من تعز إلى باب المندب.. إلى أين يتجه التصعيد في اليمن؟

أعلنت قوات الحكومة استعادة الحيس من سيطرة الحوثيين
تشهد جبهات القتال في غرب اليمن تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، مع احتدام المواجهات بين قوات الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي، خصوصًا في محافظتي تعز والحديدة، وسط مؤشرات على انتقال العمليات من حالة التوتر المتقطع إلى مواجهات أكثر اتساعًا على عدد من المحاور.
وتتركز أبرز المواجهات في قطاع الكدحة غربي محافظة تعز، بالتزامن مع إعلان القوات الحكومية، في 5 سبتمبر/ أيلول 2026، استعادة السيطرة الكاملة على مديرية حيس جنوبي محافظة الحديدة، بعد طرد الحوثيين من المناطق الريفية التي كانت لا تزال خاضعة لسيطرتهم.
ويطرح هذا التطور العسكري تساؤلات بشأن ما إذا كانت قوات الحكومة الشرعية، المعترف بها دوليًا، قد استعادت زمام المبادرة ميدانيًا، أم أن التطورات الحالية لا تتجاوز جولة جديدة من التصعيد العسكري؟

تحرك ميداني
في الكدحة، تخوض القوات المسلحة الحكومية اشتباكات عنيفة مع مليشيا الحوثي، فيما أعلن الإعلام العسكري أن التشكيلات الحكومية ألحقت بالجماعة الحوثية المدعومة من إيران خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وأحبطت محاولاتها الميدانية في القطاع.
وتزامن ذلك مع إعلان القوات الحكومية تحقيق تقدم في مناطق تقع عند مفرق البرح غربي تعز، مع توغل باتجاه مواقع تابعة للحوثيين، وسط حديث عن تراجع وفرار عناصر الجماعة، وسقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوفها، فضلًا عن أسر عشرات من عناصرها خلال المعارك.
ولا تقتصر المواجهات على الكدحة والبرح؛ إذ شهدت محافظة تعز اشتباكات على أكثر من محور، بينها جبهة حيفان جنوب شرقي المحافظة ومقبنة غربًا، في وقت واصلت القوات الحكومية تثبيت مواقعها في المناطق التي أعلنت استعادتها.
وفي الساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية استعادة وتأمين جميع المناطق الريفية التابعة لمديرية حيس، لتنهي بذلك، وفق المصدر العسكري الذي نقلت عنه وكالة الأنباء اليمنية الرسمية «سبأ» في 5 سبتمبر، وجود الحوثيين في المديرية بصورة كاملة.
وتكتسب حيس أهمية ميدانية بسبب موقعها ضمن مسرح العمليات الممتد على الساحل الغربي، واتصالها الجغرافي بمحافظات الحديدة وتعز وإب. كما تضم جبهة الساحل مواقع إستراتيجية كانت خلال السنوات الماضية مسرحًا لمواجهات متبادلة، من بينها جبل دباس والشليف والمساجد.
وفي 6 سبتمبر، وجّه وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي برفع الجاهزية القتالية في مختلف الجبهات، وعقد اجتماعًا مع مساعديه ونائب المفتش العام ورؤساء الهيئات ومديري الدوائر.
وأكد العقيلي أهمية «البقاء في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد، ورفع مستوى الانضباط واليقظة»، مشددًا على تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية، في ظل ما وصفه بالتصعيد المتواصل من جانب مليشيا الحوثي.
وأشاد الوزير بما قال: إنه مستوى التنسيق بين التشكيلات العسكرية ووحدة الموقف في مواجهة التهديدات، وثمّن ما وصفها بالنجاحات والانتصارات التي تحققها القوات الحكومية في أكثر من جبهة.

حسابات الساحل
ولا تبدو أهمية حيس مرتبطة بالسيطرة على مديرية واحدة فحسب؛ إذ يربط موقعها بين أجزاء من مسرح العمليات في الساحل الغربي والجبهات المتاخمة لغرب تعز. ولذلك، فإن السيطرة عليها تدخل في حسابات أوسع تتعلق بخريطة النفوذ والتحرك العسكري وخطوط الإمداد.
وفي شرح للخبير العسكري اليمني العميد الركن السابق محمد الكميم، قدّمه لـ«الاستقلال»، فإن أهمية التصعيد الحوثي في الساحل الغربي ترتبط، وفق تقديره، بالأهمية الإستراتيجية لهذه الجغرافيا بالنسبة إلى إيران.
وقال الكميم: إن الجماعة تتحرك في هذه الجبهة بتوجيه إيراني، مقدرا أن الهدف يتمثل في استكمال السيطرة على الساحل الغربي والوصول إلى مضيق باب المندب، بما يتيح للحوثيين تهديد أمن الملاحة البحرية وتحويل الممر الإستراتيجي إلى ورقة ضغط تستخدمها إيران.
وأوضح الخبير اليمني أن طهران، في ظل الضغوط التي تواجهها في صراعها مع الولايات المتحدة، تسعى إلى امتلاك أوراق إضافية يمكن استخدامها على طاولة التفاوض، مؤكدًا أن القدرة على تهديد الممرات البحرية تمثل ورقة استراتيجية بالغة الأهمية.
وبحسب الكميم، فإن التصعيد الحوثي بدأ على أكثر من مستوى، من التحرش بالقوات إلى التصعيد الإعلامي والعسكري، مشيرًا إلى تزامن ذلك، بحسب قوله، مع وصول طائرة «ماهان» الإيرانية إلى مطار صنعاء، قبل أن تتسع حدة الخطاب والتطورات الميدانية.
وفي 13 يوليو، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، فيما ذكرت وكالة «فارس» أن طائرة «ماهان» التي تقلّ وفد الحوثيين العائد من إيران توجهت إلى مطار الحديدة في غرب اليمن بعد الهجوم على مطار صنعاء.
أما حيس، فيرى الخبير اليمني الكميم أن أهميتها ترتبط بموقعها ضمن مديريات الساحل الغربي، فهي «تمثل بحكم موقعها المطل على الساحل، نقطة إستراتيجية في مسار المعركة»، إلى جانب الخوخة والمخا، فضلًا عن اتصالها بجبهات جنوب الحديدة وغرب تعز.
وأشار إلى أن الحوثيين سعوا إلى السيطرة على المرتفعات الحاكمة في المنطقة، لا سيما جبل دباس، مقدرا أن السيطرة عليها كانت ستمنح الجماعة موقعًا متقدمًا يمكنها من التحكم بالنيران والتحرك باتجاه البحر الأحمر.
وربط الكميم بين هذه المرتفعات وبين جبهات الكدحة ومقبنة والبرح التي يرى أنها تشكّل نقاطًا مهمة في مسار محاولة التحكم بخطوط الحركة والإمداد بين تعز والساحل الغربي.
وأشار إلى أن السيطرة على مرتفعات مقبنة والكدحة قد تمنح الحوثيين قدرة على الوصول إلى الخط الفاصل بين تعز والمخا، بما يسمح لهم بمحاولة عزل تعز عن محيطها وإعادة فرض الحصار عليها، كما حدث خلال مراحل سابقة من الحرب.

جبهات مفتوحة
وعلى صعيد آخر، أكد الكميم أن المعركة في غرب اليمن لا يمكن فصلها عن هدف أوسع يتعلق بالسيطرة على الساحل الغربي والاقتراب من باب المندب. ولذلك، فإن القتال في الكدحة ومقبنة والبرح وحيس، بحسب تقديره، لا يمثّل مجموعة من المواجهات المنفصلة، وإنما يرتبط بصراع على طرق الحركة والمرتفعات والمواقع المشرفة على الساحل.
ولفت إلى أن السيطرة على هذه المناطق يمكن أن تتيح للحوثيين الضغط على المخا وتهديد خطوط الإمداد إليها، وفي حال تمكنت الجماعة من تطوير هجومها، فقد يقود ذلك إلى تطويق الساحل الغربي بصورة أكبر.
في المقابل، فإن استعادة القوات الحكومية حيس والمناطق الريفية التابعة لها، بالتزامن مع التطورات في الكدحة والبرح ومقبنة، تعني ميدانيًا إعادة رسم بعض نقاط الانتشار على جبهة الساحل الغربي، خصوصًا في ظلّ إعلان الحكومة تمكنها من تثبيت مواقعها في المناطق التي استعادت السيطرة عليها.
ورأى السفير اليمني الأسبق عبد الوهاب طواف أن مليشيا الحوثي تمكنت خلال الأيام السابقة من التقدم في مناطق عديدة من مديريات تعز الغربية، في محاولة لإسقاط مناطق تمركز القوات المسلحة في المخا، لكنه قال: إن «95 بالمئة من تلك المناطق تم استعادتها حتى هذه اللحظة».
ورأى طواف، خلال تدوينة على «إكس» في 5 سبتمبر، أن المعركة تحقق عدة أهداف بالنسبة للحوثيين، من بينها محاولة إحراز نصر لوقف ما وصفه بنزيف الرفض الشعبي، و«إعادة شريان تهريب يغذي الجماعة بالأسلحة والمال والمخدرات»، فضلًا عن السيطرة على المخا والاقتراب من باب المندب.
وربط طواف هذا الهدف الأخير بالمفاوضات الإيرانية، قائلًا: إن الاقتراب من باب المندب يمثل، وفق تقديره، «خدمة للمفاوض الإيراني».
وفي المقابل، رأى أن ما جرى في تعز يمثل فرصة لإعادة ترتيب القوات والتقارب والتنسيق بين الجبهات، مشيرًا إلى أن المواجهات تمثل «استنزافًا يُضاف إلى ما يحدث في بقية الجبهات، عبر المسيرات والقصف المدفعي الدقيق، استعدادًا للمرحلة الثانية».
وأكد الكميم أن المرحلة المقبلة قد تشهد فتح جبهات جديدة بهدف إعادة توزيع الضغط العسكري وتخفيف العبء عن الجبهات الحالية، مشيرًا إلى أن اتساع المواجهات قد يكون مقدمة للانتقال من مرحلة الاحتواء والتصعيد المحدود إلى مرحلة الهجوم الأوسع.
وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، رشاد العليمي، أكد في 5 سبتمبر أن تعز لن تكون «ممرًا آمنًا» للمشاريع والأجندات الداعمة للحوثيين، مشيرًا إلى أن القوات الحكومية تمكنت من التصدي لهجمات الجماعة واستعادة المبادرة على الأرض.
ويُعد التصعيد العسكري الحالي بين قوات الحكومة والحوثيين الأشد من نوعه منذ بدء الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في أبريل/ نيسان 2022، بعد سنوات من الحرب اندلعت عقب انقلاب الجماعة الموالية لإيران على الشرعية عام 2014 والسيطرة على العاصمة صنعاء ومدن أخرى.
المصادر
- وزير الدفاع يوجه برفع الجاهزية القتالية في مختلف الجبهات لمواجهة التصعيد الحوثي وعقد لقاء مع كبار قادة الجيش
- تقدم ميداني للقوات المسلحة في سقم والجراحي واسقاط طائرات مسيرة وقصف حوثي يطال منشأة حكومية في حيس
- اشتباكات غربي تعز والعليمي يتوعد الحوثيين
- تطورات متسارعة في اليمن.. القوات الحكومية تعلن السيطرة على مديرية حيس


















