السعودية وتركيا وباكستان.. تحالف دفاعي جديد يربك حسابات الشرق الأوسط

يوسف العلي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثار توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والعسكرية، نظرًا لما تحمله من دلالات تتجاوز مجرد التعاون الدفاعي بين ثلاث دول تربطها علاقات وثيقة، وتمتلك كل منها مقومات عسكرية واقتصادية وإستراتيجية مؤثرة في المنطقة.

وجاء توقيع الاتفاقية في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا في التهديدات الأمنية، سواء نتيجة الهجمات التي تنفذها جماعات موالية لإيران، أو بسبب استمرار التوتر بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة، فضلًا عن حالة الجمود التي يعيشها النظام الإقليمي في ظل تراجع فاعلية منظومات الأمن التقليدية.

ورغم تأكيد الرياض وأنقرة وإسلام آباد أن الاتفاقية لا تستهدف أي دولة بعينها، فإن توقيتها، إلى جانب نصوصها التي تعدّ أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تستهدف ردع إيران وأذرعها، أم أنها تحمل أيضًا رسالة إلى إسرائيل في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

كما أن الاتفاقية الثلاثية التي تجمع بين دولة نووية، وأخرى تمثّل قوة اقتصادية وعسكرية إقليمية، وثالثة عضو رئيس في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تطرح تساؤلًا آخر بشأن ما يمكن أن تضيفه إلى معادلات الأمن في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

توقيت حساس

لا يبدو توقيت توقيع الاتفاقية منفصلًا عن التطورات التي تشهدها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة؛ إذ جاء بعد تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، واستهداف طهران دولًا خليجية، سواء بشكل مباشر أو عبر أذرعها في المنطقة، بحجة استضافة تلك الدول قواعد ومصالح أميركية.

كما تأتي الاتفاقية بعد سنوات من مراجعة السعودية لمقاربتها الأمنية، واتجاهها نحو تنويع شراكاتها الدفاعية وعدم الاعتماد بصورة كاملة على المظلة الأميركية، بالتوازي مع توسع التعاون العسكري مع تركيا، وامتلاك باكستان ثقلًا عسكريًا كبيرًا يجعلها شريكًا مؤثرًا في أي ترتيبات أمنية إقليمية.

وأكد البيان المشترك الصادر في 7 أغسطس/آب 2026 أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع الجماعي، وتطوير التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية، وأن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا على الجميع، بما يعكس انتقال العلاقات من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى الالتزام الدفاعي المشترك.

من جهته، قال وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان عبر منصة "إكس"، إن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، التي تمَّ توقيعها في مكة المكرمة، ترسّخ إطارًا لشراكة دفاعية طويلة المدى، تعزز الردع والتنسيق والتكامل بين بلداننا الشقيقة، وتسهم في دعم أمن واستقرار المنطقة والعالم".

وفي السياق، قال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان: إن التوقيع على اتفاقية مكة للدفاع المشترك يؤكد عمق العلاقات الأخوية والإستراتيجية بين الدول الثلاث، ويشكل محطة مهمة في مسيرة التعاون الدفاعي بينها، وتتويجًا للرغبة المشتركة في توحيد الجهود لمواجهة التحديات والتهديدات التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.

وتأتي الاتفاقية تجسيدًا للإرادة السياسية المشتركة للدول الثلاث نحو حماية الأمن والاستقرار، ودعم بيئة إقليمية أكثر أمنًا، بما يخدم دولها وشعوبها، وينعكس إيجابًا على المنطقة بأسرها، ويمهد لمستقبل آمن تتعزّز فيه فرص التنمية والازدهار، حسبما ذكر بن فرحان على منصة "إكس".

من جانبه، قال وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار: إن اتفاقية "مكة" تمثّل خطوة مهمة لتعزيز التعاون الإستراتيجي، معربًا عن أمله في أن تسهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة. ومؤكدًا أنها ستكون "درعًا للسلام والرخاء للأجيال القادمة".

بدورها، وصفت الرئاسة التركية، على لسان مدير الاتصالات فيها برهان الدين دوران، الاتفاقية بأنها "خطوة تاريخية"، مؤكدة أنها لا تستهدف أي دولة بعينها، وإنما تهدف إلى تعزيز الأمن المشترك، والقدرة على العمل العسكري المشترك، ودعم الصناعات الدفاعية، بما يسهم في صون السلام والاستقرار الإقليمي.

رسائل الردع

ويُعد اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاقية، بحسب مراقبين، رسالة سياسية ورمزية تعكس رغبة الدول الثلاث في إضفاء بعد إستراتيجي على الاتفاق، وإظهار أنه يأتي في إطار حماية الأمن الإقليمي، وليس بصفته ترتيبًا عسكريًا عابرًا فرضته ظروف مؤقتة.

 

ورغم النفي الرسمي لاستهداف أي دولة من وراء هذا التكتل، فإن مضمون الاتفاقية وتوقيتها دفعا العديد من المحللين إلى عدها رسالة ردع موجهة إلى أكثر من طرف إقليمي، في ظل الظروف الحساسة التي تشهدها المنطقة.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر علي الهيل، لـ"الاستقلال": إن الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران وأذرعها فقط، وإنما ضد أي اعتداء خارجي، بما في ذلك إسرائيل، مقدرا أنها تأتي في توقيت تتزايد فيه التهديدات التي تواجه السعودية من أكثر من اتجاه.

وأشار إلى أن الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية السعودية خلال السنوات الماضية؛ إضافة إلى التوترات الإقليمية الحالية، عززت الحاجة إلى بناء منظومة ردع أكثر تماسكًا، تقوم على الشراكات الإقليمية، وليس فقط على الضمانات الدولية.

وربط الهيل الاتفاقية بتوجه سعودي أوسع لإعادة صياغة مفهوم الأمن الوطني، من خلال تنويع العلاقات العسكرية والدفاعية، وتحقيق توازن في الشراكات الدولية مع الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة، والانفتاح في الوقت نفسه على قوى أخرى.

وفي السياق ذاته، رأى الباحث الأول في "مركز الجزيرة للدراسات"، لقاء مكي، أن الاتفاق يمثّل أول رد عملي على محاولات فرض الهيمنة على الشرق الأوسط، سواء من جانب إيران أو إسرائيل، موضحًا أن قيمة الاتفاقية تكمن في قدرتها على رفع تكلفة أي اعتداء محتمل، بما يعزز الاستقرار الإقليمي.

وأضاف مكي، خلال تدوينة على منصة "إكس" في 7 أغسطس/آب، أن التحالفات الدفاعية لا تعني بالضرورة خوض حرب عند وقوع أي حادث، وإنما تحقق هدفها الأساسي عندما تمنع وقوع الحرب من خلال خلق قوة ردع تجعل كلفة أي مغامرة عسكرية باهظة على الطرف المعتدي.

اختبار التطبيق

ورغم الأهمية السياسية التي اكتسبتها الاتفاقية، فإن مراقبين يرون أن نجاحها سيظل مرتبطًا بقدرة الدول الثلاث على تحويل بنودها إلى آليات تنفيذية عملية، تشمل التنسيق العسكري، والتخطيط المشترك، والتعاون الاستخباراتي، وتطوير الصناعات الدفاعية.

وطرح مدير المركز الإسكندنافي الخليجي للدراسات، عبد الجليل السعيد، تساؤلات حول قدرة تركيا على تنفيذ التزامات دفاعية واسعة خارج إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بصفتها عضوًا في الحلف. مشيرًا إلى أن أي تحرك عسكري تركي قد يتأثر بالتزاماتها الدولية.

واستدل السعيد، عبر تدوينة على منصة "إكس"، بالتجربة التركية مع قطر؛ إذ لم يتحول اتفاق الدفاع المشترك بين البلدين إلى تدخل عسكري مباشر خلال فترات التوتر، واقتصر الموقف التركي على الدعم السياسي والعسكري غير المباشر.

في المقابل، يرى الإعلامي العراقي قصي شفيق أن الاتفاقية جاءت في سياق حماية السعودية من أي هجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة قد تنطلق من خارج حدودها، خاصة بعد تصاعد التوتر مع بعض الفصائل العراقية.

لكن شفيق استبعد، خلال تدوينة على منصة "إكس" في 7 أغسطس/آب، أن تكون الاتفاقية موجهة ضد إيران بصورة مباشرة، في ظل استمرار العلاقات السياسية بين الدول الثلاث وطهران.

أما أول رد فعل إيراني، فجاء على لسان المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، الذي رأى أن الاتفاق مع تركيا وباكستان "لن يجلب الأمن للسعودية". داعيًا الرياض إلى مراجعة سياساتها بدلًا من الاعتماد على اتفاقيات دفاعية.

وبين الترحيب الرسمي، والتحفظات السياسية، والانتقادات الإيرانية، تبدو "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" محطة جديدة في مسار إعادة ترتيب التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.

وحتى وإن أكدت الدول الثلاث أنها ليست موجهة ضد أي طرف، فإنها تعكس توجهًا متزايدًا نحو بناء منظومات ردع إقليمية قادرة على التعامل مع التحديات المتصاعدة، في منطقة باتت تشهد تغيرات متسارعة في خرائط النفوذ وموازين القوة.