من تحالف دفاعي إلى فرصة لطهران.. كيف تستفيد إيران من اتفاق مكة؟

"ضبط النفس الإستراتيجي الخيار الأفضل أمام طهران"
بين أسوار مكة المكرمة، حيث أُبرم الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا، قد تكمن فرصة لم تحسب طهران حسابها بعد، لإعادة رسم موقعها في التوازنات الإقليمية الجديدة.
هكذا يقرأ الباحث الباكستاني قمر شيما، المدير المؤسس والتنفيذي لمعهد "سانوبر" في إسلام آباد، المشهد الإقليمي الراهن.
ورأى شيما، في مقال نشرته مجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية، أن اتفاق مكة قد يشكل فرصة لإيران أكثر مما يشكل تهديدا لها.
ليس تحالفا ضد إيران
ويُعد اتفاق مكة، بحسب شيما، واحدا من أبرز التطورات التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط منذ الاضطرابات التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ورغم طابعه الدفاعي، فإن الاتفاق الذي يُنشئ التزاما بالدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا قد تكون له تداعيات كبرى على ميزان القوى الإقليمي.
ويتوقف الكثير على الطريقة التي يحدد بها الموقعون التهديدات التي يتعيّن مواجهتها، وبشكل أكثر أهمية على ردة فعل لاعبين إقليميين آخرين، وفي مقدمتهم إيران وإسرائيل، تجاه نشأته.
ورغم أن الاتفاق وُلِد في خضمّ المواجهة الأميركية الإيرانية المستمرة، رأى شيما أنه لا ينبغي تفسيره على أنه تحالف مناهض لإيران صراحة، بل إن لدى طهران أسبابا وجيهة للنظر إليه بإيجابية.
وأشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى أن التحضيرات للاتفاق كانت جارية منذ أكثر من عامين.
وأُبرمت اتفاقية الدفاع المشترك الإستراتيجي بين الرياض وإسلام آباد في غضون أسابيع من الهجوم الإسرائيلي على قطر عام 2025، وربما كانت من العوامل التي عجّلت بإبرامها جزئيا.
وفي الوقت نفسه، طرحت مصر، بحسب تقارير، مقترحا لإنشاء منظومة دفاعية إقليمية على غرار حلف الناتو.
ويرى شيما أن هذه التطورات مجتمعة تشير إلى أن "إيران ليست هدف اتفاق مكة".
ولفت إلى أن هذا التمييز مهم لفهم موقف إيران؛ إذ كان من بين أهداف إستراتيجية طهران الحربية إثبات أن الوجود العسكري الأميركي يمكن أن يتحول بذاته إلى مصدر لانعدام الأمن لدى دول المنطقة.
وأضاف أنه إذا نجحت إيران في تحقيق هذا الهدف، فمن المرجح أن تلجأ تلك الحكومات إلى ترتيبات أمنية بديلة، ومن ثم، فإن بروز أطر دفاعية إقليمية جديدة لا يعني بالضرورة فشل الإستراتيجية الإيرانية.
وأبدت إيران حتى الآن تفاؤلا حذرا تجاه الاتفاق، فقد قال متحدث باسم وزارة الخارجية: إن أي خطة "تستند إلى الحقائق الجيوسياسية والتاريخية للمنطقة، وتكون شاملة وجامعة، وتحدد العدو والتهديد بشكل صحيح، يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن ومنع زعزعة الاستقرار والتجاوزات التي يرتكبها العدو الصهيوني وحلفاؤه".
وبحسب المقال، فإن لدى طهران حوافز قوية لمواصلة النظر إلى اتفاق مكة بعقل منفتح؛ إذ فتح التحالف أبوابه أمام "جميع الدول الشقيقة" الساعية إلى "سلام واستقرار دائمين"، ما يعني وجود احتمال لانضمام طهران إليه يوما ما.
واستدرك شيما بأن هذا الاحتمال ليس بعيد المنال كما قد يبدو، فإيران سبق أن أبدت انفتاحا على المشاركة في اتفاقية الدفاع المشترك الإستراتيجي.
وأضاف أنه "لو كانت طهران مستعدة للدخول في تحالف مع السعودية، فستكون أقل ترددا في القيام بذلك حين تكون تركيا طرفا فيه أيضا، نظرا لدور أنقرة في إحباط تسلل كردي مدعوم إسرائيليا إلى إيران هذا العام 2026".
وذكر شيما أن تركيا وباكستان تربطهما بإيران روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة؛ إذ لا تزال السردية الإقليمية الإيرانية الأوسع تجد صدى، ولو بدرجة ما، داخل مجتمعيهما.
وتابع أن هذه الروابط لا تمحو الخلافات القائمة، لكنها تشير إلى أن كلا البلدين لن يتحول بين عشية وضحاها إلى خصم عنيد لإيران.
وأكد شيما أن أمام "الإستراتيجيين الإيرانيين خيارا واضحا، فعلى طهران أن تستمر في الامتناع عن التعامل مع الاتفاق بوصفه تحالفا مناهضا لطهران، كما فعلت حتى الآن".
وأوضح أن اتباع نهج براغماتي من شأنه أن يبقي احتمال الانخراط الإيراني في البنية الأمنية الإقليمية الناشئة قائما، وأنه إذا أثمرت الدبلوماسية الأميركية الإيرانية في نهاية المطاف اتفاقا نوويا شاملا، فقد تتراجع كثير من عقبات مشاركة إيران في الترتيبات الإقليمية.
وحذّر من أن البديل هو التعامل مع الاتفاق بوصفه مشروعا معاديا لإيران بطبيعته، وهو رد فعل قد يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها.
وأضاف أن التحالف سيضطر عندها إلى تنظيم دفاعه الجماعي صراحة حول التهديد الإيراني، فيما تخاطر إيران بفقدان حسن التعاطف الشعبي في العالم الإسلامي الأوسع، ما يجعل ضبط النفس الإستراتيجي الخيار الأفضل أمام طهران.

عامل إسرائيل
وبيّن شيما أنه من الناحية العملية، قد تحتاج إيران فقط إلى الانتظار حتى تتغير الظروف لصالحها.
وأشار إلى أنه عقب عملية حماس في 7 أكتوبر، اكتسبت عقيدة إسرائيل الأمنية نزعة استباقية غريبة نوعا ما تجاه أنقرة؛ إذ باتت التهديدات تُواجه حتى قبل اكتمال تبلورها.
وأضاف أن مسؤولين إسرائيليين سابقين دأبوا على وصف تركيا بـ"إيران الجديدة" منذ سقوط نظام الأسد في سوريا، وهي سردية تثير احتمال انتقال التنافس الإستراتيجي الإقليمي تدريجيا من مواجهة إسرائيلية إيرانية إلى تنافس أكثر تعقيدا يشمل إسرائيل وتركيا.
ولفت شيما إلى أن مصلحة تركيا في استقرار سوريا وتوغلات إسرائيل داخل الأراضي السورية قد تضعهما في نهاية المطاف على مسار تصادمي.
وأضاف أن إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بـ "مناطق أمنية" في عدد من الدول المجاورة، بما فيها لبنان، يكشف بدوره عن ممانعة الكيان في التكيف مع الآخرين.
وحذّر من أن السياسات الإسرائيلية الرامية إلى استباق التهديدات المستقبلية قد تفضي، مع الوقت، إلى نتيجة عكسية، بدفعها نحو مزيد من التنسيق بين الدول التي تكبّلها القوة الإسرائيلية.
ورأى شيما أن إيران تقف لتستفيد من هذه الديناميكية، فشبكتها الإقليمية القائمة لم تعد قادرة على مواجهة النفوذ الإسرائيلي بفعالية.
وأضاف أنه إذا كبح ترتيب إقليمي جديد تدريجيا حرية الحركة الإسرائيلية، فقد تكسب طهران هامشا إستراتيجيا إضافيا من دون الحاجة إلى مواجهة إسرائيل مباشرة، ما يجعل لها مصلحة قوية في السماح بتطور التحالفات الإقليمية.
ويمكن للتوسع المحتمل لاتفاق مكة أن يعزز هذا الاتجاه؛ إذ أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى أن مصر قد تنضم إلى الاتفاق.
وأضاف شيما أن "تاريخ مصر مع إسرائيل، إلى جانب تنافس المصالح بين تركيا وإسرائيل في شرق المتوسط، قد يدفع الأخيرة في نهاية المطاف إلى النظر لاتفاق مكة الموسّع بوصفه آلية احتواء إستراتيجي، وهو تصور يحمل مخاطره الخاصة".
وأوضح أنه إذا اختارت إسرائيل موازنة هذا التوسع، كما يُرجّح أن تفعل، فقد يقع كل من إسرائيل والتكتل ضحية لمعضلة أمنية.
وتابع أن إسرائيل ستسعى عندها إلى شراكات أمنية إقليمية أكثر رسوخا، مع أرض الصومال والهند مثلا، فيما قد ترد دول اتفاق مكة بتعزيز ترتيباتها الدفاعية الجماعية وتوسيعها.
ورأى شيما أن هذا التطور قد يفتح فرصا أمام طهران، فإذا اضطرت إسرائيل إلى إدارة مجموعة أوسع من التنافسات الإقليمية، ستحظى إيران بحيز إستراتيجي أكبر.
وأضاف أن المنطق هنا لا يقتصر على أن عدو إيران يصبح حليفها، بل إن توازنا إقليميا أكثر تعقيدا قد يحد من قدرة إسرائيل على تركيز مواردها الإستراتيجية على إيران، ويجعل التفاهم مع طهران خيارا أكثر جاذبية مع الوقت.

لحظة الحقيقة
غير أن شيما استدرك بأن لحظة الحقيقة قد تأتي أسرع من المتوقع، مشيرا إلى أن هجمات الحوثيين على السعودية قد تضع إيران في نهاية المطاف في مواجهة مباشرة مع أعضاء اتفاق مكة.
وأضاف أنه حتى في هذه الحالة، لا يملك أي طرف حافزا واضحا لاختبار التزام التحالف بالدفاع المشترك، فإيران إذا اختبرت الاتفاق عمدا عبر تشجيع ضربات الحوثيين، قد تعجّل ببروز موقف أمني معلن مناهض لإيران.
وتابع أن السعودية إذا احتكمت إلى الاتفاق ردا على هجوم، فقد يكشف ذلك حدود التحالف السياسية ويحدد عتبات العمل العسكري الجماعي.
ورأى شيما أن باكستان وتركيا قد تدفعان السعودية فعليا نحو ضبط النفس، فكلا البلدين أظهر تفضيلا للإدارة الدبلوماسية للأزمات الإقليمية.
وأضاف أن دبلوماسيتهما لعبت دورا مهما في منع تحول السعودية إلى طرف مباشر في النزاع الأميركي الإيراني عقب هجمات إيرانية على منشآت سعودية.
وحتى ضمن إطار اتفاقية الدفاع المشترك الإستراتيجي، لم تدخل باكستان الحرب تلقائيا، بل شدّدت على خفض التصعيد، ما يعني أن مشاركتهما في اتفاق مكة قد تشكل حاجزا دبلوماسيا لا عامل تصعيد.
وخلص شيما إلى أن هذا المزيج من الردع وضبط النفس قد يفتح مجالا لترتيبات مقبولة من الطرفين بشأن الملف الحوثي.
وختم بالقول: إنه حتى لو كانت إيران عازمة على تحقيق الصدارة الإقليمية، فإن المواجهة لا تخدم مصالحها، ومن ثم قد يكون لديها من الأسباب ما يدفعها للترحيب باتفاق مكة أكثر مما يدفعها لتخشاه.
وعلى هذا أكد أن "ما سيقرره إستراتيجيو إيران هو ما سيرسم ملامح البيئة الإستراتيجية المستقبلية للمنطقة".


















