غلاء المحروقات يختبر سوريا الجديدة.. المواطن أمام فاتورة الإصلاح

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خطوة أعادت ملف المعيشة إلى واجهة المشهد السوري، دخلت أسعار المحروقات موجة ارتفاع جديدة، بعدما رفعت الحكومة أسعار المشتقات النفطية بنسب وصلت إلى 40 بالمئة، في وقت لم تستعد فيه دخول المواطنين وقدرتهم الشرائية عافيتها بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي.

وسرعان ما تحول القرار إلى احتجاجات في مناطق سورية عدة، مع قطع طرق رئيسة وإضرابات جزئية لوسائل النقل وامتناع عدد من سائقي سيارات الأجرة عن العمل، وسط مخاوف من انتقال أثر الزيادة إلى أسعار النقل والسلع والخدمات والإنتاج، بما يوسع دائرة الضغوط المعيشية.

وتقول وزارة الطاقة: إن الزيادة مؤقتة وفرضتها عوامل خارجية، في مقدمتها ارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالميًا، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة تستمر نحو شهرين، ما يرفع حاجة البلاد إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.

لكن الشارع السوري ينظر إلى القرار من زاوية أخرى؛ إذ يأتي في وقت تتجه فيه الإدارة الجديدة نحو مراجعة الدعم وتطبيق آليات أقرب إلى اقتصاد السوق، بينما لا تزال الأجور عند مستويات متدنية مقارنة بكلفة المعيشة، ما يطرح سؤالًا أوسع حول قدرة الاقتصاد السوري على تحمل تحرير أسعار الطاقة قبل تحسن الدخول وشبكات الحماية الاجتماعية.

ارتفاعات تصل إلى 40 بالمئة

ارتفعت أسعار المشتقات النفطية في سوريا، الأحد، بنسب تراوحت بين نحو 9 و40 بالمئة، فيما عزت وزارة الطاقة الزيادة إلى ارتفاع "استثنائي" في كلفة تأمينها عالميًا، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة.

وبحسب نشرة جديدة أصدرتها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، بزيادة قدرها 40 بالمئة.

كما ارتفع سعر ليتر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة، بزيادة نحو 28.3 بالمئة، وبنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة، بزيادة نحو 25.9 بالمئة.

وبلغ سعر الغاز المنزلي في النشرة الجديدة 1600 ليرة، مقابل 1470 ليرة سابقًا، بزيادة نحو 8.8 بالمئة، فيما ارتفع سعر الغاز الصناعي من 2350 إلى 2560 ليرة، بزيادة تقارب 8.9 بالمئة.

ودخلت الأسعار الجديدة حيز التنفيذ عند الساعة 00:00 من الأحد 13 سبتمبر/ أيلول الجاري، وفق النشرة الرسمية.

وعزت وزارة الطاقة السورية ارتفاع الأسعار إلى زيادة "استثنائية" في كلفة تأمين المشتقات النفطية عالميًا، مؤكدة أن التعديل "مؤقت" ويهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات وتوافر المواد في السوق المحلية.

وقالت الوزارة: إن السوق السورية تتأثر بارتفاع كلفة تأمين البنزين والمازوت والفيول عالميًا، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة لنحو شهرين، ما يزيد مؤقتًا الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.

وأوضحت أن ارتفاع الكلفة لا يرتبط بسعر النفط الخام وحده؛ إذ تواجه أسواق المشتقات المكررة ضغوطًا نتيجة تراجع المعروض واضطراب طاقات التكرير وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين.

وبحسب الأسعار التي تتابعها الوزارة، يقترب سعر طن المازوت من 1400 دولار، والبنزين من 1350 دولارًا، فيما يدور سعر خام برنت حول مستويات تقارب 100 دولار للبرميل.

وتقدر حاجة سوريا من النفط ومشتقاته بنحو 300 ألف برميل يوميًا، مقابل إنتاج محلي من الخام يبلغ نحو 100 ألف برميل، ما يفرض تغطية جزء من الاحتياجات عبر الاستيراد. وفق الوزارة.

وتبلغ حاجة السوق اليومية من المازوت نحو 7.72 ملايين ليتر، منها 3.09 ملايين ليتر إنتاج محلي و4.63 ملايين ليتر مستوردة، أي أن نحو 60 بالمئة من الإمدادات تعتمد على الاستيراد.

أما البنزين، فيبلغ متوسط الإمداد اليومي منه نحو 2.32 مليون ليتر، منها 1.54 مليون ليتر إنتاج محلي ونحو 775 ألف ليتر مستوردة.

والعمرة الشاملة إجراء دوري تخضع له المصافي، ويتطلب إيقافها لفترة محددة لإجراء أعمال الفك والفحص والتقييم واستبدال القطع التي تحتاج إلى تبديل.

وأكدت الوزارة أن تعديل الأسعار "لا يستهدف رفع أسعار المحروقات بصورة دائمة"، وإنما معالجة فجوة مؤقتة بين كلفة تأمين المشتقات وسعر بيعها محليًا، بما يضمن تمويل الشحنات المتتالية واستمرار توافرها في السوق.

وكانت الأسعار المعمول بها منذ 4 سبتمبر/ أيلول الجاري تبلغ 152 ليرة لبنزين 95، و147 ليرة لبنزين 90، و125 ليرة للمازوت، و1470 ليرة للغاز المنزلي، و2350 ليرة للغاز الصناعي. وفق النشرة الصادرة آنذاك.

احتجاجات تربك الشارع

وأشعل قرار الحكومة السورية رفع أسعار المشتقات النفطية موجة من الاحتجاجات في مناطق سورية مختلفة، من الحسكة إلى دير الزور شرقًا، مرورًا بريف حلب شمالًا وإدلب غربًا، في وقت لا يبدو فيه أن الحكومة بصدد التراجع عن القرار.

وتمثلت أبرز مظاهر التصعيد في قطع الطرق الدولية والرئيسة بالإطارات المشتعلة، لا سيما الطريق الدولي "إم 5" في ريف إدلب الجنوبي قرب معرة النعمان وخان شيخون، وطريق دير الزور-الحسكة في منطقة الصالحية، وطريق دير الزور-حلب قرب بلدة حويجة شنان.

إضافة إلى ذلك، منع محتجون عبور صهاريج النفط الخام المتجهة نحو محطات التكرير في الداخل السوري، بينما أعلن سائقو وسائل النقل الجماعي والداخلي في مدن مثل أعزاز والباب بريف حلب إضرابات جزئية وتوقفوا عن العمل، نظرًا إلى عدم ملاءمة تعرفة الركاب مع كلفة الوقود الجديدة.

كما شهدت أحياء داخل مدينة حلب، مثل "طريق الباب"، تجمعات شعبية وسط انتشار أمني بهدف تهدئة الأوضاع.

وفي مدينة الرقة شرقي البلاد، شهدت المنطقة احتجاجات اعتراضًا على رفع أسعار المحروقات، تخللها إغلاق طرق وإشعال إطارات.

وقالت قيادة الأمن الداخلي في محافظة الرقة: إن وحدات أمن الفعاليات وأمن الطرق أعادت فتح الطرق وأخمدت الإطارات المشتعلة، وفق قناة "الإخبارية السورية".

وأضافت أن ذلك جاء بهدف "استعادة انسيابية حركة المرور والحفاظ على سلامة المارة والمركبات"، دون الإشارة إلى وقوع إصابات.

وأربك قرار رفع أسعار المحروقات حركة المواصلات؛ حيث امتنع غالبية سائقي سيارات الأجرة عن العمل، في ظل عدم وجود تعليمات برفع تعرفة المواصلات.

اقتصاد يتحرك نحو التحرير

وتأتي هذه الأزمة في وقت يحاول فيه الاقتصاد السوري الخروج من تبعات سنوات الحرب الطويلة التي دمرت البنية التحتية ومقدرات البلاد الاقتصادية.

وتعيش سوريا تحت مظلة سلطة انتقالية وهيئات حكومية تشكلت في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد عقب سقوط النظام السابق لبشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024.

وضمن السياسات الجديدة، أطلقت وزارة الطاقة آلية للمراجعة الدورية للأسعار بهدف تحقيق استقرار السوق وضمان استدامة الإمدادات.

غير أن تطبيق الحد الأدنى للأجور البالغ 12,560 ليرة سورية جديدة شهريًا، والذي أُقر في مايو/ أيار الماضي، جعل الفجوة تتسع بصورة كبيرة بين دخل المواطن وكلفة الاحتياجات الأساسية؛ إذ بات سعر ليتر البنزين يلتهم جزءًا كبيرًا من المياومة اليومية للعامل.

ويرتبط القرار محليًا وإقليميًا بسياقين بارزين.

الأول إقليمي ودولي؛ إذ يتزامن مع اضطرابات جيوسياسية متصاعدة في منطقة الشرق الأوسط وتوترات شملت إغلاق مضيق هرمز، ما تسبب في قفزة سريعة في أسعار النفط والمشتقات عالميًا وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري.

وانعكس ذلك بدوره على دول الجوار والدول المستوردة للطاقة.

أما السياق الثاني فهو داخلي وتنموي؛ إذ يعكس بدء توجه الإدارة السورية الجديدة نحو تطبيق "اقتصاد السوق الحر" ورفع الدعم الحكومي تدريجيًا عن المواد البترولية، مع تشجيع الاستثمارات الأجنبية ودخول شركات عالمية إلى السوق.

وأحدث هذا التوجه صدمة لدى مجتمع يرى أن مقوماته المعيشية لم تتعافَ بعد بالشكل الكافي لتحمل وطأة التحرير الكامل للأسعار.

مخاوف واستياء

وأبدى ناشطون وحقوقيون سوريون على منصات التواصل الاجتماعي مخاوف عميقة من قرار رفع أسعار المحروقات بنسبة وصلت إلى نحو 40 بالمئة، مقدرين أنه يمثل تطبيقًا متسرعًا لآليات اقتصاد السوق الحر ورفع الدعم في بلد خرج للتو من حرب طويلة دمرت بنيته التحتية ومنشآته الاقتصادية.

وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #سوريا_الجديدة و#المحروقات و#سوريا، إلى أن الرواتب المتدنية، التي غالبًا ما تقل عن 150 دولارًا، والقدرة الشرائية المنهارة، تجعل الزيادة عبئًا ثقيلًا ينتقل مباشرة إلى أسعار النقل والسلع الأساسية والإنتاج الزراعي والصناعي، ما يفاقم التضخم ويهدد الاستقرار الاجتماعي في مرحلة إعادة البناء الهشة.

وحذروا من أن غياب سياسات الحماية الاجتماعية أو زيادات موازية في الأجور يحول القرار "المؤقت" الذي أعلنته الحكومة إلى ضغط معيشي متراكم قد يتحول إلى احتقان سياسي أوسع، مطالبين بمراعاة الظروف الاستثنائية لسوريا بعد الحرب بدلًا من الانسياق السريع نحو التسعير العالمي دون تعويضات للفئات الأكثر تضررًا.

وفي المقابل، دافع ناشطون عن حتمية القرار نظرًا إلى الظروف الإقليمية القاهرة المرتبطة بقطع خطوط الإمداد الدولية عبر مضيق هرمز وتأثر سلاسل التوريد عالميًا، مطالبين الشارع بالصبر والتعاون لإيجاد حلول بديلة ومستدامة، باعتبار أن توفير المحروقات بسعر مرتفع يظل أفضل من غيابها التام وعودة الطوابير الخانقة أمام محطات الوقود.

مظاهر إيجابية

وتوقف ناشطون وإعلاميون عند المظاهر الإيجابية في تعاطي الأمن العام والدولة السورية الجديدة مع الحراك الميداني. 

وأشاروا بارتياح إلى أن آلاف المتظاهرين عادوا إلى منازلهم معززين دون تسجيل حالات اعتقال تعسفي أو سوق إلى أقبية الفروع الأمنية السيئة السمعة في العهد البائد، مقدرين أن الدولة نجحت في "امتحان الحريات" رغم قساوة الأزمة الاقتصادية.

رفض التخريب

وحذر ناشطون من الانجرار وراء دعوات قطع الطرق الحيوية وحرق الإطارات أو تعطيل صهاريج الإمداد، مؤكدين أن هذه الأفعال تُعد تخريباً يعطل مصالح المواطنين اليومية ويؤثر سلباً على شرعية المطالب الاقتصادية المحقة المتعلقة بارتفاع أسعار المحروقات.

وأشاروا إلى أن الاحتجاج السلمي حق مشروع للتعبير عن الغضب من الأوضاع المعيشية، لكن اللجوء إلى الفوضى والخراب يُضعف القضية ويحولها إلى سلوك همجي لا يخدم أحداً سوى من يريد إلحاق الضرر بالبلاد.

وحذر ناشطون من إمكانية استغلال "الشغب العفوي" من قبل فلول النظام السابق أو أعداء الثورة وأصحاب الأجندات الخارجية لإثارة فوضى أمنية وتخريب ما تبقى من مقدرات الوطن. 

ودعوا إلى الوعي والتمسك بالسلمية ورفع الصوت بالمطالب دون اعتداء على قوى الأمن أو الممتلكات العامة، معتبرين أن أي تصرفات مشبوهة يجب محاسبة القائمين عليها لأنها تركب على حاجة الناس وتدمر ما ضحى من أجله السوريون. 

خفض الهدر

وقدم ناشطون مقترحات للخروج من الأزمة الراهنة منها اتخاذ إجراءات رمزية وعملية تضامنية مع المواطنين في مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، وإلزام المسؤولين والوزراء بتعبئة وقود سياراتهم الحكومية والشخصية من جيوبهم الخاصة، بدلاً من الاعتماد على المخصصات العامة.

وشددوا على ضرورة إجبار المسؤولين (ممن لا تقتضي مهامهم ترتيبات أمنية خاصة) على استخدام وسائل النقل العامة يومين على الأقل أسبوعياً، لترسيخ فهم أعمق لمعاناة المواطن اليومية في المواصلات والازدحام والتكاليف، وربط الدولة بالمجتمع الحقيقي بعيداً عن الامتيازات.