الموانئ والنفط والطرق.. هل تتنافس السعودية وتركيا والإمارات على النفوذ في سوريا؟

اتفقت حكومات الأردن والسعودية وسوريا وتركيا في أبريل ويونيو/حزيران على إعادة تطوير خط سكة حديد الحجاز
مع كل ناقلة نفط تعبر أراضيها، ومع كل صفقة امتياز في موانئها، تستعيد سوريا تدريجيا موقعها في الحسابات الجيو-اقتصادية للمنطقة، مع تزايد الرهان عليها كممر بديل للتجارة بعيدا عن مضيق هرمز، وسط تنافس سعودي تركي إماراتي على الممرات والنفوذ.
في هذا السياق، ذكرت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، أن قافلة من 299 صهريج وقود عراقي عبرت إلى سوريا في مطلع أبريل/نيسان 2026 في طريقها إلى ميناء بانياس المتوسطي، بوصفه أحد المسارات القليلة المتبقية نحو الأسواق الدولية وسط إغلاق مضيق هرمز.
وفي مقال مشترك للباحثين جيسي ماركس ونيكولاس لايل، أوضحا أنها المرة الأولى التي يعبر فيها النفط العراقي سوريا بصورة قانونية منذ عام 2003، حين أدى الغزو الأميركي للعراق إلى إغلاق تدفق النفط عبر الحدود من العراق إلى سوريا.
وأشار المقال إلى أن العراق وسّع المسار، في أواخر أبريل/نيسان، بإعادة فتح معبر ربيعة الشمالي مع سوريا، بعد إغلاق دام أكثر من عقد خلال الحرب السورية. مضيفا أن أكثر من 2.1 مليون طن من الوقود العراقي انتقلت إلى الساحل السوري بين أبريل/نيسان وأواخر يوليو/تموز.
وأورد الباحثان أن سوريا كانت قبل اندلاع الحرب عام 2011 ملتقى تجاريا بين العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، يربط دول الخليج بالأسواق الأوروبية، قبل أن تتحول بعد 2011 إلى نوع مختلف من مراكز العبور.
ولفت المقال إلى أن التجارة آنذاك باتت تهيمن عليها الأسلحة الإيرانية والدعم اللوجستي، في طريقها إلى حزب الله في لبنان، إلى جانب الوقود والمخدرات وتجارة غير مشروعة ملأت خزائن الرئيس المخلوع، بشار الأسد، دون أن تعود بنفع يذكر على السوريين.
وذكر الباحثان أنه بعد إطاحة "هيئة تحرير الشام" بنظام الأسد أواخر عام 2024، بدأت التجارة الإقليمية تعود تدريجيا؛ إذ عبر إلى سوريا نحو 327 ألف شاحنة تحمل أكثر من 7 ملايين طن من البضائع بحلول أغسطس/آب 2025، وفق تقديرات الجمارك السورية.

عودة الممرات
وأوضح المقال أن الأردن وقطر والسعودية وتركيا بدأت تطبيع علاقاتها ومزاولة نشاطها في سوريا، وأن سلطات دمشق الجديدة تحركت سريعا لاستعادة صلات البلاد بشركاء إقليميين ودوليين، بهدف إنهاء العزلة الاقتصادية.
ورأى الكاتبان أن هذا، على أهميته، لا يكفي لإعادة إعمار البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب؛ إذ قدّر البنك الدولي عام 2025 كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المقدّر لسوريا عام 2024.
وأضاف المقال أن قادة سوريا يضعون البلاد الآن في موقع المستفيد من تجدد الاضطراب الإقليمي؛ إذ تكاثرت فرص الاستثمار الأجنبي الجديد منذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير/شباط 2026.
وأشار الباحثان إلى أن دولا عديدة تتجه نحو سوريا لتنويع مسارات التجارة البرية والبحرية، في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مضيق هرمز والاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد يترتب عليه من تداعيات في حال تصاعد التوتر مع إيران.
وأوضح المقال أن السلطات السورية تستغل التدفق المحتمل لرأس المال والتجارة لخلق مصدر جديد للإيرادات، بما يتيح للدولة إعادة رسم صورة البلاد، من مصدر للاجئين والإرهاب والفوضى الإقليمية إلى قوة عبور تؤدي دورا مهيمنا في الربط الإقليمي.
واستدرك بأن سرعة الاستثمار وحجمه قد يفوقان قدرة المؤسسات اللازمة لإدارته، محذرين من أن اندفاع الاستثمار الذي يبدو واعدا الآن قد يزعزع التعافي الهش إذا لم يخضع لتدقيق سليم أو يوزّع بإنصاف.
وذكر أن الحاجة إلى عبور أفضل وأكثر تنوعا عبر الشرق الأوسط ليست جديدة، لكن الحرب السورية جعلت العبور عبر البلاد متعذرا نحو 15 عاما. مشيرا إلى أن الصادرات السورية تراجعت بنحو 90 بالمئة بين عامي 2010 و2021.

سكة الحجاز
وأوضح الباحثان أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز جعل توسيع هذه المشاريع أكثر إلحاحا؛ إذ اتفقت حكومات الأردن والسعودية وسوريا وتركيا في أبريل ويونيو/حزيران على إعادة تطوير خط سكة حديد الحجاز خلال ثلاث إلى أربع سنوات.
ونقل المقال عن تحليلات لممرات سكك حديدية إقليمية مماثلة، منها تحليل للمجلس الأطلسي، تقديرها أن السكة قد تنقل مبدئيا نحو 1.5 مليون حاوية سنويا، مرشحة للارتفاع إلى ثلاثة ملايين مع توسيع طاقة الخطوط والموانئ.
وأشار الكاتبان إلى أن هذا المقترح ينسجم مع رؤية عامة طرحها الرئيس السوري، أحمد الشرع، في قمة أوروبية غير رسمية في أبريل/نيسان، لمبادرة "أربعة بحار وتسعة ممرات" تضع سوريا في قلب شبكة تربط الخليج وبحر قزوين والبحر الأسود والمتوسط، وتيسّر تجارة السلع والكهرباء والنفط برا وبحرا.
وأورد المقال أن العراق وسوريا اتفقا في يوليو على إعادة تأهيل خط أنابيب النفط كركوك-بانياس، الذي دُمّر خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لإيجاد منفذ متوسطي دائم للنفط العراقي.
وأضاف الكاتبان أنه إذا دخل الخط الخدمة ضمن مهلته المقدرة بأربع سنوات، فقد ينقل مليوني برميل يوميا بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحو 60 بالمئة من صادرات العراق النفطية قبل الحرب مع إيران، وما يقدر بنحو 9 بالمئة من إجمالي النفط الذي كان يمر عبر مضيق هرمز.

تنافس على النفوذ
ورأى المقال أن هذه الاتجاهات ليست مضمونة لتحسين حظوظ السوريين الاقتصادية والسياسية، فرغم أن الموقع الجغرافي يمنح سوريا نفوذا جيوسياسيا لدى أطراف أجنبية تسعى لتنويع مسارات تصديرها، فإنه يضعها أيضا في قلب تنافسات ناشئة.
وأوضح الكاتبان أن هذا التنافس يتجلى في اصطفاف السعودية وتركيا في الملف الأمني، وتنامي الدور التجاري الإماراتي في الموانئ والخدمات اللوجستية، ومحاولة إسرائيل منع تركيا من تثبيت نفوذها قرب حدودها.
وحذّر المقال من أن التنافس على تمويل هذه الممرات وتشغيلها وحمايتها قد يجرّ سوريا إلى صراعات هي ليست مستقرة بما يكفي لاحتمالها، مضيفا أن دمشق حاولت الحد من هذا الانكشاف بالعمل مع كل قوة مستعدة لدعم إعادة إعمارها واندماجها.
وأشار الكاتبان إلى أن هذه القوى تضم قطر والسعودية وتركيا والإمارات والولايات المتحدة، إلى جانب الصين وروسيا، لكن تنفيذ هذه الإستراتيجية يصبح أكثر تعقيدا بمرور الوقت؛ إذ يدفع نفوذ أبرز الداعمين الماليين لدمشق بها تدريجيا نحو التقارب مع قطر والسعودية وتركيا.
ولفت المقال إلى أنه إذا نما التنافس على الممرات أسرع من قدرة سوريا على إدارته، فقد تقع البلاد ضحية سيطرة أجنبية أكبر واستنزاف لمواردها.
ورأى الكاتبان أن إسرائيل قد تشكّل أيضا عقبة كبيرة أمام عودة سوريا ممرا موثوقا للتجارة؛ حيث إن نجاح إعادة بناء سكة الحجاز سيقلل أهمية إسرائيل في ممر "الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" وبوابة متوسطية للدول العربية، وهو ما قد تحاول مقاومته.
وأورد المقال أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حذّر في فبراير/شباط مما وصفه بـ "محور سنّي راديكالي ناشئ" مع اقتراب سوريا من قطر والسعودية وتركيا.
فيما حذّرت وزيرة المواصلات الإسرائيلية، ميري ريغيف، في يونيو/حزيران من أن شراكات التجارة والطاقة الإقليمية المصممة لتجاوز إسرائيل تمثل "تهديدا إستراتيجيا حقيقيا للأمن القومي".
وذكر الكاتبان أن إسرائيل أثبتت استعدادها لاستخدام القوة ضد تلك الدول، إذ قصفت مجمعا لحماس في الدوحة عام 2025، ونفّذت هجمات واسعة عبر سوريا، من بينها ضربات على قواعد جوية كانت فرق عسكرية تركية تعاينها تمهيدا لانتشار في سوريا، واستولت على أراض إضافية في الجنوب.
وأضاف المقال أن إسرائيل ضربت قاعدة أبو الظهور الجوية السورية في أغسطس/آب 2026، بزعمها أن دمشق كانت تستعد للسماح بانتشار تركي هناك بهدف "الإضرار بإسرائيل"، على حد قول وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.
وختم الكاتبان بأن دمشق، العاجزة عن تحمّل حرب مع إسرائيل، تجنبت الرد العسكري وسعت إلى انسحاب إسرائيلي عبر مشاركتها في مفاوضات برعاية أميركية، محذرين من أن هذا النهج المتوازن قد لا يردع إسرائيل عن توسيع احتلالها لأراض سورية أو استهداف بنى تحتية تُعدّ حيوية لتعافي سوريا.

















