هجرة سبتة بين التضليل والصراع السياسي.. لماذا اتهم سانشيز إسرائيل؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أعادت تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بشأن وجود جهات إسرائيلية وراء أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية، فتح ملف العلاقة بين التطورات الحدودية والخلاف السياسي المتصاعد بين مدريد وتل أبيب، وسط تساؤلات عن حقيقة الدور الإسرائيلي في تأجيج الأزمة واستثمارها سياسيًا ضد الحكومة الإسبانية.

وجاءت تصريحات سانشيز في وقت كانت فيه مدريد تواجه واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي إلى سبتة، بينما تصاعدت الانتقادات الأوروبية لسياساتها في ملف الهجرة، بالتزامن مع خلاف حاد مع إسرائيل بسبب موقف الحكومة الإسبانية من الحرب على غزة واعترافها بالدولة الفلسطينية.

وفي حين نفى سانشيز وجود أدلة على تخطيط المغرب لموجة الهجرة، تحدث عن معلومات أوروبية تشير إلى تورط أطراف إسرائيلية في إطلاق حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في تضليل الراغبين في الهجرة، وهو ما نفته إسرائيل بشدة واتهمت رئيس الحكومة الإسبانية بـ"الكذب الصريح".

ويضع هذا التناقض أزمة سبتة ومليلية أمام ثلاثة مستويات متشابكة: حقيقة ما جرى على الحدود المغربية الإسبانية، والدور المحتمل لشبكات التضليل الأجنبية في تحريك الأزمة أو استثمارها، ثم انعكاس ذلك على العلاقات المغربية الإسرائيلية، في ظل انتقادات داخل المغرب لمسار التطبيع ومخاوف من تداعياته الأمنية والسياسية.

تبرئة للمغرب

وفي 3 سبتمبر/ أيلول 2026، نفى سانشيز خلال جلسة في البرلمان وقوف المغرب وراء أحداث سبتة، قائلا إن "إسبانيا لا ترى أدلة تفيد بأن موجة عبور المهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة في يوليو، والتي شهدت سقوط قتلى، كانت من تخطيط أو تنفيذ السلطات المغربية".

وتابع مؤكدا: "لا جهاز ولا منظمة دولية قدمت للحكومة الإسبانية أدلة قوية تثبت بأن المغرب خطط أو دبر" تدفق المهاجرين الذي شهدته سبتة أواخر يوليو/ تموز 2026.

وسرد سانشيز الوقائع وفق تسلسل زمني محدد، مشيرا إلى أنه في 30 يوليو/ تموز "سمحت قوات الدرك المغربية بعبور الحدود خلال 10 ساعات"، مضيفا أن إسبانيا فضّلت التعامل بـ"إنسانية" مع الذين قدموا عبر البحر، بهدف تجنب وقوع مأساة أو غرق العابرين.

وقال: "تحتم علينا الأمر أن ندافع عن حياة البشر، وهذا أمر مهم جدا. أؤكد أن قوات الأمن قامت بكل ما كان صحيحا. فقد تعاملت بحكمة وديمقراطية، وعلينا أن نكون فخورين بذلك".

واستعرض سانشيز الإجراءات التي اتخذتها القوات الإسبانية لوقف تدفق المهاجرين، وفي مقدمتها تعزيز الحدود مع الدول الأوروبية المجاورة، ووضع حاجز بحري على الساحل، فضلا عن نشر زوارق عسكرية إضافية وسريعة لمنع أي "حالات عبور جديدة".

وقال في هذا الشأن: "استطعنا في أقل من 24 ساعة إعادة أكثر من 50 ألف مهاجر إلى المغرب، أي ما يعادل 90 بالمئة، وهي أكبر عملية ترحيل حدثت في أوروبا عبر التاريخ".

كما أعلن إرسال 500 شرطي إضافي وجندي إلى سبتة في ذروة الأزمة، وزيادة عدد الدوريات، ورفع مستوى الإمدادات الطبية والصحية، لا سيما في ما يتعلق بالمهاجرين القصر.

وبخصوص التباطؤ الذي وقع في إعادة المهاجرين إلى الجهة التي جاؤوا منها، قال سانشيز: "لا نستطيع أن نعدّ شخصا ما ككيس ونرميه في الجهة المقابلة".

واستطرد: "إسبانيا هي ديمقراطية عظيمة، ونحن دولة اشتراكية، ما يعني أن هناك سلسلة من الإجراءات والالتزامات الدولية التي يجب أن نتصرف وفقها، ونقوم بالأشياء بكرامة وباحترام".

هجرة جماعية

وقدّرت السلطات الإسبانية أن نحو 60 ألف مهاجر عبروا إلى مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليو/ تموز 2026، في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي شهدتها الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

وفي وقت لاحق، أعلنت الحكومة الإسبانية تسجيل دخول نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة، مشيرة إلى أنها أعادت معظمهم إلى الجانب المغربي.

وصعّد سانشيز أخيرا من خطابه السياسي ضد إسرائيل، إذ عارض عملياتها العسكرية في إيران ولبنان، وطلب تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، مؤكدا ضرورة عدم مرور هذه الانتهاكات "دون محاسبة".

ولم يتأخر الرد الإسرائيلي على تصريحات سانشيز، إذ اتهم وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، رئيس الوزراء الإسباني بـ"الكذب الصريح".

وأضاف ساعر، وفق ما نقل موقع "أوروبا بريس" في 31 أغسطس/ آب، متحدثا عن سانشيز: "لقد كذب مجددا، واتهم إسرائيل بشكل مفاجئ بنشر معلومات مضللة حول الأحداث في سبتة. هذه كذبة صريحة".

من جانبها، ردت القائمة بالأعمال الإسرائيلية في إسبانيا، دانا إيرليخ، بتغريدة عبر حسابها على منصة "إكس"، قائلة: "يجب مكافحة التضليل. لا يمكن الاستمرار في استخدام إسرائيل كستار دخاني".

وأكد سانشيز أنه "لا توجد معلومات" تشير إلى المغرب بوصفه مصدر الأزمة، وأشار بدلا من ذلك إلى روسيا وإسرائيل، إلى جانب "جماعة دولية يمينية متطرفة"، لاستخدامها الهجرة "لمهاجمة" إسبانيا وأوروبا.

وأشار الموقع إلى أن ذلك يمثل أحدث جولة من تبادل الاتهامات بين الحكومة الإسبانية والحكومة التي يرأسها بنيامين نتنياهو، الذي استدعى سفيره في مدريد لإجراء مشاورات في مايو/ أيار 2024، عقب اعتراف مدريد بدولة فلسطين، ولم يعين خليفة له.

كما أن إسبانيا ليس لديها سفير في إسرائيل، حيث يقتصر أعلى تمثيل دبلوماسي على مستوى القائم بالأعمال، بعد استدعاء آنا سالومون لإجراء مشاورات في سبتمبر/ أيلول 2025، ثم إقالتها في مارس/ آذار 2026.

تفاعلات متعددة

توقف عدد من المتفاعلين عند الأبعاد التي تضمنتها تصريحات سانشيز، ولا سيما ما عدوه مؤشرات خطيرة على حجم الاختراق الإسرائيلي للمغرب.

وهذا ما أشار إليه الصحفي والناشط السياسي سليمان الريسوني، إذ انتقد بشدة ما وصفه بفرح صحافة الأجهزة الاستخباراتية و"التطبيل" لما جاء على لسان رئيس الوزراء الإسباني بشأن تبرئة المغرب من تهمة التخطيط لحدث الهجرة الجماعية.

وأضاف: "هؤلاء لا يدركون أن تصريح سانشيز كالسم في العسل"، مشددا على أن العلاقة مع إسرائيل تجاوزت، بحسب تقديره، "التطبيع المتكافئ" إلى التحكم الكامل في المملكة.

وذكر أن جميع مؤسسات السيادة في المغرب كانت خارج التغطية، وأن إسرائيل تفعل ما تشاء في أبنائه وعلى ترابه ودون علمه، وفق تعبيره.

من جانبه، أكد الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع عزيز هناوي، أن المؤكد حتى الآن هو أن إسرائيل استفادت كثيرا من حدث الهجرة الجماعية وما خلفه من صور ومشاهد، غير أنه من الصعب تأكيد مسألة التخطيط الإسرائيلي المسبق لما وقع.

وقال هناوي لـ"الاستقلال": "إن الكيان الإسرائيلي إلى جانب داعمه الأميركي حرص على الاستغلال البعدي للحدث عبر مهاجمة حكومة سانشيز، نظرا لمواقفها السياسية والأخلاقية الداعمة للقضية الفلسطينية، والرافضة لحرب الإبادة الجماعية بغزة، وهي مواقف مشهودة ولا تحتاج إلى كثير بيان".

واسترسل: "فالجانب الصهيوني والأميركي عملا على الاستثمار البعدي لهذه الهجرة الجماعية، وحركا البروباغندا والآلة الإعلامية الداعمة لهما في مهاجمة الحكومة الإسبانية، ودعم اليمين الإسباني الموالي لإسرائيل ودونالد ترامب، في محاولة لإسقاط حكومة اليسار الحاكمة".

وعن تعريض إسرائيل الأمن القومي المغربي للخطر، إن صحت الرواية الإسبانية، أكد هناوي أن إسرائيل لا تراعي للأمن القومي المغربي شيئا رغم توقيع اتفاق التطبيع معها، مشددا على أنها لا تهتم بأي شيء أو بأي أحد سوى بمصالحها.

وأردف أن هذا يؤكد ما دأبت القوى الحية في المغرب على الدعوة إليه، من حيث إسقاط التطبيع ووقف جميع أشكال التعاون مع إسرائيل، لما لهذا المسار من مخاطر أمنية وإستراتيجية وسياسية واقتصادية وثقافية على المغرب، بما يشكل في مجموعها تهديدا مباشرا للدولة والمجتمع على حد سواء.

ونبه الناشط الحقوقي إلى أن بعض الأصوات في إسرائيل تتحدث عن ضرورة استرجاع المغرب لسبتة ومليلية من الإدارة الإسبانية، مقدرا أن هذا الموقف، وإن كان يعكس مطلبا أصيلا لدى عموم المغاربة، أي استرجاع المدينتين إلى السيادة الوطنية، فإنه يأتي، بحسب تقديره، في إطار مناكفة إسرائيلية للحكومة الإسبانية وليس موقفا أصيلا.

وتابع: "وحتى إن كانت إسرائيل حقا تدافع عن سبتة ومليلية بوصفهما جزءا لا يتجزأ من التراب المغربي، فالمغاربة ليسوا في حاجة إلى هذا الاعتراف والشهادة، لأن هذا الكيان الدموي الإرهابي الاستئصالي، لا يمكن أن نقبل منه شيئا؛ لأنه عدو للأمة المغربية والإسلامية والإنسانية ككل".

قراءة أكاديمية

ويرى "مركز تقدم للدراسات" أن قراءة أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية وتطوراتها الأخيرة تستدعي تناولها من عدة جوانب، أولها تبرئة سانشيز للمغرب، في سياق تصريحات أكدت عدم وجود معلومات استخباراتية تشير إلى تورط الرباط.

وأوضح المركز في تقدير موقف نشره في 2 سبتمبر/ أيلول 2026، أن "هذه التصريحات تمثل خيارا إستراتيجيا يهدف إلى حماية التنسيق الحدودي مع المغرب والحفاظ على علاقات جيدة بين مدريد والرباط، خصوصا في ملفات حساسة مثل سبتة ومليلية والصحراء المغربية".

وتابع: "وقد عزّز هذا التوجه وجود الملك محمد السادس في منطقة المضيق يوم انطلاق الحشود، مما جعل أي اتهام خارجي للمغرب أكثر حساسية، وجعل تبرئة سانشيز ضرورة دبلوماسية لتجنب تصعيد مع الرباط".

ثانيا، يردف المركز: "استند سانشيز في اتهامه للشبكات الروسية والإسرائيلية إلى تحليلات دائرة العمل الخارجي الأوروبية بشأن التلاعب الأجنبي بالمعلومات، غير أن الرصد الأوروبي ركز على قنوات روسية بدأت التضخيم بعد اندلاع الأزمة لا قبلها، مما يعني أن الدور الروسي كان في تضخيم الأحداث وتوظيفها إعلاميا، وليس في التخطيط لها أو تنفيذها".

واسترسل: "ولذلك يُرجح أن يكون من مصلحة روسيا تضخيم أي أزمة حدودية أوروبية لإضعاف موقف إسبانيا داخل الاتحاد بسبب دعمها لأوكرانيا، واستخدام ملف الهجرة أداة للانقسام داخل الاتحاد".

وفيما يتعلق باتهام إسرائيل، يقول المركز في ملاحظته الثالثة، يبدو أن الأمر يرتبط بالخلاف الحاد بين إسبانيا وإسرائيل، والذي يعود إلى وصف مدريد ما يجري في غزة بـ"الإبادة"، والاعتراف بفلسطين، وحظر الأسلحة، ورفض استخدام القواعد الإسبانية في عمليات أميركية-إسرائيلية.

وذكر أن "هذا الخلاف جعل اتهام إسرائيل مريحا سياسيا لسانشيز؛ إذ يصرف الانتباه عن الثغرات الداخلية ويصوّر الأزمة كحرب هجينة خارجية لا فشلا إداريا".

واستدرك: "غير أن هذا الاتهام وضع علاقات إسرائيل بالمغرب في حرج واضح، فالمغرب شريك أمني واقتصادي لتل أبيب بعد التطبيع، وأي اتهام لشبكات إسرائيلية بالتضليل، حتى لو نفته إسرائيل، يغذي حساسية الرأي العام ويضع التعاون الثنائي تحت مجهر المعارضة والانتقاد".

رابعا، يضيف المركز، "استفاد اليمين المتطرف العالمي، الذي يتوحد حول ترامب، والإسباني من تحوّل صور سبتة إلى سلاح انتخابي ضد سانشيز، ووجد في تعليق إيطاليا لشنغن نموذجا يحتذى لمهاجمة سياسة الهجرة الإسبانية".

وزاد: "كما برز الصراع الأوروبي-الأوروبي بقوة عبر تصدّر إيطاليا بقيادة اليمين الشعبوي الهجوم؛ إذ استخدمت أزمة سبتة لتعليق شنغن وفرض ضوابط انتقائية، في خطوة عدتها مدريد تسييسا للأمن الحدودي".

ونبهت الورقة إلى أنه "لا يمكن استبعاد عامل اتفاقيات الغاز التي أبرمتها إيطاليا مع الجزائر في موقف روما التصعيدي ضد مدريد، مما كان يمكن أن يفاقم الخلاف مع المغرب".

وفي المحصلة، يضيف المركز: "خرج المغرب أقل تضررا دبلوماسيا مما كان متوقعا؛ لأن مدريد اختارت الإشادة بالتعاون بدلا من المواجهة، وهو ما يعزز ورقة الرباط في ملفات سبتة ومليلية والصحراء على المدى المتوسط".

في المقابل، يتابع المصدر ذاته، "باتت إسرائيل تواجه حرجا في علاقتها بالمغرب، خاصة في ظل استمرار التسريبات والروايات التي تلمح إلى شبكات مرتبطة بها، مما قد يؤثر على مسار التطبيع بين البلدين".