالفعل إلى مجلس النواب، بالتوازي مع تنامي حضور منظمات وهيئات مرتبطة بملفات المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة داخل النقاشات والندوات ذات الصلة بالقانون.

وبين رواية رسمية تتحدث عن تحديث التشريعات وحماية الأسرة وتقليل النزاعات، وتحذيرات ترى في المشروع مدخلاً لإعادة تشكيل البنية الأسرية والاجتماعية، تتجاوز المعركة حدود النصوص القانونية لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والدين وطبيعة المجتمع المصري ومستقبل العلاقة بين الدولة والمؤسسات المرجعية.

تشكيل الأسرة

تحاول السلطة في مصر، بقيادة رئيس النظام الانقلابي عبد الفتاح السيسي، تقديم مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد بصفته أوسع عملية تحديث لمنظومة قوانين الأسرة منذ عقود. فالمشروع الذي يضم نحو 355 مادة وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية عن مجلس الوزراء، يسعى إلى دمج تشريعات متفرقة يعود بعضها إلى عشرينيات القرن الماضي ضمن إطار قانوني موحد.

وخلال اجتماعات رسمية عقدت عام 2026، أكد رئيس حكومة السيسي مصطفى مدبولي أن الحكومة “منفتحة بالكامل على أي تعديلات قد يطرحها البرلمان”. مشدداً على أن المشروع لا يزال محل نقاش بتقدير أن القانون "يمس كل الأسر المصرية".

من جانبه، قال وزير العدل في النظام الانقلابي محمود حلمي الشريف: إن المشروع يستهدف "تبسيط الإجراءات، والحد من النزاعات الأسرية، وتعزيز آليات التسوية الودية".

لكن الجدل لم يتركز حول الجوانب الإجرائية فقط؛ إذ يرى منتقدون أن المشروع يتجاوز تنظيم ملفات الزواج والطلاق والنفقة، إلى إعادة صياغة العلاقات داخل الأسرة عبر حزمة واسعة من المواد المتعلقة بالحضانة والرؤية والاستضافة والنفقة وفسخ الزواج.

ومن أكثر البنود إثارة للنقاش منح الزوجة حق طلب فسخ عقد الزواج خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر إذا ثبت وقوع "خداع" أو "تدليس" من جانب الزوج، شريطة عدم وجود حمل أو إنجاب.

كما يمنح المشروع الأب المرتبة الثانية مباشرة في ترتيب الحضانة بعد الأم، ويطرح نظام "الاستضافة" الذي يتيح للطرف غير الحاضن اصطحاب الطفل وربما مبيته لديه وفق ضوابط محددة.

ويتضمن المشروع أيضاً تعديلات على تنظيم الطلاق، من بينها إلزام الزوج بتوثيق الطلاق خلال 15 يوماً، مع تقليص الآثار القانونية للطلاق الشفهي إذا لم يتم توثيقه رسمياً، إضافة إلى استحداث ملحق بعقد الزواج يسمح للطرفين بإدراج شروط خاصة تتعلق بالعمل أو السكن أو الدراسة.

وأثارت هذه البنود مخاوف لدى عدد من القانونيين الذين رأوا أن المشروع قد يدفع نحو تحويل العلاقة الأسرية من إطارها التقليدي إلى صيغة تعاقدية أكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، قال المحامي بالنقض عمرو عبد السلام، في تصريحات لموقع "مصراوي": إن بعض المواد، لا سيما المتعلقة بإمكانية فسخ الزواج خلال الأشهر الستة الأولى، قد تفتح الباب أمام ما وصفه بـ"زواج التجربة". محذراً من أن الصياغات العامة أو غير المحددة قد تنتج نزاعات جديدة بدلاً من الحد منها.

كما انتقد بعض المواد المرتبطة بتعدد الزوجات، مقدرا أن القيود أو الاشتراطات الواردة فيها قد تدفع بعض الحالات نحو الزواج العرفي، بما قد يفضي إلى إشكالات اجتماعية وقانونية أكثر تعقيداً.

بهذه الصورة، لم يعد الجدل مقتصراً على مواد قانونية منفصلة، بل اتسع ليشمل سؤالاً أعمق يتعلق بما إذا كان المشروع يستهدف تحديث منظومة الأحوال الشخصية أم إعادة تعريف شكل الأسرة المصرية وحدود العلاقة بين أطرافها.

تحجيم الأزهر

لم يتوقف الجدل حول مشروع قانون الأحوال الشخصية عند حدود المواد المنظمة للزواج والطلاق والحضانة، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمرجعية صياغة قوانين الأسرة في مصر، وحدود دور المؤسسات الدينية في التشريعات المرتبطة بالأحوال الشخصية.

وفي هذا السياق، أصدر المركز الإعلامي للأزهر الشريف بياناً أكد فيه أن المؤسسة "لم تشارك في صياغة مشروع القانون بأي شكل من الأشكال"، وأن المشروع بصيغته المتداولة لم يُعرض عليها حتى الآن.

وأشار البيان إلى أن الأزهر سبق أن أعد مشروعا متكاملاً للأحوال الشخصية في أبريل/نيسان 2019 من خلال لجنة تابعة لهيئة كبار العلماء، موضحاً أنه لا يعلم مدى توافق هذا المشروع مع الصيغة الحكومية الحالية.

واكتسب موقف الأزهر أهمية خاصة لصدوره في وقت كانت الحكومة قد أحالت فيه المشروع بالفعل إلى مجلس النواب، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التنسيق بين السلطة التنفيذية والمؤسسة الدينية في ملف يرتبط مباشرة بأحكام الأسرة والشريعة الإسلامية.

وفي تصريحات لموقع "المجلة"، قال أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أحمد كريمة: إن الأزهر هو "الجهة المنوط بها النظر في القضايا المرتبطة بالأحوال الشخصية للمسلمين". مستنداً إلى المادة السابعة من الدستور المصري التي تنص على أن الأزهر هو المرجع الأساسي في الشؤون الإسلامية.

ورأى كريمة أن عدم إشراك الأزهر خلال مرحلة الإعداد يثير إشكاليات دستورية وشرعية، لكون الأحوال الشخصية تتصل بقضايا الزواج والطلاق والمواريث والوصايا، وهي ملفات ذات ارتباط مباشر بالفقه الإسلامي.

في المقابل، قال رئيس لجنة إعداد مشروع القانون المستشار عبد الرحمن محمد، في تصريحات إعلامية: إن اللجنة ليست ملزمة بأخذ رأي الأزهر خلال مرحلة الصياغة الأولية، وإنما بعد اكتمال المشروع وإحالته رسمياً إلى البرلمان.

وأوضح أن اللجنة استعانت، أثناء إعداد المشروع، بعدد من العلماء والمتخصصين "بصورة ودية"، في إطار المشاورات غير الرسمية.

ويكشف هذا التباين بين موقف الأزهر واللجنة الحكومية أن الجدل لم يعد مقتصراً على تفاصيل المواد القانونية، بل اتسع ليشمل طبيعة المرجعية التي يقوم عليها المشروع؛ هل يمثل اجتهاداً تشريعياً يستند إلى المرجعية الفقهية التقليدية، أم مقاربة قانونية أوسع تسعى لإعادة تنظيم قضايا الأسرة وفق رؤية تشريعية جديدة؟

حضور أوروبي وجدل حول المرجعيات

بالتوازي مع الجدل الديني والقانوني المرتبط بمشروع قانون الأحوال الشخصية، برز مسار آخر أثار نقاشاً إضافياً، يتعلق بحضور مؤسسات أوروبية في بعض الفعاليات والنقاشات المتصلة بملفات الأسرة وحقوق المرأة.

ففي مايو/أيار 2026، نظم المجلس القومي لحقوق الإنسان حلقات نقاشية تناولت مشروع قانون الأحوال الشخصية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، تحت عناوين من بينها "تحقيق العدالة الأسرية" و"دعم الروابط الأسرية".

كما شهدت السنوات الماضية تنفيذ برامج وشراكات مشتركة بين مؤسسات مصرية وجهات أوروبية في ملفات تتعلق بتمكين المرأة، والمساواة بين الجنسين، والحوكمة الاجتماعية، ضمن أطر تعاون تنموية وحقوقية معلنة.

وتقدم الجهات الرسمية هذه البرامج بصفتها مسارات للدعم الفني وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات المؤسسية، إلا أن تزامن بعض هذه الأنشطة مع النقاشات الخاصة بقانون الأحوال الشخصية دفع أطرافاً سياسية ومجتمعية إلى إثارة تساؤلات حول حدود هذا الحضور وطبيعته.

ويشير تتبع برامج التعاون المصري ـ الأوروبي إلى وجود منح ومشروعات مخصصة لقضايا الإصلاح الاجتماعي، وتمكين المرأة، وتطوير السياسات العامة المرتبطة بالأسرة، إلى جانب مبادرات تنفذها منظمات مجتمع مدني تعمل في ملفات العدالة الأسرية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والمساواة القانونية.

ويرى منتقدون للمشروع أن هذه الشراكات تثير مخاوف من انتقال بعض المقاربات الحقوقية الدولية إلى المجال التشريعي المحلي، خصوصاً في الملفات المرتبطة ببنية الأسرة والعلاقات الاجتماعية.

وتعززت هذه المخاوف، وفق أصحاب هذا الرأي، بعد مشاركة المجلس القومي لحقوق الإنسان مع الاتحاد الأوروبي في فعاليات تناولت اتفاقيات وبروتوكولات دولية خلال عام 2025، بالتزامن مع استمرار العمل على إعداد مشروع القانون.

في المقابل، لا توجد مؤشرات معلنة تربط بشكل مباشر بين برامج التعاون الأوروبية وصياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية، كما تؤكد الجهات الرسمية أن التشريعات تخضع للمسار الدستوري والمؤسساتي داخل الدولة.

ومع ذلك، يبقى الجدل قائماً بين من يرى هذه الشراكات جزءاً من التعاون الدولي المعتاد في الملفات الحقوقية والاجتماعية، وبين من يعتبر أن النقاش تجاوز الإطار القانوني إلى معركة أوسع حول المرجعية الثقافية والدينية التي يجب أن تحكم قضايا الأسرة في مصر.

سيداو والضغط الغربي

وسط الجدل المتصاعد حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، عاد اسم اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" إلى واجهة النقاش مجدداً، بصفتها من أكثر الاتفاقيات الدولية التي أثارت نقاشاً ممتداً داخل مصر وعدد من الدول العربية منذ عقود.

فمصر انضمت إلى الاتفاقية عام 1981 مع إبداء تحفظات على عدد من موادها، لا سيما المادة 16 المتعلقة بالعلاقات الأسرية والزواج والولاية، وهي ملفات ترتبط، وفق مؤسسات دينية وشرائح محافظة، بأحكام الشريعة الإسلامية وتنظيم الأسرة.

وتنص المادة المذكورة على المساواة بين الرجل والمرأة في عدد من الجوانب المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، وهو ما جعلها محل جدل طويل بين التيارات الحقوقية من جهة، والاتجاهات المحافظة والدينية من جهة أخرى.

ورغم تأكيد الحكومات المصرية المتعاقبة تمسكها بالتحفظات المعلنة على بعض بنود الاتفاقية، يرى منتقدون لمشروع القانون أن بعض النقاشات المصاحبة له تتقاطع مع رؤى حقوقية طُرحت سابقاً في إطار الجدل المرتبط بـ"سيداو"، خاصة في القضايا المتعلقة بإعادة تنظيم الأدوار داخل الأسرة، والحضانة، والعلاقات القانونية بين الزوجين.

في المقابل، لا توجد تصريحات رسمية تفيد بأن مشروع القانون يستند إلى الاتفاقية أو يعتمدها مرجعية مباشرة في صياغته، كما تؤكد الجهات الحكومية أن المشروع يندرج ضمن مسار إصلاح تشريعي داخلي يستهدف تحديث قوانين الأسرة.

وفي هذا السياق، قال عضو مجلس النواب فريدي البياضي، في تصريحات لـ"سي إن إن": إن إعلان الأزهر عدم اطلاعه على مشروع القانون "يثير تساؤلات"، لا سيما أن المشروع يتناول ملفات شهدت تاريخياً تباينات فقهية وقانونية، مثل الطلاق الشفهي، والحضانة، وتعدد الزوجات.

وأشار إلى أن غياب رأي الأزهر في مرحلة مبكرة من النقاش قد يفتح الباب أمام سجالات أوسع داخل البرلمان والرأي العام بشأن المواد الأكثر حساسية.

وبينما ترى تيارات حقوقية أن تحديث قوانين الأسرة ضرورة اجتماعية وقانونية تفرضها التحولات المتسارعة داخل المجتمع، تنظر أطراف أخرى إلى النقاش من زاوية مختلفة، مقدرة أن القضية تتجاوز تعديل المواد القانونية إلى سؤال أعمق يتعلق بالمرجعية الفكرية والثقافية التي ينبغي أن تحكم التشريعات المرتبطة بالأسرة والهوية المجتمعية في مصر.

تفكيك الأسرة

وفي خضم الجدل المتصاعد حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، يذهب بعض الأكاديميين والباحثين إلى أن الخلاف يتجاوز حدود المواد القانونية إلى ما يعدونه نقاشاً أوسع يتعلق بشكل الأسرة والمرجعية الثقافية والدينية التي تحكمها.

وفي هذا السياق، قال الأستاذ السابق بجامعة الأزهر محمد أبو زيد، في حديث لـ"الاستقلال": إن الجدل الدائر حول مشروع القانون "لا يقتصر على مسائل الحضانة أو الطلاق أو النفقة، بل يرتبط، من وجهة نظره، بسياق فكري وتاريخي أوسع يعود إلى التحولات التي شهدها المجتمع المصري منذ أواخر القرن التاسع عشر مع انفتاحه على النماذج الأوروبية الحديثة".

وأضاف أن قضايا مثل العلاقة داخل الأسرة، وموقع المرجعية الدينية في المجتمع، شهدت على مدار عقود نقاشات فكرية واسعة، شارك فيها علماء ومفكرون من اتجاهات مختلفة، من بينهم شخصيات بارزة في المؤسسة الأزهرية مثل الشيخ سليم البشري، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق.

ورأى أبو زيد أن الجدل الراهن يختلف عن المراحل السابقة، بتقدير أن النقاشات الحالية ـ وفق تقديره ـ باتت مرتبطة أيضاً بخطابات حقوقية واتفاقيات دولية ومنظومات تمويل وبرامج اجتماعية تتناول قضايا الأسرة والأدوار الاجتماعية.

ورأى أن بعض البنود المطروحة، مثل توسيع الطابع التعاقدي للعلاقة الزوجية أو إعادة تنظيم عدد من الصلاحيات والحقوق داخل الأسرة، قد تثير مخاوف لدى شرائح مجتمعية ترى فيها تحولاً عن النموذج الأسري التقليدي.

وأضاف أن "القضية، من وجهة نظره، لا تتعلق فقط بإجراءات قانونية، بل تمتد إلى تصورات أوسع حول الدين والأسرة والمرجعية الاجتماعية".

كما دعا إلى دور أكبر للمؤسسات الدينية والعلمية في النقاش المجتمعي حول مشروع القانون، مقدرا أن ملف الأحوال الشخصية يحتاج إلى "حوار واسع يضمن التوازن بين التطوير التشريعي والحفاظ على الخصوصية الدينية والاجتماعية".

وختم بالقول إن الحفاظ على تماسك الأسرة يمثل، في نظره، قضية مركزية تتجاوز الخلافات القانونية؛ لأن استقرار البنية الأسرية ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والثقافي للمجتمع ككل.

بهذا المعنى، تبدو معركة قانون الأحوال الشخصية في مصر أبعد من كونها سجالاً حول مواد تتعلق بالطلاق أو الحضانة؛ إذ تحولت إلى نقاش أوسع حول حدود التحديث، ودور المرجعيات الدينية، وطبيعة الأسرة التي يريدها المجتمع المصري في المستقبل.