الاستثمار مقابل الردع.. لماذا تختلف الإمارات وإسرائيل بشأن سوريا؟

"رغم أن البلدين ما زالا يحتفظان بشراكة واسعة في ملفات إقليمية، إلّا أنّ اتساع التباين في سوريا قد يفرض تحديات على هذه الشراكة"
ثمة تحولات أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، وأدّت إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي المحيط بسوريا، ودفعت القوى الإقليمية والدولية إلى مراجعة سياساتها تجاه دمشق بما يتلاءم مع الواقع الجديد.
وفي السياق، يقول مركز "أورسام" التركي للدراسات في مقال للكاتب التركي "رجب تيكي": إنه في الوقت الذي اتجهت فيه بعض الدول إلى الانخراط في المرحلة الانتقالية، انطلاقاً من رغبتها في الاستفادة من فرص إعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي، فضلت دول أخرى الاستمرار في مقاربة الملف السوري من منظور أمني.
والذي بدوره يركّز على احتواء المخاطر، ومنع تشكل موازين قوى جديدة قد تؤثر في مصالحها الإستراتيجية.
وقد برزت تباينات متزايدة بين الإمارات وإسرائيل، رغم الشراكة الإستراتيجية التي تجمعهما منذ سنوات، لتتحول الساحة السورية إلى أحد أهم الملفات التي تكشف حدود هذا التقارب، وتختبر قدرته على الصمود أمام تضارب المصالح.
ففي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل تكثيف عملياتها العسكرية في جنوب سوريا، بهدف إضعاف السلطة الجديدة ومنعها من ترسيخ نفوذها، تتجه الإمارات إلى تعميق علاقاتها السياسية والاقتصادية مع دمشق، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار سوريا وإعادة دمجها في محيطها الإقليمي والدولي يحققان مصالح إستراتيجية طويلة الأمد.
بذلك فإنّ هذا التباين يعكس اختلافاً جوهرياً في رؤية الطرفين لمستقبل سوريا ولدورها في التوازنات الإقليمية المقبلة.

حذر وانخراط
وذكر الكاتب أنّ الإمارات لم تكن من أوائل الدول التي سارعت إلى الانفتاح على السلطة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد؛ إذ اتسم موقفها في البداية بالحذر، مدفوعاً بتقديرات أيديولوجية تتعلق بطبيعة القوى التي وصلت إلى الحكم، لا سيما مع تصدر هيئة تحرير الشام للمشهد السياسي.
فقد اعتادت أبوظبي خلال السنوات الماضية اتخاذ موقف متحفظ تجاه الحركات الإسلامية، وهو ما جعلها تتعامل بحذر مع التغيير الذي شهدته دمشق.
إلا أن هذا الحذر لم يصل إلى حد القطيعة؛ إذ حافظت الإمارات على قنوات التواصل مع القيادة السورية الجديدة، واعتمدت سياسة تقوم على الانخراط التدريجي، بشكلٍ يسمح لها بمتابعة تطورات المرحلة الانتقالية، وتقييم مدى قدرة السلطة الجديدة على تثبيت حكمها، ورصد مواقف القوى الإقليمية والدولية تجاهها.
مع مرور الوقت، بدأت مجموعة من المتغيرات تدفع أبوظبي إلى إعادة تقييم سياستها. فقد نجحت الحكومة السورية الجديدة في تعزيز حضورها الداخلي، واستعادت تدريجياً قدراً أكبر من الشرعية السياسية داخلياً وخارجياً، وهذا هو ما جعل الاستمرار في الابتعاد عن دمشق خياراً أكثر كلفة بالنسبة للإمارات.
وأشار الكاتب إلى عاملٍ آخر في هذه المسألة، تمثل في تنامي النفوذ التركي والسعودي داخل سوريا. فقد أصبحت أنقرة شريكاً رئيسياً لدمشق في مجالات الأمن والاقتصاد والربط الإقليمي، بينما كثفت الرياض جهودها لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في البلاد.
وقد أدركت أبوظبي أن استمرارها في موقع المراقب سيمنح منافسيها الإقليميين فرصة أكبر للتأثير في مستقبل سوريا، وهو ما دفعها إلى التحرك للحفاظ على موقعها في المعادلة الجديدة.
وتابع: أسهم الدعم الأميركي الذي قدمته إدارة ترامب للحكومة السورية الجديدة في تعزيز هذا التحول؛ إذ أظهر أن الانفتاح على دمشق لم يعد مجرد توجه إقليمي تقوده تركيا والسعودية وقطر، وإنما أصبح جزءاً من رؤية دولية أوسع، تهدف إلى دعم استقرار سوريا وإعادة دمجها في النظام الدولي.
إلى جانب ذلك، اكتسبت سوريا أهمية إستراتيجية متزايدة، وذلك نظراً لكونها ممراً برياً يمكن أن يصير بديلاً جزئياً لمضيق هرمز، خاصة في ظل تصاعد التوترات التي تهدد أمن الملاحة البحرية.
وقد أصبح الموقع الجغرافي لسوريا الذي يربط الخليج بالبحر المتوسط وتركيا وأوروبا، عنصراً مهماً في الحسابات الإماراتية المتعلقة بالتجارة والربط اللوجستي.

الاستثمار والصراع
وأردف الكاتب أنّ التطورات الأخيرة عكست تحولاً واضحاً في السياسة الإماراتية تجاه سوريا؛ إذ انتقلت أبوظبي من سياسة الحذر والترقب إلى سياسة أكثر انخراطاً، تقوم على الاستثمار الاقتصادي والانفتاح السياسي.
فقد جاء الإعلان عن مشاريع استثمارية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات ليؤكد أن الإمارات تراهن على استقرار سوريا، وعلى تحولها إلى مركز اقتصادي ولوجستي إقليمي خلال السنوات المقبلة.
في هذا الإطار، فإنّ أبوظبي لا ترى سوريا بمثابة ساحة لإعادة الإعمار فحسب، بل تراها حلقة محورية في مشاريع الربط الإقليمي، بما يتيح تعزيز حركة التجارة والاستثمار بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا.
لذلك، شرعت في بحث إنشاء ممر تجاري جديد يربط الإمارات بـِسوريا عبر العراق، وهو مشروع من شأنه أن يمنحها منفذاً بديلاً إلى البحر المتوسط، ويعزز مكانة سوريا كمركز إقليمي للنقل والعبور.
كما يعكس هذا التوجه رغبة إماراتية في تنويع خياراتها الإستراتيجية وعدم الاعتماد الكامل على مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يمنح إسرائيل وميناء حيفا موقعاً محورياً.
فالإمارات لا تسعى إلى التخلي عن هذا المشروع أو عن شراكتها مع إسرائيل، لكنها تعمل في الوقت ذاته على تطوير مسارات بديلة تقلل من المخاطر السياسية والأمنية التي قد تواجهها في حال الاعتماد على طريق واحد.
وأضاف الكاتب أنّ ملف السويداء يعدّ مثالاً آخر على اختلاف المقاربة الإماراتية؛ إذ فضلت أبوظبي الابتعاد عن أي دعم للمشاريع الانفصالية، وهو ما عكسه إعلان الزعيم الدرزي حكمت الهجري عن توقف التمويل القادم من المؤسسات الإماراتية.
كما أكدت الإمارات هذا التوجه بإدانتها للهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية، مقدرة أنها تمثل انتهاكاً لسيادة الدولة السورية، وأن استمرارها يهدد فرص نجاح عملية إعادة الإعمار التي تستثمر فيها سياسياً واقتصادياً.

تباين واضح
ولفت الكاتب إلى أن هذا التحول يقود إلى اتساع الفجوة بين الرؤيتين الإماراتية والإسرائيلية تجاه سوريا؛ فبينما تركز إسرائيل على تقديرات الأمن والردع، وترى أن منع قيام سلطة سورية قوية يخدم مصالحها الإستراتيجية، تنطلق الإمارات من رؤية ترى أن استقرار سوريا يمثل فرصة لتعزيز التجارة والاستثمار والربط الإقليمي.
حيث تسعى إسرائيل إلى منع ظهور سلطة مركزية قوية على حدودها، وهو ما ينعكس في استمرار عملياتها العسكرية، وفي محاولاتها إضعاف مؤسسات الدولة السورية، مع دعم بعض القوى المحلية والانفصالية في الجنوب السوري. كل ذلك بهدف الحد من قدرة دمشق على فرض سيطرتها الكاملة.
في المقابل، تعمل الإمارات على دعم استقرار الدولة السورية وتعزيز مؤسساتها، وهذا انطلاقاً من قناعة بأن بيئة مستقرة تشكل شرطاً أساسياً لنجاح مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار وممرات التجارة الجديدة.
كما تسعى أبوظبي أيضاً إلى توسيع نفوذها السياسي داخل سوريا، بما يمنع انفراد تركيا والسعودية بقيادة المشهد السوري الجديد.
وتكشف هذه الاختلافات أن الطرفين ينظران إلى سوريا من زاويتين متناقضتين؛ فبينما ترى إسرائيل في سوريا تهديداً أمنياً يجب احتواؤه، تنظر إليها الإمارات بصفتها فرصة إستراتيجية يمكن توظيفها لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
وتابع: تشير المعطيات الحالية إلى أن سوريا قد تتحول خلال المرحلة المقبلة إلى أحد أبرز ملفات الاختبار للعلاقات الإماراتية-الإسرائيلية. فاستمرار أبوظبي في توسيع استثماراتها وتعميق علاقاتها مع دمشق يتعارض مع السياسة الإسرائيلية التي تقوم على مواصلة الضغط العسكري وإضعاف السلطة السورية.
ورغم أن البلدين ما زالا يحتفظان بشراكة إستراتيجية واسعة في ملفات إقليمية أخرى، إلّا أنّ اتساع التباين في مقاربة الملف السوري قد يفرض تحديات متزايدة على هذه الشراكة، خاصة إذا استمرت سوريا في استعادة استقرارها، ونجحت في جذب الاستثمارات الإقليمية، وأصبحت محوراً لمشاريع الربط الاقتصادي الجديدة.
وختم الكاتب مقاله قائلاً: يبدو أن مستقبل العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية لن يتحدد فقط بمدى توافقهما في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة، بل أيضاً بقدرتهما على إدارة الخلافات المتنامية حول سوريا.
فكلما مضت الإمارات في ترسيخ سياسة تقوم على دعم الدولة السورية وإعادة دمجها اقتصادياً وسياسياً، واستمرت إسرائيل في تبني مقاربة أمنية قائمة على إضعافها، ازدادت احتمالات تحول الملف السوري إلى الساحة الأكثر حساسية في العلاقة بين الطرفين، وإلى اختبار حقيقي لصلابة الشراكة التي بنياها خلال السنوات الأخيرة.
















