كيف أسقط الحوثيون المخا؟ الذكاء الاصطناعي يدخل على خط المعركة

اتهامات للحوثيين باستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب الحالية
لم يعد التقدم الميداني لجماعة الحوثي في الساحل الغربي لليمن مرتبطًا بالسيطرة على الأرض وحدها، إذ تكشف المعطيات التي ظهرت بالتزامن مع سقوط مدينة المخا عن بُعد آخر للحرب، يتمثل في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والاختراق الإلكتروني للتأثير في الاتصالات والمعلومات التي تتحرك داخلها القوات خلال المعارك.
ومع سقوط المخا في 10 سبتمبر/ أيلول 2026، واقتراب الحوثيين من مضيق باب المندب عبر السيطرة على مناطق وجزر إستراتيجية في البحر الأحمر، برزت روايات عن استخدام الجماعة تقنيات متقدمة في الحرب الإلكترونية، من بينها تقليد أصوات القادة وبث رسائل مضللة عبر شبكات الاتصالات، بالتوازي مع معلومات أخرى عن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في تطوير برمجيات مرتبطة بتوجيه الصواريخ والملاحة والتحكم.
وإذا كانت السيطرة على المخا والمناطق المحيطة بها تمثل تحولًا في الخريطة العسكرية، فإن دخول التكنولوجيا المتقدمة على خط المواجهة يطرح سؤالًا أكثر خطورة حول طبيعة الحرب المقبلة في اليمن: هل أصبحت الأدوات الرقمية جزءًا من منظومة الحوثيين العسكرية، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيرة والأسلحة التقليدية؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع كشف شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي عن استخدام مجموعة في شمال اليمن أحد نماذجها للمساعدة في تطوير برامج مرتبطة بأسلحة متطورة، فيما تحدث مصدر سياسي يمني عن استخدام تقنيات تقليد الصوت والاختراق الإلكتروني خلال معركة المخا.
وبذلك، تبدو الحرب اليمنية أمام تحول يتجاوز خطوط الجبهات التقليدية، لتجمع بين السيطرة الميدانية والحرب على الاتصالات والمعلومات، وبين الأسلحة التقليدية وأدوات الذكاء الاصطناعي.

تمدد إستراتيجي
وبسقوط المخا وأرخبيل جزر حنيش الإستراتيجي، بات الحوثيون أقرب إلى باب المندب، فيما تتقدم قواتهم جنوبًا نحو مديرية ذو باب المطلة على المضيق، والتي انسحبت إليها القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها.
ولا تبدو أهمية هذه السيطرة محصورة في الخريطة العسكرية اليمنية، فباب المندب يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في وقت تعتمد فيه السعودية بصورة متزايدة على البحر الأحمر لتصدير نفطها، بعدما عطلت الحرب مع إيران حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
ولهذا، وصف وكيل وزارة العدل اليمنية فيصل المجيدي سقوط المخا بأنه "انتصار إيراني"، يتيح لها التحكم في حركة الملاحة في باب المندب، حسبما نقل موقع "الحرة" الأمريكي في 10 سبتمبر/ أيلول.
ومن جبهتين، شمالية انطلقت من الحديدة وشرقية من ضواحي تعز، هاجم الحوثيون المدينة التي يمثل سقوطها تحولًا في ميدان العمليات القتالية في اليمن، لكن الأخطر هو الحديث عن استخدام الحوثيين أدوات قادرة على التأثير في المعلومات التي تصل إلى المقاتلين والقادة.
وكشف مصدر سياسي يمني لـ"الاستقلال"، طالبًا عدم الكشف عن هويته، أن الحوثيين استخدموا تقنيات الذكاء الاصطناعي والاختراق الإلكتروني خلال المعركة التي انتهت بسيطرتهم على المخا، في محاولة للتأثير في سير العمليات.
وقال المصدر: إن أحد أبرز أوجه الاستخدام تمثل في تقليد صوت طارق محمد صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات "المقاومة الوطنية" في المخا، عبر تسجيل صوتي يوحي بأن الوحدات انسحبت حفاظًا على الأرواح.
وأكد أن التسجيل "لم يكن صوت طارق صالح"، وإنما جرى إنتاجه باستخدام تطبيق للذكاء الاصطناعي تمكن من تقليد صوته، قبل استخدامه ضمن عملية اختراق وتأثير على الوحدات المشاركة في المعركة.

حرب الاتصالات
وإذا كانت السيطرة على الأرض هي الوجه التقليدي للحرب، فإن السيطرة على المعلومات التي تصل إلى المقاتل قد تكون وجهًا آخر أكثر حساسية، وبالتالي تبرز هنا الرواية التي قدمها المصدر السياسي اليمني بشأن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والاختراق الإلكتروني.
وقال المصدر: إن الحوثيين لم يكتفوا بتقليد الصوت، بل "استطاعوا أن يخترقوا أجهزة الاتصالات وينشروا هذا الصوت عبر غرفة العمليات إلى أجهزة اتصالات القادة في جميع الوحدات".
وتكشف الرواية عن استخدام للذكاء الاصطناعي لا يقوم على تدمير هدف مادي، وإنما على التأثير في البيئة المعلوماتية التي تتحرك داخلها القوات، ذلك لأن الصوت المقلد يصبح جزءًا من عملية أوسع تستهدف الاتصالات، في محاولة لإرباك الوحدات أو التأثير في قراراتها خلال لحظة قتالية حاسمة.
وأكد المصدر أن الحرس الثوري الإيراني كان حاضرًا ضمن المعركة، متحدثًا عن نحو 200 قائد من الحرس الثوري في الميدان، وأن "هذه تقنية متقدمة، والحرس الثوري ساعد في استخدامها".
ولا يفصل المصدر بين هذه العملية وبين مسار أوسع يتعلق بالكفاءات التقنية، إذ يقول إن الحوثيين "يستقطبون كل خريجي الأمن السيبراني"، وإنهم يعملون على استقطاب خريجي هذه التخصصات للعمل معهم.
وبحسب المصدر، فإن الجماعة "تجبر البعض وتخير البعض"، مضيفًا أن من يعمل معها تصبح "تفاصيل حياته كلها بأيديهم"، بحيث لا يستطيع الذهاب أو السفر أو العودة أو الغياب "إلا بإذن".
وأفاد المصدر بأن الحوثيين يقدمون للعاملين في هذه المجالات مرتبات جيدة مقارنة بغيرهم ومتوسط دخل الفرد في اليمن، موضحًا: "رغم أنها ليست مرتبات كبيرة، فإنهم يعطونهم مرتبات جيدة".

صواريخ رقمية
لكن رواية استخدام الذكاء الاصطناعي في اليمن لا تتوقف عند تقليد الأصوات أو اختراق الاتصالات، ففي تقرير صدر في 11 سبتمبر/ أيلول، أفادت شركة "أنثروبيك" بأن مستخدمي برنامج "كلود" في شمال اليمن حاولوا استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي لتطوير صواريخ متطورة.
وقالت "أنثروبيك": إن المستخدمين لم ينجحوا في "نشر جهاز عملي"، لكنهم أجروا اختبارًا فاشلًا لصاروخ موجه، ثم عادوا إلى برنامج "كلود" لمعرفة سبب فشل الاختبار.
وتزداد خطورة المعلومات عندما تكشف الشركة أن الخلية الموجودة في شمال اليمن كانت تعمل على ثلاثة برامج لتطوير أسلحة، واستخدمت "كلود كود" للمساعدة في تطوير برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم.
وشملت البرامج، بحسب الشركة، صاروخًا موجهًا يستخدم حاسوب طيران من فئة الهواتف، وبرنامجًا لصاروخ باليستي متعدد المراحل بهدف معلن بمدى يتجاوز 2000 كيلومتر، إضافة إلى مجموعة متعددة النماذج أطلق عليها المستخدمون اسم "آر 2000"، وتضمنت نسخة مرتبطة بتقنية الانزلاق فرط الصوتي.
والأكثر إثارة أن الذكاء الاصطناعي لم يستخدم هنا بوصفه أداة للحصول على معلومة عابرة، وإنما للمساعدة في كتابة البرمجيات ودمج أنظمة مفتوحة المصدر وضبط إعدادات التحكم وإجراء عمليات محاكاة واختبارات برمجية.
كما استخدمت الخلية جلسات عدة من "كلود" في الوقت نفسه، بحيث تتولى جلسة البرمجة، وأخرى البحث، وثالثة مراجعة الأكواد التي تنتجها الجلسة الأولى، بما يشبه توزيع العمل داخل فريق هندسي صغير.
وتكشف الحالة اليمنية أيضًا عن مشكلة تتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي نفسها: كيف يمكن منع جماعة مسلحة من تفكيك عملية تطوير سلاح إلى مهام صغيرة، بحيث لا تكشف أي جلسة منفردة الهدف النهائي؟
وقالت "أنثروبيك": إن أنظمة الحماية التابعة لها نجحت في منع عدد كبير من الطلبات، لكن المستخدمين تمكنوا من تجاوز بعض الإجراءات عبر إخفاء الغرض النهائي من الأسئلة وتجزئة العمل على جلسات متعددة، بحيث لا تكشف أي جلسة منفردة طبيعة المشروع بالكامل.
ولم تكن المسألة نظرية تمامًا، إذ أجرت الخلية اختبارًا ميدانيًا لصاروخ موجه في اليمن، قالت "أنثروبيك" إنه يبدو أنه فشل، وبعد ساعات، عاد أفراد الخلية إلى "كلود" لمحاولة تحليل أسباب الفشل.
ولم تسم "أنثروبيك" الجماعة التي تقف وراء الخلية، واكتفت بوصفها بأنها موجودة في شمال اليمن، فيما ربطت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية في 11 سبتمبر/ أيلول المجموعة بالحوثيين، نظرًا إلى أن المنطقة تقع ضمن مناطق سيطرتهم.

تكنولوجيا الحرب
وفي مقال نشرته مجلة "المجلة" اللندنية في 12 سبتمبر/ أيلول، رأى الكاتب إبراهيم أحمد أن هذه الواقعة تختزل مفارقة كبيرة في المشهد العالمي، مشيرًا إلى خلية في واحدة من أكثر مناطق العالم فقرًا واضطرابًا تستخدم تقنية متقدمة للمساعدة في تطوير أسلحة.
وقال إبراهيم أحمد في مقاله: إن "خلية حوثية تعمل على تطوير أسلحة استخدمت كلود كود من أنثروبيك"، للمساعدة في تطوير برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم لبرامج تسلح بينها صاروخ باليستي، مشيرًا إلى أن الخلية عادت إلى الذكاء الاصطناعي بعد فشل تجربة صاروخ.
ويطرح أحمد مفارقة أخرى تتمثل في أن مقاتلين في منطقة فقيرة ومضطربة يستخدمون واحدًا من أكثر منتجات التكنولوجيا البشرية تقدمًا، بينما يقفون بالقرب من باب المندب، أحد أهم بوابات التجارة العالمية.
وقال الكاتب: إن "الذكاء الاصطناعي ليس عالمًا افتراضيًا"، وإن وراء الخوارزميات عالمًا ماديًا ضخمًا من الرقائق ومراكز البيانات والكهرباء والمعادن والمصانع والسفن وسلاسل الإمداد التي تمتد بين القارات.
وفي ختام حديثه، تساءل أحمد قائلًا: "كيف سنضع قواعد للآلة إذا كنا نعجز عن فرض قواعد تمنع مليشيات من السيطرة على شريان حيوي للبشرية؟".
ولا تبدو الحرب الروسية الأوكرانية والإبادة الإسرائيلية في غزة بعيدتين عن هذا التحول، إذ أثار استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات الصراع نقاشات متواصلة حول تأثيره على الأمن الدولي والإقليمي واستدامة الحروب.
وبات الذكاء الاصطناعي يدخل في تحليل البيانات الضخمة، وفهم الأنماط والاتجاهات العسكرية، والاستطلاع والاستشعار عن بعد، والتشفير والأمن السيبراني، إضافة إلى مراقبة وتحليل الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي وتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو المرتبطة بالحرب.
كما يستخدم في تقييم المخاطر والأضرار المحتملة للقرارات العسكرية، وتطوير وتحسين أنظمة الأسلحة الموجهة، مثل الطائرات من دون طيار والصواريخ الذكية، وتحديد الأهداف وتصنيف المقاتلين وتحسين التواصل والتنسيق بين القوات.
وفي المقابل، فإن زيادة الدقة التي قد يوفرها الذكاء الاصطناعي لا تلغي خطر الأخطاء الكارثية، بل تفتح الباب أمام تحول أكبر في طبيعة الصراع، خصوصًا مع تطوير الروبوتات القاتلة والأسلحة ذاتية التشغيل والذخائر ذاتية التحكم.
وحتى بعد توقف القتال، يمكن استخدام التكنولوجيا في تقييم الأضرار وتحديد أولويات إعادة الإعمار، وتحليل صور وفيديوهات المناطق المتضررة، وتنسيق العمليات الإنسانية المتعلقة بالنازحين واللاجئين، وتحليل البيانات السياسية والاجتماعية للمساعدة في المصالحة.
لكن الحالة اليمنية تضع الوجه الأخطر لهذا التحول أمام العالم، وهو أن الذكاء الاصطناعي لا يدخل الحرب وحده، وإنما يدخلها عبر بشر يمتلكون أهدافًا عسكرية، ويجمعون الأدوات الرقمية والبرمجيات والخبرات البشرية والموارد المادية ضمن منظومة واحدة.

















