الإنجليزية في الصدارة بمدارس الجزائر بعد عقود من هيمنة الفرنسية.. ماذا حدث؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أعلنت الحكومة الجزائرية عزمها تقديم تدريس اللغة الإنجليزية على الفرنسية في المرحلة الابتدائية، في خطوة حظيت بإشادة واسعة داخل البلاد، وأثارت تساؤلات بشأن دوافعها، وما إذا كانت تستند إلى تقديرات تربوية أم تعكس تداعيات الأزمة القائمة مع باريس.

وبحسب القرار الذي أعلنت عنه وزارة التربية الوطنية الجزائرية، سيبدأ تدريس اللغة الإنجليزية بدءا من السنة الثالثة الابتدائية، بينما يؤجل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة، وذلك في إطار إصلاحات جديدة تدخل حيز التنفيذ مع انطلاق الموسم الدراسي 2026-2027.

وأوضح وزير التربية الوطنية الجزائري محمد الصغير سعداوي، خلال الندوة الوطنية المخصصة للتحضير للدخول المدرسي المقبل، في 25 يوليو/تموز 2026، أن القرار يندرج ضمن مقاربة جديدة تهدف إلى تحسين تعلم اللغات الأجنبية. 

وأشار إلى أن الوزارة قررت "الاكتفاء بالإنجليزية في السنة الثالثة الابتدائية"، قبل الشروع في تدريس اللغة الفرنسية.

وأضاف الوزير أن توسيع حضور اللغة الإنجليزية يواكب التحولات الجارية في مجالي التعليم العالي والبحث العلمي، بصفتها اللغة الأكثر استخداما عالميا في الأبحاث والدراسات العلمية.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مجموعة من الإصلاحات التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية، بهدف "الارتقاء بجودة التعليم وتحسين التعلمات وتطوير المناهج والتنظيم البيداغوجي"، استنادا إلى نتائج المرحلة الأولى من أعمال اللجنة الوطنية لجودة التعليم.

وتشمل الإصلاحات، المقرر تطبيقها ابتداء من الموسم الدراسي 2026-2027، إعادة تنظيم تدريس عدد من المواد التعليمية، وتعزيز حضور اللغة الإنجليزية في الشعب العلمية والتكنولوجية بالمرحلة الثانوية، إلى جانب مواصلة تحديث البرامج والمناهج الدراسية.

صراع اللغات

مثل القرار محطة جديدة في مسار جزائري بدأ صيف عام 2022، عندما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون دراج اللغة الإنكليزية في التعليم الابتدائي، بعد عقود ظلت فيها الفرنسية اللغة الأجنبية الوحيدة التي تدرس في هذا الطور.

وأعقب ذلك إطلاق وزارة التربية حملة واسعة لتوظيف نحو 25 ألف أستاذ للغة الإنكليزية من خريجي تخصص اللغة الإنكليزية والترجمة، لسد الاحتياجات التي فرضها إدراج المادة الجديدة.

كما اعتمدت الوزارة آنذاك صيغتي التوظيف الدائم والتعاقد، مع إمكانية الاستعانة بأساتذة متقاعدين أو سبق لهم التدريس، تحسبا لتغطية المناصب المطلوبة في مختلف الولايات.

وفي هذا الصدد، شرعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في عام 2025 في تطبيق مقاربة تدريجية لتدريس بعض التخصصات الطبية باللغة الإنجليزية، في خطوة عدَّها الرئيس عبد المجيد تبون "صائبة".

ومع ذلك، ما زالت اللغة الفرنسية حاضرة بقوة في الإدارة والاقتصاد والطب والإعلام والتعليم العالي، كما تختلط بالعربية الجزائرية والأمازيغية في التخاطب اليومي.

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للفرنكوفونية إلى وجود نحو 15 مليون ناطق بالفرنسية في الجزائر، ما يجعلها من أكبر المجتمعات الناطقة بها عالميا، رغم أن الجزائر ليست عضوا في المنظمة.

وتكشف حركة الطلاب أيضا عن استمرار ثقل الفرنسية؛ إذ أفادت بيانات نقلتها صحيفة "لوموند" بأن 68 بالمئة من الطلبة الجزائريين الذين اختاروا الدراسة في الخارج خلال 2024 توجهوا إلى فرنسا، مقابل 5 بالمئة إلى كندا و2 بالمئة إلى بريطانيا.

كما حصل أكثر من 8350 طالبا جزائريا على تأشيرات دراسية فرنسية في 2025، بزيادة قدرها 16 بالمئة عن سنة 2024.

أزمة مع فرنسا

أكد الأكاديمي والخبير في السياسات العامة، مولاي هشام معتضد، أنه لا يمكن قراءة القرار الجزائري بمعزل عن السياقين الداخلي والخارجي معا.

وأضاف معتضد لـ "الاستقلال"، فمن الناحية الموضوعية، يعكس التوجه نحو تعزيز تدريس اللغة الإنجليزية إدراكا متزايدا للتحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الإنجليزية لغة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والبحث العلمي.

وتابع، أما من الناحية السياسية، فمن الصعب فصل هذا القرار عن التوترات المتكررة التي شهدتها العلاقات الجزائرية-الفرنسية خلال السنوات الأخيرة.

وأردف، "فاللغة الفرنسية في الجزائر لم تكن مجرد أداة تعليم، بل كانت دائما جزءا من الإرث الاستعماري ومن معادلة النفوذ الثقافي والسياسي".

لذلك، يقول معتضد، "يحمل تقديم الإنجليزية وتأخير الفرنسية رسالة تتجاوز البعد البيداغوجي، لتندرج ضمن محاولة إعادة هندسة المجال الثقافي وإعادة توزيع دوائر التأثير الخارجي، في إطار سعي الجزائر إلى تنويع شراكاتها الدولية وتقليص الاعتماد الرمزي على الفضاء الفرنكفوني".

وأشار المتحدث ذاته إلى أن اللغة أصبحت في القرن الحادي والعشرين إحدى أدوات القوة الجيوسياسية؛ لأنها تحدد فضاءات الشراكات الاقتصادية، ومصادر التكنولوجيا، وشبكات البحث العلمي، وحتى اتجاهات النخب المستقبلية.

وشدد أن "نجاح هذا التموضع سيظل رهينا بقدرة الدولة على تحويل القرار السياسي إلى مشروع مؤسساتي طويل المدى، بعيدا عن الحسابات الظرفية أو الرسائل الموجهة للخارج".

وأبرز معتضد أن التحولات الكبرى في السياسات اللغوية لا تُقاس بالإعلان عنها، وإنما بقدرتها بعد عقد أو عقدين على تغيير نوعية رأس المال البشري، ومستوى الابتكار، وموقع الدولة داخل الاقتصاد العالمي.

ومن هذا المنظور، يضيف الباحث الأكاديمي، "فإن نجاح الجزائر لن يتحدد بمدى تراجع الفرنسية، بل بمدى قدرتها على جعل الإنجليزية رافعة حقيقية للإصلاح التنموي والمعرفي، لا مجرد أداة لإعادة رسم التوازنات السياسية مع باريس".

في هذا السياق، أكدت "قناة شمال إفريقيا" في تحليل للخطوة نشرته عبر حسابها على فيسبوك بتاريخ 25 يوليو 2026، أن القرار أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن السياسة اللغوية في الجزائر، مشيرة إلى أنه لا يمكن فصله عن التحولات السياسية التي تشهدها العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ عدة سنوات.

وأضافت القناة، فمنذ إدراج الإنجليزية في التعليم الابتدائي عام 2022، اتجهت السلطات تدريجيا إلى توسيع حضورها في المنظومة التعليمية والإدارية، في مقابل تقليص المكانة التقليدية للفرنسية، في سياق يتزامن مع توترات دبلوماسية متكررة بين الجزائر وباريس وخطاب رسمي يدعو إلى التحرر من الإرث اللغوي للاستعمار الفرنسي.

وذكر المصدر ذاته أن الإصلاح اللغوي تحول إلى ملف يحمل أبعادا سياسية ورمزية أكثر من كونه مشروعا تربويا شاملا، موضحة أن تغيير ترتيب اللغات لا يجيب عن الأسئلة الحقيقية التي تواجه المدرسة الجزائرية.

وأردفت القناة، "وعلى رأسها تراجع مستوى التحصيل الدراسي، والاكتظاظ في الأقسام، ونقص التأطير والتكوين المستمر للمعلمين، وضعف المناهج وغياب الاستقرار في السياسات التعليمية".

وتابعت، كما أن المنظومة التربوية شهدت خلال العقدين الماضيين تعديلات متكررة في البرامج والمناهج وطرق التدريس، غير أن معظمها لم يرافقه تقييم علمي مستقل يقيس أثر هذه الإصلاحات على نتائج التلاميذ أو على جودة التعليم، وهو ما جعل كل إصلاح جديد يثير الجدل ذاته دون حسم المشكلات البنيوية التي تعاني منها المدرسة.

وشددت أن "تعزيز الإنجليزية يتماشى مع مكانتها كلغة للعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي، إلا أن نجاح هذا التوجه يبقى مشروطا بتوفير أساتذة مؤهلين، ومناهج حديثة، ووسائل تعليم ملائمة، وإصلاح شامل للمنظومة؛ لأن تغيير لغة التدريس وحده لا يكفي لتحسين جودة التعليم".

وخلصت القناة إلى التحذير من اختزال إصلاح المدرسة الجزائرية في ملف اللغات، مقدرة أن مستقبل التعليم لا تحدده اللغة التي تُدرس أولا، بل جودة المناهج، وكفاءة المعلم، واستقرار السياسات التعليمية، ووجود رؤية بعيدة المدى تستند إلى نتائج علمية لا إلى تقديرات سياسية أو رمزية.

خطوة للتحرر

الخطوة الجزائرية خلفت تفاعلات واسعة من لدن خبراء وناشطين، وفي هذا الصدد، أكد مدير أكاديمية النجاح بلدن الجزائري تباني بادي، أن "تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية في المدرسة الجزائرية ليس مجرد إصلاح تربوي، بل هو خطوة في اتجاه التحرر المعرفي واستعادة السيادة الثقافية".

وأضاف بادي في منشور عبر فيسبوك بتاريخ 26 يوليو 2026، أن اللغة الفرنسية لم تدخل الجزائر نتيجة خيار علمي أو حضاري حر، وإنما فُرضت خلال 132 سنة من الاستعمار الفرنسي، في إطار سياسة هدفت إلى طمس الهوية الوطنية وإحلال اللغة الفرنسية محل العربية.

وذكر مدير الأكاديمية أنه بعد الاستقلال بقي النفوذ اللغوي الفرنسي حاضرا في الإدارة والتعليم والاقتصاد، وسعت تيارات مختلفة مرتبطة بالفضاء الفرنكفوني إلى الإبقاء على الفرنسية كلغة مهيمنة في الجزائر.

وشدد بادي أن التمسك بالفرنسية بوصفها اللغة الأجنبية الأولى لم يعد يخدم مصلحة الأجيال الجديدة، بل يربطها أكثر بماضٍ استعماري، بغيض في حين أن الإنجليزية تفتح لها آفاق المستقبل والعالم بأسره.

وأردف: "لسنا ضد تعلم اللغات فالفرنسية مثلا لغة ثقافة وأدب وحضارة، لكننا ضد أن تبقى حاجزا بين شباب الجزائر وبين مصادر المعرفة العالمية. فالدول الناهضة لا تختار اللغات بدافع الحنين إلى الماضي، بل وفق متطلبات المستقبل".

من جانبه، قال المدون الجزائري كمال لاشي، إن عشاق اللغة الفرنسية في الجزائر يجب أن يعترفوا بأن أصغر واحد منهم تجاوز العقد الخامس.

ونبه لاشي في تدوينة عبر فيسبوك بتاريخ 25 يوليو، إلى أن جيل الشباب اليوم سريع في كل شيء ويحب السرعة، بل في بعض الأحيان يتسرع ويسقط على رأسه، ولم تعد اللغة الفرنسية تجذبه، ولا يحسن التغزل بها، ولا يطيق الكتابة بها.

وأردف: "شباب تربى على فاست فود، لا بد أن يحب لغة فقيرة، مفردة واحدة تكفي لتعبر عن معانٍ كثيرة، لكنها لغة تختصر المسافات بين كل شعوب العالم، وتكتب بها جل الأبحاث العلمية، الانجليزية يا سادة هي لغة "جيل زاد" وكل الاجيال التي تليه".

وخلص لاشي إلى أن "الفرنسية يا عشاقها فقدت مكانها حتى في بلدها فرنسا".

أما الناشط السياسي والتربوي عبد العزيز بلقايد، فيرى أن قرار تأخير تدريس اللغة الفرنسية من السنة الثالثة إلى السنة الرابعة ابتدائي، وإن كان خطوة إيجابية، إلا أنه لا ينبغي أن يحجب عنا جوهر القضية.

وأضاف بلقايد في منشور عبر فيسبوك، أن "المشكل في الجزائر ليس في توقيت تدريس الفرنسية فقط، بل في المكانة التي مُنحت لها منذ الاستقلال".

وأردف: "فهي، رغم أنها ليست لغة رسمية في الدستور، تعامل في كثير من مؤسسات الدولة وكأنها اللغة الرسمية الثانية، وتُمنح امتيازات لا تتمتع بها أي لغة أجنبية أخرى".

وتابع بلقايد: "بل إن مناهج تدريسها كثيرا ما تتجاوز تعليم اللغة إلى نقل المرجعية الثقافية الفرنسية، في حين أن الأصل في تعليم اللغات الأجنبية أن يكون الهدف هو اكتساب أداة للتواصل والانفتاح العلمي، لا تكريس التبعية الثقافية".

ودعا الناشط التربوي إلى وضع سياسة لغوية وطنية واضحة، تجعل العربية والأمازيغية في صدارة الفضاء الوطني، وتُدرَّس اللغات الأجنبية جميعها بصفتها أدوات للمعرفة والانفتاح، دون امتيازات استثنائية لأي لغة بسبب تقديرات تاريخية.

وخلص إلى أن "بناء الجزائر الجديدة لا يمر فقط عبر إصلاح الاقتصاد والإدارة، بل يبدأ أيضا بتحرير القرار اللغوي، حتى يصبح تعبيرا عن خيارات الأمة ومستقبلها، لا امتدادا لإرث الماضي".

منظومة متكاملة

قال الأكاديمي والخبير في السياسات العامة، مولاي هشام معتضد: إن التوجه نحو الإنجليزية يمثل من حيث المبدأ خيارا يتماشى مع الاتجاهات العالمية الحديثة.

وذكر لـ "الاستقلال"، أن جميع المؤشرات الدولية تؤكد أن الاقتصادات الأكثر اندماجا في سلاسل الابتكار والتكنولوجيا تعتمد الإنجليزية كلغة أساسية للبحث العلمي والتبادل المعرفي.

وتابع، وإذا اقترن هذا التحول بإصلاح شامل للمناهج، وتأهيل المدرسين، وتطوير المحتوى الرقمي، فإنه قد يرفع من قابلية الأجيال الجديدة للاندماج في الاقتصاد العالمي، ويعزز قدرتها على الوصول المباشر إلى مصادر المعرفة الحديثة دون المرور عبر الترجمة أو الوسائط اللغوية الأخرى.

وبالتالي، يضيف معتضد، "فإن نجاح المشروع لن يقاس بعدد ساعات تدريس الإنجليزية، بل بقدرته على إنتاج رأس مال بشري أكثر تنافسية في الاقتصاد الدولي".

من جانب آخر، نبَّه الباحث في السياسات العامة أن التجارب الدولية تؤكد أن تغيير لغة التدريس لا يحقق نتائج تلقائية إذا لم يسبقه بناء منظومة تعليمية متكاملة.

وأوضح، فالتحول اللغوي يحتاج إلى آلاف المدرسين المؤهلين، ومناهج حديثة، ووسائل تعليم رقمية، وآليات تقييم جديدة، إضافة إلى توافق مجتمعي حول فلسفة الإصلاح.

وأبرز أن استمرار الفرنسية كلغة واسعة الاستخدام داخل الإدارة والجامعة والاقتصاد الجزائري قد يخلق حالة من الازدواجية اللغوية إذا لم تتم إدارة الانتقال بشكل تدريجي ومدروس.

وشدد معتضد أن التحدي الحقيقي ليس إعلان الإنجليزية لغة مبكرة، بل ضمان قدرتها على أن تصبح لغة معرفة وإنتاج وليست مجرد مادة إضافية داخل المنظومة التعليمية.

وخلص الباحث الأكاديمي إلى أن نجاح الجزائر في مسار إعادة تعريف موقعها داخل الخريطة الجيوسياسية للمعرفة سيظل مرهونا بمدى الفصل بين التقديرات السياسية الظرفية ومتطلبات الإصلاح الهيكلي طويل الأمد.

أبرز الانتقادات التي تعرضت للتوجه الرسمي نحو الإنجليزية جاءت من حزب العمال، والذي حذر في بيان سابق لمكتبه السياسي من عواقب استبدال تعليم اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية في الطور الابتدائي، واصفا القرار بالعشوائي.

وقال المكتب السياسي للحزب الذي تقوده لويزة حنون: إنه يذكر قرارات شبيهة ترتب عنها في السابق انعكاسات وخيمة بالنسبة لعدة أجيال؛ حيث زعزعت مساراتها التعليمية جرّاء فرض تغييرات ارتجالية تمليها تقديرات إيديولوجية وبالتالي تفتقد للطابع العلمي.

وأبرز الحزب في بيان له أن إضافة مادة اللغة الإنجليزية كعنصر انفتاح على الكون لا يمكنه تبرير التخلي عن غنيمة حرب ولا زعزعة التلاميذ، وبصفة عامة المنظومة التعليمية.

ويقصد بتعبير "غنيمة حرب" اللغة الفرنسية، وهو وصف أطلقه عليها الكاتب والروائي كاتب ياسين بعد استقلال الجزائر عن فرنسا.