خبير سياسي: "ناتو إسلامي" محتمل يغيّر حسابات إيران وإسرائيل

اتفاقية مكة طبقة جديدة من الردع ورفع كلفة أي اعتداء على دول المنطقة
قال الكاتب والمحلل السياسي الأردني منذر الحوارات: إن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان جاءت في ظل انكشاف أمني إقليمي وتراجع الثقة بكفاية الضمانات الأميركية.
وأضاف الحوارات، خلال مقابلة مع "الاستقلال"، أن الاتفاقية تهدف إلى بناء طبقة إضافية من الردع ورفع كلفة أي اعتداء، فضلًا عن حماية الاستقرار الاقتصادي والاستثماري في المنطقة.
وأشار إلى إمكانية أن تشكل الاتفاقية نواة لـ"ناتو إسلامي"، إلا أن ذلك لا يزال مبكرًا في ظل غياب قيادة عسكرية موحدة وقوة مشتركة وآليات تنفيذ واضحة.
ورأى أن إيران تمثّل الدافع المباشر للاتفاق، بينما تحمل رسائله أبعادًا أوسع قد تشمل أي طرف يهدد الدول الأعضاء، مع تأثير محتمل على حسابات إسرائيل.
وفي الملف الإيراني، رجّح أن يكون تأجيل الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربة واسعة إلى طهران بهدف الاحتفاظ بالخيار العسكري كورقة ضغط في المفاوضات.
كما رأى أن الحديث الأميركي عن تراجع أهمية مضيق هرمز يمثل حاليًا ورقة ضغط سياسية واقتصادية، رغم وجود مشاريع بديلة قد تخفف من أهميته مستقبلًا.
وأكد الحوارات أن أزمات لبنان وسوريا والتوتر مع إسرائيل ستظلّ مرتبطة بضعف الدولة وانتشار السلاح خارج مؤسساتها، مشددًا على أن السلام الإقليمي لن يستقر من دون وقف الحرب في غزة وإيجاد مسار جاد يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية.
ويُعد منذر الحوارات من الكتاب والمحللين السياسيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط؛ إذ يحظى بحضور متواصل في عدد من الفضائيات العربية، إلى جانب نشره مقالات وتحليلات دورية في صحف ومواقع إخبارية عربية.

رسائل مكة
ما دلالات توقيت اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان؟
أتصور أنها تأتي في لحظة انكشاف أمني إقليمي واضح، خصوصًا بعد الهجمات الإيرانية على دول الخليج وتعطيل إيران للملاحة في مضيق هرمز. ولا يمكن أن نغفل أيضًا أن الثقة بكفاية الضمانات الأمنية الأميركية قد تراجعت بالفعل.
برأيي، تحاول هذه الاتفاقية إيجاد طبقة أخرى من الردع، غايتها رفع كلفة أي اعتداء على دول الخليج والدول المعنية بالاتفاق. ولها غاية أخرى أيضًا، تتمثل في حماية الاستقرار الاقتصادي؛ لأن هذا الاستقرار تأثر كثيرًا، كما تراجعت الثقة بالاقتصادات وبالبيئة الاستثمارية التي تجذب رؤوس الأموال، بعد الضربات الإيرانية والتوترات الأمنية الأخيرة.
ولا أتصور أن الاتفاقية تحمل غاية إعلان الحرب على أحد، إطلاقًا. هي، في جوهرها، شكل من أشكال الردع ورسالة سياسية وأمنية بأن أي اعتداء ستكون له كلفة، وأن دول المنطقة بدأت تبحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعًا.
هل تعكس الاتفاقية توجّهًا نحو بناء منظومة أمن إقليمية أقل اعتمادًا على المظلة الأميركية؟
لا، إطلاقًا. هي ليست خروجًا من التحالف مع الولايات المتحدة أو ابتعادًا عن واشنطن، وإنما هي انتقال، ويمكن وصفه بأنه انتقال من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة إلى شبكة تحالفات متعددة.
لا شك أن السعودية تريد الحفاظ على شراكتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتريد الاستمرار في التعاون الأمني والعسكري والإستراتيجي معها، لكنها في الوقت نفسه تحاول إيجاد بدائل أو امتلاك بدائل إقليمية تمنحها مزيدًا من الاستقرار والاستقلالية في حماية أمنها وأمن الإقليم، بالتعاون طبعًا مع المظلة الأميركية، وليس بعيدًا عنها.
ما فرص تحول هذا الترتيب الثلاثي إلى نواة لـ«ناتو إسلامي»؟
أعتقد أن هذا الاحتمال موجود، لكن من المبكر القول إنها أصبحت حلفًا متكاملًا؛ لأنه حتى الآن لا توجد قيادة عسكرية موحدة، ولا قوة مشتركة، ولا آلية تفصيلية واضحة للردع والتنفيذ.
هناك اقتباس واضح من المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، ومفاده أن الاعتداء على عضو هو اعتداء على جميع الأعضاء، لكن آلية الرد نفسها لا تزال بحاجة إلى اختبار حقيقي. ونأمل ألا يكون هذا الاختبار من خلال وقوع اعتداء على أحد الأعضاء، لكن إذا حدث ذلك، فسيكون الاختبار الأول لمدى فعالية هذا التحالف وقدرته على الردع والرد المباشر.
إلى أي مدى تستهدف الاتفاقية احتواء إيران، وهل يمكن أن تحمل رسائل موجهة إلى إسرائيل أيضًا؟
أعتقد أن إيران هي الدافع المباشر، من دون شك، لكن الرسالة التي تحملها الاتفاقية أوسع من إيران. فهي رسالة ردع يمكن أن تشمل أي طرف يهدّد أحد الأعضاء المشاركين فيها.
وإسرائيل، حقيقة، لديها ما يدعوها إلى القلق من هذا الترتيب؛ لأن وجود تركيا كقوة عسكرية كبيرة، إلى جانب باكستان كدولة نووية، يمكن أن يشكل عامل تقييد لتحركاتها المنفلتة في المنطقة، أو على الأقل يرفع كلفة أي تحرك عسكري واسع.

تحاشي الفوضى
لماذا لم يتراجع ترامب عن ضرب إيران؟ هل خشي التداعيات أم أراد الضغط للتفاوض؟
هذا سؤال يأخذ طابعًا إستراتيجيًا؛ لأنه لا شك أن ترامب تلقى تحذيرات من أن أي ضربة أميركية واسعة ستستدعي ردًا إيرانيًا انتقاميًا، وأن دول الخليج ستكون من أكثر الأطراف التي ستتحمل تبعات هذا الردّ.
فالضربة الأميركية كانت تهدد باستهداف منشآت الطاقة والكهرباء والملاحة الإيرانية، وإيران كانت قد هددت بالرد على دول الخليج بالطريقة نفسها التي تتعرض بها مصالحها للاستهداف.
وبالتالي، كان من الممكن أن تدخل المنطقة في حالة واسعة من الفوضى، سواء على مستوى الطاقة أو البنية التحتية أو حركة الملاحة. ولهذا السبب، أعتقد أن دول الخليج نصحت ترامب بعدم توجيه ضربة واسعة، بالنظر إلى انعكاساتها الخطيرة على دول الخليج والمنطقة بأكملها.
هناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن ترامب أراد الاحتفاظ بالخيار العسكري كورقة ضغط للحصول على تنازلات من إيران؛ لأنه بمجرد استخدام هذه الورقة، فإنه يفقد جزءًا من قدرتها على الردع لاحقًا، وهو لا يريد استنفادها دون أن يتأكد من أنها ستتحول إلى مكاسب سياسية في المفاوضات.
لذلك، هو يؤجل استخدامها إلى أقصى درجة ممكنة، حتى يستطيع توظيفها في التفاوض مع إيران والحصول على مكاسب. ولهذا أعتقد أنها ورقة مؤجلة بالنسبة إلى دونالد ترامب، وليست ورقة ملغاة.
إلى أين تتجه محادثات واشنطن وطهران؟ وهل تنهي الحرب؟
نحن نتحدث، في الحقيقة، عن تفاهمات ذات طابع مرحلي. لا يوجد سلام شامل، ولا توجد حتى الآن مفاوضات بالمعنى الحقيقي للكلمة.
نحن لا نزال في إطار الحديث عن مضيق هرمز وتنظيم الملاحة فيه، ولم ننتقل بعد إلى الخطوة الثانية، وهي ملف العقوبات والبرنامج النووي. وحتى المفاوضات حول هذين البندين لم تبدأ فعليًا حتى الآن.
ولا يوجد دليل على أنها بدأت. كل ما حصل هو اتصالات من خلال وسطاء. وبالتالي، هناك عملية شراء للوقت تقوم بها إيران للوصول إلى الاستحقاقات الأميركية.
الاستحقاق الأول يتعلق بالانتخابات، والاستحقاق الثاني أن إيران تريد استهلاك جزء من فترة الرئيس دونالد ترامب في المفاوضات. وهي تجيد عملية التفاوض، وتجيد صناعة الأوراق، كما تجيد استخدام هذه الأوراق، ولذلك تحاول إغراق ترامب في التفاصيل.
وهذا الإغراق يخدم مصلحتها مرحليًا، لكن على المدى الإستراتيجي يمكن أن ينقلب نقمة عليها؛ لأن هناك حصارًا اقتصاديًا، وهناك ضربات عسكرية تتكرر بين الحين والآخر، وهناك حديث عن استهداف شبكات التواصل البري بين إيران ودول المنطقة المحيطة بها.
وبالتالي، هناك قسوة أميركية في استهداف الأهداف الإيرانية، وربما تتدحرج هذه الضغوط، في مرحلة معينة، إلى اضطرابات داخلية في إيران.
كيف تقرأ الحديث الأميركي عن تراجع أهمية مضيق هرمز خلال عامين؟
بالنسبة إلى الحديث عن تراجع أهمية مضيق هرمز، فهذا يأتي في سياق الضغط على إيران، من خلال القول: إن دول المنطقة ستعمل على بناء أنابيب وموانئ وممرات بديلة.
هذا حقيقي وصحيح، لكن هل تستطيع كل هذه المشاريع أن تحل محل أهمية مضيق هرمز؟ هذا أمر مشكوك فيه حتى الآن، بالنظر إلى ضخامة هذه المشاريع وحاجتها إلى الوقت والمال والاستثمار والملاءة الاقتصادية.
لكن التساؤل الأكبر يتعلق بالجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع، وهل ستكون العوائد المتوقعة منها بمستوى تكلفة تنفيذها؟ لذلك توجد أسئلة واسعة حول هذه المشاريع وجدواها الاقتصادية.
قد تؤدي هذه المشاريع إلى تراجع أهمية مضيق هرمز، نعم، ولكن ليس بشكل كامل. وأعتقد أنها في الوقت الراهن ورقة ضغط سياسية واقتصادية أكثر من كونها واقعًا مكتملًا على الأرض.

سلام مستحيل
إلى أي مدى يمكن أن يصمد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي؟
في الغالب، أعتقد أنه حتى هذه اللحظة قادر على منع اندلاع حرب شاملة، لكنه اتفاق هش.
وما لم يترافق ذلك مع انسحاب إسرائيلي، وانتشار للجيش اللبناني، وإعطاء الثقة بأن التفاهمات السياسية والمفاوضات قادرة على إيجاد بدائل عن استخدام القوة، فإن الاتفاق سيبقى معرَّضًا للاهتزاز.
وهذا يمكن أن يسهل الانتقال إلى البند الثاني، وهو نزع سلاح حزب الله تدريجيًا، بناءً على حجم المكاسب التي تستطيع الدولة اللبنانية تحقيقها. لكن هناك نقطة يمكن أن تفجر الاتفاق، وهي أن يشترط كل طرف تنفيذ الطرف الآخر التزاماته بالكامل قبل أن يتحرك هو. وهذه المعادلة، في لحظة معينة، يمكن أن تنقلب ضد الجميع.
هل يشهد لبنان تراجعًا فعليًا في دور "حزب الله" ونفوذه؟
من دون شك، خسر الحزب قدرات عسكرية كبيرة، وهذا انعكس حتى على حرية حركته السياسية. حزب الله اليوم ليس كما كان في لبنان. في السابق، كان الحزب يرسم ويحدد، إلى حد كبير، العلاقة بين السياسة والعسكر، وكان يمتلك تأثيرًا واسعًا على قرار الحرب والسلم في لبنان.
أما الآن، فقد تراجع هذا الدور عسكريًا وسياسيًا، كما تراجعت خطوط إمداده نتيجة التغيرات التي حدثت في سوريا، إضافة إلى الضغوط الإسرائيلية على خطوط الإمداد البحرية.
لكن في المقابل، لا يزال الحزب يمتلك قاعدة اجتماعية كبيرة وتنظيمًا وسلاحًا أيضًا. ولذلك لا يمكن احتواء دوره وسلاحه إلا من خلال تسوية داخلية لبنانية، ويفضل أن تكون تسوية سياسية وودية، تقوم على قاعدة أساسية، وهي أن تكون الدولة صاحبة القرار في امتلاك السلاح، وأن تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم.
ويجب أن يستطيع أي طرف سياسي ممارسة دوره وفعاليته من خلال الأداء السياسي، وليس من خلال القوة العسكرية.
حينها، أعتقد أن الأمور يمكن أن تُحل في لبنان على المدى الإستراتيجي. لكن طالما بقي هناك أي طرف يمتلك سلاحًا خارج إطار الدولة، فلا أعتقد أن الدولة ستكون قادرة على الإمساك بزمام المبادرة وبسط سلطتها على جميع أنحاء البلاد.
لماذا تواصل إسرائيل توغلاتها في سوريا رغم الضغوط الغربية؟
أعتقد أنها ترى في ضعف الدولة السورية فرصة لتوسيع مناطقها الأمنية والتوغل في الجنوب السوري. وهي تدعي أن الهدف هو منع عودة إيران وحزب الله، لكنها في الوقت نفسه تحقق مكاسب إستراتيجية؛ فكلما توسعت ميدانيًا أصبح لديها أوراق إضافية يمكن استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية مع القيادة السورية، حتى لو كان ذلك على حساب السيادة السورية.
لكن هناك سؤالًا أكبر: لماذا وُجدت حركات المقاومة أصلًا؟ برأيي، إن سلوك إسرائيل العدواني تجاه الدول العربية، الذي بدأ بالشعب الفلسطيني، ثم لبنان، ثم سوريا، وربما يمتد إلى دول أخرى لاحقًا، هو أحد الأسباب التي تخلق حالة من الإصرار على مقاومة هذا التوغل والتوسع.
السلوك الإسرائيلي المستفز والاحتلالي والتوسعي هو الذي ينتج، في النهاية، ردود فعل مقاومة. ولو قررت إسرائيل أن تعيش بسلام مع المنطقة، فأنا برأيي أن دول المنطقة كانت قد قدمت عرضًا واضحًا من خلال قمة بيروت عام 2002، عندما طرحت مبادرة السلام العربية.
لكن شارون، حقيقة، رفض المبادرة ولم يلتفت إليها، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن استمرت إسرائيل في التوسع ومحاولة تحقيق مكاسب جيوسياسية وإستراتيجية على حساب المنطقة العربية، خصوصًا كلما ضعف نظام عربي أو تداعت مؤسسات الدولة فيه.
بعد "طوفان الأقصى"، هل تتجه المنطقة للتطبيع أم لمزيد من التصعيد؟
أعتقد أن كليهما يسير معًا. لكن إذا أردنا القول ما إذا كانت الحرب في المنطقة قد نضجت بما يكفي لكي تنتهي بسلام، فأنا أتصور أن الحرب لا تزال مفتوحة، وأن مسارات التطبيع تراجعت بسبب حجم الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة.
وأصبح أي حديث عن السلام مؤلمًا تقريبًا بالقدر نفسه الذي كان مؤلمًا فيه حجم الضحايا في غزة. لذلك أقول إن مسار التطبيع لا يزال موجودًا، لكنه لا يمكن أن ينجح من دون وقف الحرب والعدوان في غزة، ومن دون إيجاد مسار جادّ يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية.
ومن دون ذلك، أتصور أن أي تطبيع سيبقى رسميًا وهشًا، ومن دون قيمة اجتماعية أو شعبية حقيقية؛ لأنه لا يمكن للعربي أن ينظر إلى الشعب الفلسطيني وهو يُذبح، ثم يصافح الإسرائيلي ويعده صديقًا. في البداية يجب أن تُحل قضية الشعب الفلسطيني، وبعد ذلك يمكن النقاش في التطبيع.
التطبيع من عدمه سيكون قرارًا تتخذه كل دولة عربية على حدة، لكن طالما أن الحرب ضد الفلسطينيين قائمة، فأنا أتصور أن أي سلام لن يدوم، ولن تكون له قيمة حقيقية، وسيكون محرجًا لكل من يقوم به، وسيبقى سلامًا رسميًا في سياق التهدئة، أكثر من كونه سلامًا حقيقيًا جادًا تتعمق فيه العلاقات وتصبح طبيعية.
















