عقيدة "الوطن السيبراني".. كيف تبني تركيا سيادة سيبرانية تهدد إسرائيل؟

"يتعين على إسرائيل تجنب التعامل مع العقيدة التركية باعتبارها مجرد تصور نظري"
يمثل مفهوم "الوطن السيبراني" التركي، الذي صيغ للمرة الأولى من الناحيتين اللغوية والعقائدية في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وحظي بتبن صريح من الرئيس رجب طيب أردوغان، ذروة ثلاثية إستراتيجية بدأت بـ"الوطن الأزرق"و"وطن السماء".
وبحسب معهد "دراسات الأمن القومي العبري"، تعبر هذه العقيدة عن تصور للفضاء السيبراني بصفته إقليما وطنيا، ففي حين يسود في العالم الغربي تصور للفضاء السيبراني بصفته كيانا موزعا يضم طبقات منطقية ومجردة من الشيفرات والمعلومات، فإن التصور التركي يُرسي "تحديدا إقليميا" متعمدا لهذا الفضاء".
"إذ يُركز على النظام البيئي المادي والتنظيمي الذي يتكون من بنى تحتية ملموسة كالخوادم ومراكز البيانات والألياف الضوئية، والواقعة داخل حدود الدولة"، وفق تحليله.
وفي الوقت ذاته، يشدد المعهد على "تطبيق أنقرة لمفهوم السيادة بمعناه التقليدي، أي السلطة الحصرية للدولة في سن القوانين وإنفاذها ومنع التدخل الخارجي".
ويرى أن "الجمع بين المفهومين يؤدي إلى إنشاء عقيدة "السيادة السيبرانية"، التي تنقل منطق حماية الحدود التقليدية إلى أصول الحوسبة الوطنية، ويترجم ذلك إلى إجراءات عملية مثل توطين البيانات والاكتفاء الذاتي التكنولوجي".
في هذا السياق، أشار المعهد إلى أن "السياسة الوطنية وخطة العمل للأمن السيبراني (2024-2028)، وإنشاء مديرية الأمن السيبراني في يناير/ كانون الثاني 2025، وسن القانون رقم 7545 في مارس/ آذار 2025، تشكل مرحلة مهمة في إضفاء الطابع المؤسسي على عقيدة الوطن السيبراني".
من هنا، تبحث هذه الدراسة في "الأحداث التي تشير إلى أن تركيا تحرز تقدما تدريجيا نحو عملية "فك الارتباط السيادي"، تنتقل خلالها من حالة الاعتماد على التكنولوجيا الغربية وإطار حلف شمال الأطلسي إلى بناء قدرة سيبرانية مستقلة وإقامة قوة سيبرانية إقليمية، قادرة على عزل فضائها الرقمي عن التأثير الأجنبي، وفي الوقت نفسه إسقاط قوة رقمية غير متماثلة إلى ما وراء حدودها".
وتنبع أهمية هذه الدراسة من أن هذه التطورات تحمل تداعيات واسعة على الأمن الإقليمي، لا سيما بالنسبة إلى إسرائيل واليونان وقبرص، فضلا عن تأثيرها في قدرة حلف شمال الأطلسي على العمل المشترك، وهو ما يستدعي تقييما إستراتيجيا دقيقا.
بنية عقائدية
وينظر المعهد إلى "مفهوم "الوطن السيبراني" بوصفه امتدادا لعقيدة أمن قومي تركية متكاملة توسع مفهوم "الوطن" من حدوده الإقليمية التقليدية إلى مجالات جديدة للسيادة".
وبحسبه، "يأتي هذا المفهوم ضمن ثلاثية تضم "الوطن الأزرق"و"وطن السماء"و"الوطن السيبراني"؛ حيث تعكس كل منها مطالبة تركية أحادية الجانب بالسيادة على مجال بحري أو جوي أو رقمي".
وأشار إلى أن "هذه التصورات نشأت في سياق تصاعد النزعة التركية الإقليمية، لا سيما على خلفية النزاعات البحرية والجوية مع اليونان في بحر إيجه وشرق المتوسط".
ووفقا له، "تعود بداية هذه التصورات للأدميرال المتقاعد جيم غورديز الذي صاغ مفهوم "الوطن الأزرق" عام 2006، بصفته شاملا للمياه الإقليمية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة في البحار الأسود وإيجه والمتوسط، بينما وسع "وطن السماء" هذه الرؤية إلى المجال الجوي، مع اعتماد الطائرات المسيرة المحلية كطبقة حماية فوق (الوطن الأزرق)".
أما "الوطن السيبراني"، فيرى المعهد أنه "ينقل منطق حماية الوطن إلى الفضاء الرقمي، بعدّ الشبكات والبيانات والبنى التحتية الوطنية جزءا من السيادة، لا جزءا من فضاء سيبراني عالمي مفتوح بلا حدود".

في هذا الإطار، "شدد الرئيس رجب طيب أردوغان على أن الدفاع عن الوطن يجب أن يمتد ليشمل المجال السيبراني، بما يجعل التقنيات والبنى الرقمية الأجنبية مصدرا محتملا للاختراق أو النفوذ الخارجي".
ومن ثم، أوضح المعهد أن "الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني للفترة 2024-2028 تُضفي الطابع الرسمي على هذا التحول من حماية الشبكات إلى السيادة السيبرانية الفاعلة".
وتُبرز الوثيقة الرسمية ستة أهداف إستراتيجية: المرونة السيبرانية، والدفاع السيبراني الفعال، والأمن السيبراني الذي يركز على العنصر البشري، والاستخدام الآمن للتكنولوجيا، ومكافحة التهديدات التكنولوجية الوطنية والمحلية، والتعاون الدولي لتعزيز مكانة تركيا العالمية.
علاوة على ذلك، أشار المعهد إلى أن "الإستراتيجية تفرض على القطاعات المدنية والحيوية الاعتماد على التكنولوجيا المحلية، وتضع الأمن السيبراني تحت سيطرة رئاسية مباشرة ومركزية بصفته قضية أمنية وجودية".
وهكذا، تقدر الدراسة أن "مفهوم "الوطن السيبراني" أصبح ركنا أساسيا في منظومة الدفاع متعددة الأبعاد لتركيا، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الإقليمي، ومدى التوافق العملياتي مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتنافس بين القوى الكبرى في المجال السيبراني".
وأشار المعهد إلى أن "انتقال تركيا إلى مفهوم السيادة السيبرانية النشطة لم يظهر من فراغ، بل جاء نتيجة مسار امتد لنحو عقدين من التطورات المؤسسية والقانونية والإستراتيجية".
وقال: "بدأت الجهود في أواخر تسعينيات القرن العشرين، عندما أنشأت تركيا عام 1997 وحدة لأمن أنظمة المعلومات داخل مجلس البحث العلمي والتكنولوجي، ركزت على وضع معايير أمنية للبنى التحتية الحيوية".
وتابع: "ثم توسع الإطار القانوني والمؤسسي خلال العقد التالي، مع قانون التوقيع الإلكتروني عام 2004، وإنشاء هيئة مركزية للإشراف على محتوى الإنترنت عام 2006، وبدء العمل عام 2008 على إنشاء هياكل وطنية للاستجابة لحوادث أمن الحاسوب".
فيما "شهدت الفترة بين 2010 و2012 انتقال الأمن السيبراني إلى صلب منظومة الأمن القومي، مع إدراجه ضمن وثائق الأمن الوطني، وتوقيع تركيا اتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وتنظيم أول تمرين سيبراني وطني عام 2011، وإنشاء مؤسسة متخصصة لتعزيز البحث والتطوير والاستشارات الحكومية في مجال الأمن السيبراني عام 2012".
وأردف: "وبين 2013 و2016 تبلور أول إطار وطني شامل، مع إطلاق أول إستراتيجية وطنية للأمن السيبراني وإنشاء مركز وطني للاستجابة للحوادث، وإلزام المؤسسات العامة والجهات الحيوية بتشكيل فرق متخصصة للاستجابة للحوادث".
بدوره، أوضح المعهد أن "الجيش التركي أسس قيادة للدفاع السيبراني عام 2013، بما عكس انتقال التعامل مع التهديدات السيبرانية من المجال المدني إلى العقيدة العسكرية بصفتها جزءا من الحرب الهجينة".
ومن ثم، تقدر الدراسة أن كل تلك التطورات "مهدت المسار للإستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني للفترة 2024-2028".
وبحسب تقديرها، "يعكس هذا المسار استعداد أنقرة لتحمل كلفة محتملة نتيجة الاعتماد على التقنيات المحلية، مقابل ضمان الاستقلال التشغيلي وعدم الارتهان لدول أخرى".
بشكل عام، ترى الدراسة أن "هذه التطورات ترسخ التحول من الدفاع الشبكي التفاعلي إلى الدفاع السيادي الاستباقي في الفضاء الرقمي، حيث يُنظر إلى الاعتماد التكنولوجي الأجنبي على أنه نقطة ضعف محتملة، مع إعطاء الأولوية للبدائل المحلية للحفاظ على استقلالية البنية التحتية وتوطين البيانات".
ووفق وجهة نظرها، "يؤكد هذا الإطار التاريخي أن الموقف الاستباقي الحالي لتركيا هو ثمرة نضج سياسي متسق، يتماشى تماما مع مبدأ "الوطن" الذي يقوم على السيادة الشاملة متعددة الأبعاد".
استقلال تكنولوجي
وفي تأكيد على المكانة التي يحظى بها مفهوم "الوطن السيبراني" في دوائر صنع القرار التركية، لفت المعهد إلى أن "البنية المؤسسية التي تقوم عليها عقيدة "الوطن السيبراني" تمثل انتقالا من الإشراف الوزاري على الأمن السيبراني إلى سيطرة رئاسية مباشرة".
وعقّب المعهد: "بهذا التحول، لم يعد الأمن السيبراني شأنا تقنيا أو متعلقا بالبنى التحتية المدنية فحسب، بل أصبح قضية أمنية وجودية، حيث يجرى التعامل مع التهديدات الرقمية بصفتها مساسا بالسيادة وسلامة الدولة، على غرار التهديدات التي تستهدف أراضيها".
ووفقا له، "تعزز هذا التحول بقانون الأمن السيبراني الصادر في مارس/آذار 2025، الذي فرض التزامات مشددة على المؤسسات والشركات ومشغلي البنى التحتية الحيوية، وألزمهم بالإبلاغ عن الحوادث واستخدام منتجات وخدمات معتمدة مع إعطاء الأولوية للتكنولوجيا المحلية".
فضلا عن ذلك، "منح القانون السلطات صلاحيات واسعة للتفتيش وفرض العقوبات، واشترط موافقة رئاسية على بعض عمليات شركات الأمن السيبراني وتصدير منتجاتها، مع إنشاء مجلس للأمن السيبراني لتنسيق السياسات".
وبحسب تحليله، "يعكس هذا التحول تغيرا في طبيعة العقيدة العسكرية، إذ لم تعد تركيّا تنظر إلى الفضاء السيبراني كساحة دفاعية فقط، بل بصفته بعدا عملياتيا يمكن أن يؤثر مباشرة في ساحة القتال".
وتابع موضحا: "إذ يمكن للهجمات على شبكات القيادة والسيطرة وأنظمة الاستشعار والبنى التحتية لمعالجة البيانات أن تعطل القدرات العملياتية للخصم حتى من دون إحداث أضرار مادية مباشرة".
في هذا السياق، أشارت الدراسة إلى أن "إستراتيجية تركيا في تطبيق عقيدة "الوطن السيبراني" تتجاوز الإطار النظري والمركزي المؤسسي، لتتجه نحو تحقيق استقلال تكنولوجي يهدف إلى بناء منظومة أمن سيبراني مغلقة تعزل البنى التحتية الحيوية والشبكات العسكرية وتدفقات البيانات الوطنية عن الاعتماد الخارجي".
وعزت ذلك إلى أن أنقرة "ترى في الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية مدخلا أمام التدخل الخارجي أو الأبواب الخلفية أو وسائل التعطيل، ولذلك تسعى إلى تحويل سلسلة الإمداد التكنولوجية من مصدر محتمل للضعف إلى عنصر من عناصر السيادة الوطنية".
ووفق المعهد، "تستند هذه السياسة إلى إعطاء الأولوية للتقنيات المحلية والوطنية، وهو توجه نصت عليه الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني للفترة 2024-2028 بصفته أحد أهدافها الستة، من خلال تقليص الاعتماد على الخارج وتطوير حلول وطنية في مختلف القطاعات".
واستطرد: "تأمل أنقرة تحقيق ذلك من خلال تطوير بيئات حوسبة سحابية آمنة ذات طابع سيادي، تقودها شركات الصناعات الدفاعية التركية، وتدعم شبكات مشفرة ومعزولة للقيادة والسيطرة والاستخبارات ومعالجة البيانات".
وأضاف أن "هذه الفلسفة تظهر أيضا في مشروع "القبة الفولاذية"، وهي منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تعتمد على رادارات وصواريخ وأنظمة حرب إلكترونية محلية الصنع".
وأردف: "يعكس المشروع رغبة تركيا في السيطرة على مختلف مكونات منظوماتها الدفاعية وتقليل مخاطر الاعتماد على سلسلة الإمداد الغربية".
واستطرد: "كما تعززت هذه السياسة من خلال عقود بقيمة 6.5 مليارات دولار وقعت مع شركات تركية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 لتطوير المنظومة، إلى جانب اختبار النسخة المطورة من نظام الحرب الإلكترونية "كورال" في نهاية العام نفسه بهدف التشويش على إشارات تحديد المواقع والاتصالات".
في غضون ذلك، ذكرت الدراسة أن "مفهوم الدرع المحلي امتد أيضا إلى البنية التحتية الرقمية نفسها، لا سيما منظومة إصدار الشهادات الإلكترونية الوطنية التي تديرها مؤسسات تركية حكومية".
وأوضحت أنه "من خلال امتلاك سلطة وطنية لإصدار شهادات الثقة الرقمية، تستطيع الدولة الاعتماد على شهادات محلية في الاتصالات الحكومية والعسكرية وتقليل الحاجة إلى سلطات إصدار أجنبية".
في هذا السياق، أشارت إلى أنه "في مطلع 2026، أطلقت مديرية الأمن السيبراني مبادرة "درع البيانات الوطني"، التي تفرض تخزين البيانات الحساسة للمواطنين على خوادم داخل تركيا وتشفيرها باستخدام خوارزميات محلية".
وبحسب المعهد، "تمنح هذه المنظومة أنقرة قدرة أكبر على التحكم في تدفقات البيانات المشفرة، بحيث تبقى أقل عرضة للاطلاع من أجهزة الاستخبارات الأجنبية، بينما تحتفظ السلطات التركية بقدرة واسعة على مراقبتها من خلال مفاتيح تديرها الدولة".
وأردف: "وبذلك تتشكل منظومة رقمية مغلقة تجمع بين السحابة المحلية، ومنظومات الدفاع المتكاملة، والسيطرة على البنية التحتية للثقة الرقمية".
وترى الدراسة أن "هذا النموذج يعزز قدرة تركيا على الردع ومواجهة التهديدات الهجينة وإظهار قوة سيبرانية إقليمية، لكنه في المقابل قد يوسع الفجوة بينها وبين حلفائها في حلف شمال الأطلسي الذين يعتمدون على المعايير والتقنيات الغربية، ما يضع قابلية العمل المشترك أمام تحديات متزايدة".

دفاع استباقي
من منظور تحليلي أوسع، يعتقد المعهد أن "نضوج عقيدة الأمن السيبراني الوطني ضمن الإستراتيجية السيبرانية الوطنية 2024-2028 يمثل تحولا هيكليا عميقا".
ووفق رأيه، "تشير الإستراتيجية إلى تحول تدريجي من التركيز على الدفاع التقليدي إلى تبني نهج متكامل يشمل عناصر العمليات السيبرانية الهجومية والردع الفعال".
وأوضح مقصده: "فبينما يركز الخطاب الرسمي على الدفاع والمرونة والوقاية، تكشف اللغة الإستراتيجية والتكامل العملياتي عن قدرة ناشئة على تنفيذ عمليات سيبرانية استباقية، مما يجعل الفضاء السيبراني ساحة للتعطيل الاستباقي بدلا من مجرد الاستجابة".
وبحسب رؤيته، "ينسجم ذلك مع مفهوم "الوطن السيبراني" الذي ينظر إلى الحضور النشط في الفضاء الرقمي بصفته امتدادا للحضور العسكري في البحر والجو".
ونوه إلى أن "هذا التوجه يتجسد بصورة أوضح في دمج القدرات السيبرانية والحرب الإلكترونية مع المنظومات العسكرية التقليدية والطائرات غير المأهولة".
في هذا الصدد، أشاد المعهد بشركات الصناعات الدفاعية التركية التي تعمل على "تطوير منظومات تسمح بالتشويش على رادارات الخصم أو تضليلها وتعطيل الاتصالات وأنظمة القيادة والسيطرة، بالتزامن مع تنفيذ الضربات أو تمهيدا لها".
ولفت إلى أنه "يبرز في هذا السياق استخدام الطائرات القتالية المسيرة، التي تجمع بين التخفي والاستقلالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة الحرب الإلكترونية، بما يسمح بإحداث خلل مؤقت في قدرات الخصم وفتح المجال أمام التأثير العسكري المباشر".
في موازاة ذلك، تقدر الدراسة أن "مشاركة الوحدات السيبرانية العسكرية التركية في تدريبات الناتو تعكس اهتمام أنقرة بتطوير قدرات هجومية كاملة في ظروف الأزمات والصراعات، تشمل تعطيل شبكات الخصوم ودمج العمليات السيبرانية مع العمليات العسكرية والقوات الخاصة".
ووفق تقديرها، "يمكن توظيف هذه القدرات في سيناريوهات إقليمية، مثل التوتر في بحر إيجه وشرق المتوسط، لضرب شبكات الاتصالات والرادارات وتعطيل قدرات الخصم قبل استخدام الطائرات غير المأهولة أو القوات التقليدية".
مع ذلك، وعلى الرغم من أن "هذا الوجود المتقدم في الفضاء السيبراني يعزز استقلالية تركيا الإستراتيجية"، وفق وصف المعهد، إلا أنه نوه إلى أنه "ينطوي على مخاطر مثل احتمال سوء التقدير في عمليات "المنطقة الرمادية"، وخطر التصعيد في النزاعات متعددة الأبعاد، والتوترات التي قد تنشأ مع حلف الناتو بشأن قابلية العمل المشترك، في ظل استمرار محدودية المعايير المتعلقة بالهجمات السيبرانية".
منطقة رمادية
من جانب آخر، تطرق المعهد إلى ما أسماه بـ"منظومة الوكلاء ومساحة الإنكار الرسمي".
وقال: تتحرك "عقيدة "الوطن السيبراني" التركية في المنطقة الرمادية للصراع الهجين، حيث تنفذ مجموعات ناشطة قومية هجمات سيبرانية تعطل أهدافا في دول تعدها أنقرة خصوما، وتتزامن أحيانا مع مواقف تركيا في أوقات الأزمات الدبلوماسية".
وبحسب ادعائه، فإن "من أبرز هذه المجموعات "فريق الهلال والنجمة" و"المغيرون"، الذين استهدفوا في مراحل مختلفة إسرائيل واليونان وغيرهما عبر اختراق المواقع وتشويهها، وتسريب البيانات، وهجمات حجب الخدمة، والتصيد الإلكتروني ونشر الدعاية".
وأشار إلى أنه "رغم اتسام هذه العمليات غالبا بمستوى منخفض أو متوسط من التعقيد التقني، فإنها تحقق أثرا نفسيا وإعلاميا وتفرض ضغطا غير متماثل على الخصوم من دون وجود إسناد مباشر إلى الدولة التركية".
وأقرت الدراسة أنه "لا توجد أدلة علنية حاسمة تثبت أن أنقرة تدير هذه المجموعات أو تسيطر عليها مباشرة".
واستدركت: "إلا أن توقيت عملياتها وأهدافها ورسائلها، التي تتسم غالبا بطابع قومي تركي أو إسلامي، تتقاطع بصورة متكررة مع مواقف تركيا بشأن السيادة والنزاعات الإقليمية والإرث التاريخي".
ووفقا لها، "يمنح هذا التقاطع أنقرة مساحة لـ"الإنكار المعقول"، إذ تستطيع المجموعات تنفيذ عمليات ضد الخصوم في المنطقة الرمادية بينما تحافظ الدولة على مسافة رسمية وتنفي مسؤوليتها عن أفعال الجهات غير الحكومية".
وتعتقد الدراسة أن هذه المجموعات تعمل وفق نهج الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي "تشجع على "الأمن السيبراني المرتكز على الإنسان"، من خلال رفع الوعي المجتمعي والتعليم والتدريب والتطوع وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود والإبلاغ عن التهديدات".
وتابعت: "ورغم أن الإستراتيجية تقدم هذا الجانب بصفته مشاركة مجتمعية دفاعية ولا تنص صراحة على استخدام وكلاء أو تنفيذ عمليات هجومية، فإن توسيع المشاركة المدنية قد يوفر بصورة غير مباشرة بيئة يمكن أن ينشط فيها أفراد ذوو توجهات أيديولوجية في مجال النشاط الرقمي".
ومن ثم، ترى أن "هذه المنظومة تمنح تركيا مرونة إضافية في إدارة الأزمات والنزاعات في شرق المتوسط وبحر إيجه والشرق الأوسط، خصوصا في الخلافات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية أو موارد الطاقة".
في الوقت ذاته، أشار المعهد إلى أنه "يمكن للعمليات السيبرانية التي تنفذها هذه الجهات أن تستنزف معنويات الخصوم، وتلفت الانتباه الدولي، وتبعث برسائل عن التصميم التركي من دون الوصول إلى مستوى يستدعي تفعيل المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي أو يؤدي إلى رد ثنائي مباشر".
واستدرك: "لكن هذا النهج ينطوي على مخاطر، أبرزها احتمال إسناد الهجمات إلى تركيا بصورة خاطئة وما قد يترتب عليه من تصعيد غير مقصود، أو كشف نقاط ضعف داخلية إذا تعرضت هذه المجموعات للاختراق، فضلا عن احتمال تآكل الثقة بين أنقرة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي".
بصورة عامة، خلصت الدراسة إلى أن "التداخل الظاهر بين موجات الهجمات التي تنفذها هذه المجموعات والمصالح التركية الرسمية يشير إلى اعتماد أنقرة أسلوبا منخفض التكلفة لإظهار النفوذ الرقمي في المناطق المتنازع عليها، مع الحفاظ على السيادة الرسمية للدولة".
واستطردت: "وبذلك تمثل منظومة الوكلاء طليعة قابلة للإنكار لعقيدة "الوطن السيبراني"، تتيح لتركيا شن حملات رقمية مستمرة بأقل كلفة سياسية ومادية".
في المحصلة، يشدد المعهد على أن "الإستراتيجية الوطنية وخطة العمل للأمن السيبراني للفترة 2024-2028، التي جرى ترسيخها عبر إنشاء مديرية الأمن السيبراني وتعزيزها بقانون الأمن السيبراني الوطني، تمثل نقطة تحول في السياسة الرقمية التركية".
وأضاف: "فقد انتقلت تركيا تدريجيا من موقع المستهلك للتكنولوجيا الغربية، والمنظومة المتوافقة بصورة أساسية مع حلف شمال الأطلسي، إلى السعي لبناء قوة سيبرانية مستقلة تتمتع بقدر أكبر من الاستقلال الإستراتيجي على المستوى الإقليمي".
في الوقت نفسه، يؤكد المعهد على أن "هذا الانفصال السيادي لا يمثل قطيعة رسمية مع الغرب، بل يعكس سعيا إلى تقليص المخاطر الإستراتيجية وتنويع الخيارات الخارجية".
ويعتقد أن "استبعاد تركيا من برنامج الطائرة المقاتلة "إف-35" عام 2019 أسهم في تقليص اعتمادها على البنية الرقمية واللوجستية الأميركية، ودفعها نحو تطوير منظومة مستقلة للطائرات المقاتلة "كاان" و"كيزيل إلما"، بما يمنحها قدرا أكبر من السيطرة على البنية السيبرانية وسلاسل القيادة الرقمية الخاصة بها".
ووفق تقديره، "تحمل هذه التطورات آثارا عميقة على الأمن الإقليمي والعلاقة مع حلف شمال الأطلسي، فمن ناحية، يمكن لقدرات تركيا السيبرانية المستقلة أن تعزز الردع في مواجهة التهديدات المشتركة، خصوصا في شرق المتوسط والبحر الأسود".
"ومن ناحية أخرى، قد تؤدي إلى احتكاكات بشأن قابلية التشغيل البيني، والخلافات المتعلقة بإسناد الهجمات التي تنفذها الجهات غير الحكومية، ومخاوف الحلفاء من تنامي النزعة الأحادية"، وفق تحليله.
ومن ثم، وصف المعهد أنقرة بـ"القوة الهجينة، فهي حليف داخل الحلف، لكنها تعتمد بصورة متزايدة على قدراتها الذاتية، وتمزج بين الدفاع والسياسات الأكثر نشاطا ومبادرة".

مخاطر متزايدة
بالنسبة لإسرائيل، يقدر المعهد أن "عقيدة "الوطن السيبراني" تزيد المخاطر الإستراتيجية على تل أبيب في ظل تدهور العلاقات بين البلدين، خصوصا بعد الحرب في غزة وتصاعد دعم أنقرة لحماس وخطاب أردوغان الذي يقدم إسرائيل بصفتها تهديدا إقليميا".
وبحسب وجهة نظره، "يتمثل أحد أبرز المخاطر في تصاعد نشاط الجماعات الناشطة سيبرانیا ذات التوجهات المؤيدة لتركيا، مثل "أيييلديز تيم" و"أكينجيلار"، ضد أهداف إسرائيلية خلال فترات التوتر، بما في ذلك تسريبات بيانات وهجمات ومضايقات استهدفت مسؤولين إسرائيليين".
وضرب مثالا على ذلك مشيرا إلى ما حدث "في سبتمبر/ أيلول 2025 حين اتصل قراصنة أتراك على وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ونشروا رقم هاتفه".
واستطرد: "تمنح هذه الأنشطة تركيا قدرة على ممارسة ضغط غير متماثل مع الحفاظ على هامش للإنكار الرسمي".
من منظور إقليمي، حذر من أن "تطوير تركيا لقدرات الردع السيبراني والحرب الإلكترونية قد يؤثر في حرية الحركة الإسرائيلية في شرق المتوسط وسوريا، خصوصا مع إمكانية استخدام قدرات التشويش وتعطيل الرادارات والاتصالات بالتزامن مع العمليات العسكرية والطائرات غير المأهولة".
ورغم أن "عضوية تركيا في الناتو، إلى جانب تطوير قدراتها السيبرانية المستقلة، تشكل تحديات لقدرتها على العمل المشترك مع الغرب"، إلا إن الدراسة لفتت أن "هذا الازدواج ينعكس بشكل سلبي على إسرائيل".
وقالت: "تعزز هذه الازدواجية -كونها جزءا من تحالف عالمي وسعيها في الوقت نفسه لتحقيق الاستقلال الرقمي- موقف أنقرة التفاوضي في مواجهة إسرائيل".
علاوة على ذلك، "تضيف هذه الازدواجية تعقيدا إستراتيجيا إضافيا لتل أبيب، فعضوية تركيا الرسمية في الناتو وحاجة الغرب إلى الحفاظ على تماسك الحلف، تحول دون شن هجوم جماعي على أنقرة أو فرض عقوبات قاسية عليها من قِبل الحلفاء".
بعبارة أخرى، "تقيد هذه المظلة التي يوفرها حلف شمال الأطلسي قدرة إسرائيل على المناورة دبلوماسيا ودوليا، وتدفعها إلى مواجهة التهديدات السيبرانية والوكلاء الأتراك بصورة مستقلة، مع محدودية قدرتها على حشد أدوات ضغط غربية فعالة ضد أنقرة".
وختاما، يشدد المعهد على أن "عقيدة "الوطن السيبراني" تعد جهدا تركيا واضحا لتقليص الفجوة الإستراتيجية مع القوى التكنولوجية الكبرى، وكذلك مع إسرائيل، بالتوازي مع مساعي أنقرة لتعزيز قدراتها في مجالي الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية".
وفي مواجهة هذا التحدي المتنامي، يرى أنه "يتعين على إسرائيل تجنب التعامل مع العقيدة التركية بصفتها مجرد تصور نظري، إذ تحولت بالفعل إلى خطوات مدعومة بموارد مالية وقدرات عملياتية".
"وهو ما تؤكده العقود التي أبرمتها أنقرة مع شركات الصناعات الدفاعية التركية بمليارات الدولارات، إلى جانب إنشاء مديرية للأمن السيبراني تتمتع باستقلال مالي".
وعليه، أكد أن "المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحتاج إلى التحرك على عدة مسارات" من أجل الحفاظ على تفوقها النوعي".
ويقدر أن ذلك يكون من "خلال إنشاء إطار استخباراتي متخصص لمتابعة تطور القدرات التركية، والاستعداد لسيناريوهات تجمع بين الهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية وعمليات التأثير، ومراقبة نشاط الجماعات الناشطة في المنطقة الرمادية".
إلى جانب "متابعة التطورات داخل حلف شمال الأطلسي واستغلال التباين بين سعي تركيا إلى الاستقلال التكنولوجي ومتطلبات العمل المشترك داخل الحلف".


















