الرصاصة الصامتة.. هكذا أصبحت المياه أداة لتهجير الفلسطينيين من الضفة

منذ ١٥ ساعة

12

طباعة

مشاركة

لتغذية بركة سباحة تقع داخل موقع أثري، أقدم مستوطنون إسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة على تحويل مسار المياه المخصصة للمزارعين الفلسطينيين في بلدة فصايل الواقعة بمحافظة أريحا وأغوار الأردن.

وبحسب موقع "فرانس 24" الفرنسي، "تعدّ هذه الخطوة جزءا من حرب المياه التي تستهدف حرمان الفلسطينيين من مصادر رزقهم وإجبارهم على مغادرة أراضيهم".

غير قابلة للاستمرار

وذكر التقرير أن "هذه الواقعة تمثّل إحدى صور الاستيلاء المتكرر على منابع المياه ومصادرها في الضفة الغربية المحتلة".

وتابع: "ففي يونيو/ حزيران 2026، سيطر مستوطنون إسرائيليون على شبكة للري الزراعي قرب بلدة فصايل في غور الأردن، وعمدوا إلى تحويل تدفق المياه نحو بركة قديمة تقع داخل موقع أثري بالمنطقة".

وفي هذا السياق، أوضح المزارع سعد نمر -الذي يعمل في تلك الأراضي- حجم المعاناة قائلا: إن "إمدادات المياه الخاصة بنا لا تزال مقطوعة حتى هذا اليوم، مما يحرمنا من المياه التي نعتمد عليها كليا لتلبية احتياجات منازلنا، وتأمين سبل عيشنا، وإرواء أراضينا الزراعية".

ووفق الموقع، "كان هذا النبع يمثّل شريان حياة رئيسا لقرية فصايل المستقرة في أراضي غور الأردن الخصبة؛ حيث اعتمد عليه الفلسطينيون جيلا بعد جيل لمساعدتهم في إنتاج غذائهم، وتوفير فرص عملهم".

فضلا عن "التغلب على أزمة تذبذب وانقطاع المياه التي تضخها سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى شبكات منازلهم".

ولفت التقرير إلى أن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ حيث "سارع المستوطنون بعيد السيطرة على النبع إلى الترويج للموقع بوصفه معلما سياحيا إسرائيليا، في حين تعهد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بتقديم دعم مالي للمشروع".

وتعليقا على هذه المستجدات، قال سعد نمر: "إنهم يعملون على إنشاء منتزه ترفيهي كامل حول البركة".

وأوضح التقرير أن "الاستيلاء على مصدر المياه في قرية فصايل يندرج ضمن نمط يصفه الفلسطينيون بأنه إستراتيجية تهدف إلى جعل حياتهم في الضفة الغربية غير قابلة للاستمرار".

في هذا الإطار، نوه التقرير إلى "بيانات الأمم المتحدة التي تفيد بأن مستوطنين إسرائيليين هاجموا ما لا يقل عن 160 موقعا للمياه والصرف الصحي في الأراضي الفلسطينية منذ بداية عام 2026".

وأردف: "كان من المفترض أن تتحول أراضي سعد نمر إلى مساحات عامرة بالباذنجان والكوسا والبطيخ، لكن شحَّ المياه منعه من زراعة أرضه التي أنهكها الجفاف".

وقال نمر: "ألحق بنا المستوطنون، عبر قطع المياه عنا، خسائر كبيرة، وحكموا على العديد من العائلات بفقدان وظائفها ومصادر رزقها".

توسع ضخم

ولم تقتصر التضييقات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدّت لتشمل العنف المباشر؛ حيث أفاد سعد نمر بأن "أحد عماله تعرض للضرب المبرح على يد المستوطنين، في حين تلقى هو شخصيا تهديدات مباشرة لمجرد محاولته الاقتراب من النبع".

في المقابل، عكس حديث المستوطنين قدرا واضحا من التباهي بفرض الأمر الواقع؛ فبحسب التقرير، "أكد يشاي شرايبر، وهو مستوطن يبلغ من العمر 21 عاما وكان قد جاء للسباحة في البركة القريبة من فصايل بعد ظهر أحد أيام أغسطس/ آب، أن الفلسطينيين لن يجرؤوا بعد اليوم على الاقتراب من المنطقة".

وصرح شرايبر: "الآن، عندما يرون هذا الحشد من الناس، وكل هذه المجموعات من اليهود الذين جاءوا إلى هنا للسباحة، فإنهم يخافون من المجيء".

وزعم المستوطن أن "الضفة الغربية ملك للشعب اليهودي، وأنه إذا لم يرغب الفلسطينيون في قبول السلطة اليهودية، فعليهم الرحيل".

في المقابل، أشار التقرير إلى أن "سعد نمر عرض على وكالة رويترز وثيقة ملكية للأرض تعود إلى عام 2025، صادرة عن وحدة كوغات، الوكالة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنفيذ السياسة المدنية في الأراضي المحتلة".

بالإضافة إلى ذلك، "قدم نمر خريطة رُسمت لتسجيل ملكيته عام 1957، قبل الاحتلال، تُظهر أن أرضه كانت تشمل النبع والبركة، فيما لم تستجب كل من كوغات ووزير المالية سموتريتش لطلبات التعليق".

وفي سياق متصل، ذكر الموقع أن "الحكومة الإسرائيلية الائتلافية ذات التوجه اليميني المتطرف أشرفت على توسع استيطاني ضخم، وهو ما يعبر عنه سموتريتش صراحة بوصفه وسيلة لدفن فكرة إقامة دولة فلسطينية".

ولفت إلى أنه "منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شهد الفلسطينيون تصاعدا ملحوظا في عنف المستوطنين".

حملة ممنهجة

ويقدر فارس فقها، وهو باحث فلسطيني ميداني، أن "المستوطنين باتوا يسيطرون على 95 بالمئة من مصادر المياه في شمال غور الأردن، الأمر الذي أدى إلى تهجير تجمعات سكانية".

من جانبه، يقول المسؤول في سلطة المياه الفلسطينية، عادل ياسين: "أرى في ذلك حربا على المياه. إنها الرصاصة الصامتة التي تقتل الفلسطينيين من دون صوت".

وبحسب ياسين، "يستهدف المستوطنون مصادر المياه في إطار حملة منهجية تهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم".

وتبين الوقائع على الأرض صحة ما ذهب إليه ياسين، إذ أشار التقرير إلى أنه "في مطلع يونيو 2026، نشر إلياف ليبي، أحد قادة المستوطنين الذي تفرض كندا ودول أخرى عقوبات عليه، مقطع فيديو يظهر البركة وهي تمتلئ بالمياه".

وعقّب الموقع: "يدّعي ليبي ومستوطنون آخرون أن هذه البركة كانت تعود إلى الملك اليهودي في العصر التوراتي هيرودس".

واستدرك: "غير أن ألون أراد، وهو عالم آثار من منظمة (عيمق شافيه) الإسرائيلية المناهضة لتسييس علم الآثار، قال: إن أصل البركة لا يزال غير محسوم".

وقال ألون أراد: "نلاحظ في حالات كثيرة استخدام علم الآثار لخلق انطباع بأن الضفة الغربية يهودية حصرا". مضيفا أن المستوطنين يلحقون أضرارا بموقع أثري عبر ملئه بالمياه.

فيما أشار الموقع إلى "وجود لافتة خارج البركة تفيد بتخصيص سموتريتش، أحد أبرز مهندسي التوسع الاستيطاني، استثمارا بقيمة 3 ملايين شيكل، أي ما يعادل نحو مليون دولار، للمشروع".

ووفق التقرير، "كان سموتريتش قد قال في منشور على (تليغرام): إن هذه الأموال مخصصة لترميم وتطوير (برك هيرودس)، التي لا يستفيد منها سوى العائلات الإسرائيلية".

ويقصد بـ"برك هيرودس" الموقع الذي يضم البركة القديمة الواقعة داخل موقع أثري قرب فصايل، والتي يسعى المستوطنون إلى تطويرها وتحويلها إلى وجهة ترفيهية وسياحية إسرائيلية.

في المقابل، “لم يتبق للفلسطينيين سوى عدد ضئيل جدا من الينابيع الطبيعية التي يمكنهم الوصول إليها، ومنها نبع يقع قرب مدينة نابلس في منطقة وادي الباذان”. قال الموقع.

وأكمل: "وفي يوليو/ تموز 2026، كانت عائلات تتنزه هناك وتستمتع بالمياه، لكن رغم ندرة اقتحامات المستوطنين لمصادر الوادي في السابق، فقد تزايدت خلال هذا الصيف".

وقال نظام فارس، مالك متنزه للينابيع الطبيعية في الباذان: "أصبح الناس خائفين ومتوترين، يأتون ويسألون عما إذا كان المستوطنون سيصلون إلى هنا أم لا".