رغم 47 عاما من المظالم.. لماذا رفض سنّة إيران الاصطفاف مع أميركا وإسرائيل؟

رمضان بورصا | منذ ٥ دقائق

12

طباعة

مشاركة

كان سنّة إيران إحدى الفئات التي جذبت الأنظار خلال المعارك التي خاضتها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ترقبًا لمعرفة «ماذا سيفعلون وكيف سيتصرفون؟».

ففي الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو/ حزيران 2025، ثم الحرب التي اندلعت إثر الهجمات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير/ شباط 2026 واستمرت 40 يومًا، واجهت إيران واحدة من أصعب مراحلها، ولا سيما مع مقتل أكثر من 40 مسؤولًا إيرانيًا، في مقدمتهم المرشد آية الله علي خامنئي، وعدد من كبار القادة العسكريين.

وتاريخيًا، يواجه سنّة إيران جملة من المظالم، ارتبط بعضها بالمناطق الجغرافية التي يتركزون فيها، فيما يتعلق بعضها الآخر بعدم تلبية جانب من مطالبهم المذهبية، فضلًا عن مشكلات أمنية اتخذت بدورها أبعادًا مذهبية.

ولدى سنّة إيران مشكلات مزمنة، من بينها عدم وجود مسجد سنّي واحد في العاصمة طهران. فبعد ثورة 1979، خصص آية الله الخميني قطعة أرض لهذا الغرض، غير أن إدارات مدينة طهران والحكومات المتعاقبة حالت، بشكل أو بآخر، دون إنشاء مسجد للسنّة في العاصمة.

ويواجه سنّة إقليم سيستان وبلوشستان، الذي يعد من أكثر أقاليم إيران تهميشًا، مشكلات تتعلق بالهوية والمواطنة، إلى جانب تحديات أمنية خطيرة لطالما عبروا عن استيائهم منها.

وينطبق الأمر نفسه، وإن بدرجة أقل، على السنّة في إقليمي كردستان وغلستان، حيث يواجهون بدورهم مشكلات مشابهة.

ورغم مرور 47 عامًا على الثورة الإيرانية، فإن عدم معالجة هذه المظالم زادها عمقًا.

ولذلك، كان يُتوقع أن يتخذ السنّة موقفًا مناهضًا لإيران في كلتا الحربين، ولا سيما في الحرب الأخيرة التي بدأت في 28 فبراير/ شباط، وأن ينتفضوا ويؤيدوا الهجمات الأميركية والإسرائيلية. لكن ما حدث كان خلاف ذلك.

الحرب والسنّة

فعقب الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، صدرت تصريحات من مختلف المكونات العرقية والدينية والمذهبية في البلاد.

ولأن غالبية السكان من الشيعة، حظيت التصريحات والمواقف المرتبطة بالمذهب الشيعي بالاهتمام الأكبر، بينما لم تحظ تصريحات السنّة وبقية المكونات بالقدر نفسه من الاهتمام والتقييم.

كما أن استخدام رموز المذهب الشيعي في المظاهرات وتوظيف الخطاب المذهبي أسهما في حجب مواقف المذاهب والمكونات الأخرى عن دائرة الاهتمام.

لكن واقع الحال أن أئمة الجمعة وعلماء الدين من السنّة في إيران أدلوا بعدد كبير من التصريحات خلال الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على البلاد والمواجهات التي تلتها.

وبالنظر إلى ما قاله هؤلاء الأئمة والعلماء السنّة، يُلاحظ أنهم لم يدعوا إلى الحفاظ على نظام ولاية الفقيه أو التمسك بقيم ثورة 1979، بل صاغوا مواقفهم بالأساس انطلاقًا من الحفاظ على وحدة أراضي إيران والدفاع عنها وصون الوحدة الوطنية.

كذلك، يُلاحظ أنهم دعوا في تصريحاتهم أثناء الحرب وبعدها إلى الوحدة والتضامن، وإلى اليقظة في مواجهة التهديدات الخارجية.

وبالنظر إلى أبرز الأسباب التي دفعت أولئك العلماء إلى دعم النظام القائم في إيران، يأتي احتمال وصول رضا بهلوي أو جهة معادية للدين، مثل «منظمة مجاهدي خلق»، إلى السلطة.

فدعم الولايات المتحدة وإسرائيل لرضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، ومحاولة إعادته إلى سدة الحكم، أمر يرفضه سنّة إيران، وهو ما يظهر في مواقف علمائهم.

ومن ذلك ما قاله إمام الجمعة السنّي لمدينة هامون في إقليم سيستان وبلوشستان، خلال الحرب، من أن «الشعب الإيراني يزداد يومًا بعد يوم يقظة وقوة ووعيًا في مواجهة هذه المخططات التي تدبرها إسرائيل المجرمة وأميركا الخائنة. فطوبى لمن ذاقوا كأس الشهادة!».

وأردف: «إننا ندين بشدة، عقلًا وفكرًا وروحًا، وفي ضوء القرآن والسنّة، هذا العدوان الذي يشنه النظام الصهيوني الغاصب. واعلموا أن جذور هؤلاء ضاربة في الإرهاب، وأن جوهرهم عجين من الجريمة والخيانة. لقد أخبرنا القرآن أن أشد الناس عداوة لكم اليهود».

وشدد إمام الجمعة السنّي لمدينة سرباز الإيرانية، مولوي عناية الله رسول زاده، على أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية ستوحد الشعب الإيراني، قائلًا:

«يجب أن نعرف أولًا أن إسرائيل عُرفت دائمًا بأنها نظام مجرم وخائن، ارتكب منذ إنشائه جرائم عديدة، ولم يُبدِ يومًا أي ندم على أفعاله. ومن أمثلة هذه الجرائم قتل الفلسطينيين، وانتهاك حدود الدول المجاورة، ومحاولات توسيع نفوذه في المنطقة».

وأضاف: «فيما يتعلق بهجوم إسرائيل على إيران، يجب أن أقول إن هذا العمل، بدلًا من أن يضعف إيران، سيعزز وحدتها الوطنية والتضامن بين أبناء شعبها».

وأوضح إمام الجمعة السنّي لمدينة خاش الإيرانية، مولوي محمد ريغي، أن هجوم إسرائيل على إيران خلق وضعًا حساسًا ومعقدًا للبلاد وشعبها، وقال:

«بصفتي أحد علماء السنّة في الإقليم، أرى أن من واجبي في هذه الأزمة تبصير الناس بواجباتهم الشرعية والإسلامية. وواجبنا جميعًا في الوضع الراهن، وبخاصة شبابنا، هو الدفاع عن الوطن والقيم الإسلامية بيقظة تامة واستعداد كامل».

وأضاف أن «الدفاع عن الوطن وعن كيان الإسلام واجب على جميع المسلمين، بل وحتى على غير المسلمين. وهذا الواجب من ضروريات الدين الإسلامي، وكثيرًا ما شدد عليه النبي ﷺ».

دعم وانتقاد ونداء

يُجمع كثيرون داخل إيران وخارجها على أن من أبرز علماء السنّة الإيرانيين وأكثرهم تأثيرًا وجرأة مولوي عبد الحميد إسماعيل زهي، إمام جمعة مدينة زاهدان وقائد «الحركة المكية»، وذلك بفضل انتقاداته للحكومة الإيرانية ونداءاته وعلاقاته الشعبية وشبكة أتباعه الواسعة.

ويُعرف مولوي عبد الحميد بطرحه مشكلات جميع الإيرانيين، وليس السنّة فقط، من خلال رسائله التي وجهها إلى المرشد الراحل آية الله علي خامنئي، وخطب الجمعة التي يلقيها.

وعقب اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط، فضل مولوي عبد الحميد التزام الصمت لبعض الوقت، إلا أنه عاد بعد نحو أسبوعين من بدايتها ليدلي برأيه.

وفي خطبة الجمعة التي ألقاها بتاريخ 13 مارس/ آذار 2026، شدد مولوي عبد الحميد على أن «إيران تمر باختبارات عصيبة، وأنها تملك إمكانات وقدرات وموارد هائلة تجعل دول العالم تتطلع إليها طمعًا في استغلال هذه الثروات».

وكما جرت عادته في خطبه، دعا مولوي عبد الحميد الحكومة إلى الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين من السنّة والشيعة على حد سواء، وإلى مناقشة مشكلات البلاد مع هؤلاء السياسيين.

وفي خطبة 17 أبريل/ نيسان 2026، تطرق مولوي عبد الحميد إلى أوجه القصور العسكري في الجيش الإيراني، ودعا إلى «توقيع اتفاق عادل»، فيما وجه انتقادات لاذعة إلى الجماعات الشيعية المتشددة الرافضة للاتفاق، قائلًا:

«إن المجال الجوي للبلاد تحت سيطرة العدو، والبنى التحتية مهددة بالدمار، والقوات المسلحة لا تملك الوسائل اللازمة للدفاع الجوي. والمخرج الوحيد من هذا المأزق هو "اتفاق عادل". فماذا سيقول هؤلاء المتشددون، الذين يعرقلون الاتفاق بعنادهم اليوم، لله وللشعب المظلوم غدًا إذا انهار الوطن؟».

وفي ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تناول مولوي عبد الحميد في خطبة الجمعة بتاريخ 28 أغسطس/ آب مشكلات سنّة إيران ومطالبهم، إلى جانب المشكلات العامة التي تواجهها البلاد.

وبمناسبة شهر محرم، ومع تزايد مجالس العزاء الحسيني في العالم الشيعي، تصاعدت الهجمات والإهانات الموجهة إلى الصحابة وقيم أهل السنّة، ليس في إيران فحسب، بل أيضًا في العراق، حيث شهدت بعض المجالس التي نظمتها جماعات شيعية متشددة إساءات إلى الخلفاء ومعتقدات السنّة.

ووجه مولوي عبد الحميد في خطبته نداءات واضحة وصريحة إلى الحكومة الإيرانية بهذا الشأن، قائلًا:

«إن الصحابة وآل البيت من مقدسات المسلمين، ويجب على كل المسلمين احترام الصحابة. وحتى إن لم يكن لديهم الاحترام لجميع الصحابة، فعلى الأقل ألا يهينوهم. ومطلبنا من مسؤولي البلاد هو وقف المتشددين الذين يهينون الصحابة في مناسبات مختلفة».

وأضاف أن «على المسؤولين ألا يسمحوا لأحد بالإساءة علنًا إلى الصحابة وإلى مقدسات غالبية المسلمين. فالإهانة غير مقبولة في أي دين أو مذهب، ونحن لا نجيز الإساءة حتى إلى مقدسات غير المسلمين. ومن كان لديه ما يقوله، فليقله بالمنطق والدليل، لا بالإهانة والتحقير».

وردًا على تصريحات ونداءات مرشد الثورة الإيرانية، آية الله مجتبى خامنئي، وغيره من مسؤولي الحكومة بشأن ضرورة الوحدة بين الشيعة والسنّة، قال مولوي عبد الحميد:

«الوحدة أمر حسن للغاية، والجميع يرحب بها، ونحن نؤيدها، لكننا لا نقبل بوحدة تبقى حبيسة الشعارات؛ فالوحدة لا بد أن تتحقق على الأرض».

وأعاد مولوي عبد الحميد طرح ضرورة بناء مسجد سنّي في طهران، قائلًا:

«في موسكو، عاصمة روسيا، وبالقرب من قصر الكرملين، شُيد مسجد ضخم من عدة طوابق، أُنفق عليه 200 مليون دولار، ويقصده سياح من كل أنحاء العالم لزيارته. ومطلب أهل السنّة في بلادنا، منذ زمن طويل، هو أن يكون لهذه المدينة الكبرى، طهران، التي يعيش فيها ما لا يقل عن 2 إلى 3 ملايين من أهل السنّة، مسجد يصلون فيه».

وتابع: «نحن نؤمن بحرية بناء المساجد في جميع أنحاء البلاد. فحتى في القرى التي يشكل فيها إخواننا الشيعة أقلية، يجب أن يكون لهم مسجدهم. وفي هذا الإقليم، سيستان وبلوشستان، قرى وبلدات كبيرة لا تسكنها سوى أسرة شيعية واحدة، ومع ذلك لها مسجدها، والأهالي لا يعترضون على ذلك، بل يساعدون في بنائه. هذه الحرية يجب أن تكون للجميع».

ومنذ بدايات الثورة تقريبًا، يمثل تعاطي إيران الأمني مع أنشطة المجتمع السنّي قضية ينتقدها ويسلط الضوء عليها علماء السنّة وشخصياتهم البارزة.

وتتعامل الحكومة الإيرانية مع المجتمع السنّي باعتباره قضية أمنية، بدلًا من النظر إليه بوصفه جزءًا من المجتمع الإيراني، وهو ما يعد نهجًا بحاجة إلى تصحيح.

وبسبب هذه السياسة الأمنية، زُج بالعديد من الشخصيات السنّية البارزة في السجون، واضطر بعضها إلى مغادرة البلاد، فيما سقط بعض كبار علماء السنّة ضحايا لاغتيالات مجهولة الفاعل.

ويُعد مولوي عبد الحميد من أبرز من يؤكدون بوضوح أن السنّة ليسوا مشكلة أمنية، إذ يقول:

«من مطالب أهل السنّة المشروعة والقانونية الأخرى ألا تتحول صلواتهم ومساجدهم وتعليمهم إلى قضية أمنية. فالدستور ينص صراحة على حرية المذهب في الشؤون الدينية والتعليم. لكن للأسف، جرى في الماضي التصرف بما يخالف الدستور، انطلاقًا من أهواء شخصية أو بدافع من النفوذ. ولو التزم بالقانون، لكان ذلك في مصلحة هذا البلد وهذا الشعب».

مولوي عبد الحميد في مرمى الاستهداف

بات مولوي عبد الحميد إسماعيل زهي، إمام جمعة مدينة زاهدان السنّي، هدفًا لجماعات وشخصيات ووسائل إعلام شيعية متشددة في إيران، بسبب إثارته المتكررة لمشكلات البلاد والمجتمع السنّي.

واتهمت وكالة أنباء فارس، في تقرير نشرته بتاريخ 10 مايو/ أيار، مولوي عبد الحميد بـ«التعاون مع ترامب ونتنياهو»، وذلك بعد أن قال إن «مضيق هرمز ممر مائي دولي، وعلى إيران أن تفتحه أمام جميع السفن».

وبلغت حملات القوميين الفرس في إيران ضد مولوي عبد الحميد ذروتها عام 2022؛ إذ عمد القوميون الفرس، الذين تعزز نفوذهم في مؤسسات مهمة مثل وزارة الخارجية والحرس الثوري خلال فترة رئاسة حسن روحاني، إلى اتهام مولوي عبد الحميد و«الحركة المكية» التي يتزعمها بـ«القيام بأنشطة مضرة بإيران»، ما شجع الأجهزة الأمنية للدولة على تشديد الضغط عليه.

وزعمت جماعات قومية فارسية في إيران أن «واقعة مولوي گرگیج» ستتكرر، في محاولة لاستفزاز الدولة كي تشدد ضغطها على جميع السنّة عبر استهداف مولوي عبد الحميد و«الحركة المكية».

وكان مولوي محمد حسين گرگیج، إمام جمعة أهل السنّة في آزادشهر بمحافظة غلستان، قد عُزل من منصبه في ديسمبر/ كانون الأول 2021، بعد تصريحات تناول فيها قضايا دينية أثارت اعتراضات في أوساط شيعية.

وأعقب ذلك تجمع أنصاره احتجاجًا على عزله، فيما مُنع لاحقًا من اعتلاء المنبر وإقامة صلاة الجمعة في مقاطعة غاليكش، ووضع قيد الإقامة الجبرية في منزله.

كذلك، فإن ما أعقب اعتداء الشرطة في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 على المصلين داخل مسجد في سيستان وبلوشستان أثناء صلاة الجمعة وعلى الخارجين منه، وامتناع المرشد حينها، آية الله علي خامنئي، عن الاضطلاع بدور لحل الأزمة، شجع القوميين الفرس على التمادي في هجماتهم على مولوي عبد الحميد وعلى السنّة.

رغم كل شيء.. معارضون للعدوان

منذ 47 عامًا، ينتظر سنّة إيران حل مشكلاتهم الاجتماعية والمذهبية المزمنة، ويطالبون الحكومة بذلك مرارًا. ورغم عدم حل هذه المشكلات، ونظر الحكومة إليهم باعتبارهم جزءًا من سياساتها الأمنية، وتعرضهم للضغط، لم يتخلوا عن بلادهم ووطنهم.

وفي كل من حرب يونيو/ حزيران وحرب فبراير/ شباط، اختار السنّة الوقوف إلى جانب بلدهم في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم كل ما يعانونه من مشكلات وضغوط وخلافات مع النظام.

وكما شهدت ساحات المدن ذات الغالبية الشيعية، مثل طهران ومشهد ويزد وأصفهان، مظاهرات مناهضة لأميركا وإسرائيل، شهدت المناطق ذات الغالبية السنّية، مثل زاهدان وسنندج وكرمانشاه وتركمان صحراء، مظاهرات مماثلة.

وخلال حرب يونيو/ حزيران، تقطعت السبل بأبرز علماء السنّة الإيرانيين، مولوي عبد الحميد إسماعيل زهي، في السعودية أثناء أداء فريضة الحج بسبب إغلاق المجال الجوي.

وما إن سنحت الفرصة حتى عاد إلى إيران عبر أفغانستان برفقة حجاج إيرانيين آخرين كانوا محاصرين مثله، وحث المواطنين على الوحدة والتضامن، وحال دون استغلال الحرب في سيستان وبلوشستان بما يخدم مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما شجع كبار علماء السنّة في كردستان وتركمان صحراء الإيرانيين على الوقوف في مواجهة الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وشارك كثير من العلماء السنّة في المظاهرات المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل التي نُظمت في ساحات مدنهم.