هل من صفقة عسكرية غير معلنة أُبرِمت خلال زيارة رئيس الصين إلى مصر؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بالتزامن مع أول زيارة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر منذ 10 سنوات، مطلع سبتمبر/ أيلول 2026، برزت مؤشرات على دخول العلاقات العسكرية بين القاهرة وبكين مرحلة جديدة، تتجاوز أشكال التعاون التقليدية.

ففي الوقت الذي تحدَّث فيه البلدان عن تعميق علاقاتهما الاقتصادية، كانت طائرة صينية للتزود بالوقود جواً تزود مقاتلة مصرية بالوقود خلال مناورات عسكرية مشتركة.

ورغم أن الجانب الاقتصادي تصدّر الزيارة، في ظل سعي بكين إلى توسيع استثماراتها في مصر، ورهان القاهرة على جذب مشروعات صينية موجهة للتصدير، فإن جانباً آخر من العلاقات بين البلدين لم يحظ بالقدر نفسه من التركيز الإعلامي.

ويتعلق الأمر بالتعاون العسكري المتنامي بين مصر والصين، وسط تقارير عن اهتمام القاهرة بالحصول على مقاتلات "J-10CE" الصينية، إلى جانب طائرات للإنذار المبكر والتزود بالوقود جواً.

ويعيد هذا الاحتمال طرح معضلة قد تواجهها القاهرة في علاقتها مع حليفتها واشنطن، في حال اتجهت إلى شراء أسلحة صينية متطورة، لا سيما في ظل اعتماد مصر على المساعدات العسكرية الأميركية وعلاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وسبق أن مارست واشنطن ضغوطاً على القاهرة بسبب توجهها إلى شراء أسلحة روسية متطورة، من بينها منظومة الدفاع الجوي "إس-400" ومقاتلات "سوخوي-35"، وهدد مسؤولون أميركيون بإمكانية فرض عقوبات في حال المضي في بعض هذه الصفقات.

فجوة كبيرة

كان لافتاً أن البيانات الرسمية الصادرة بشأن زيارة شي لم تتطرق إلى صفقات سلاح أو تنسيق عسكري جديد، وركزت بصورة أساسية على تعزيز الشراكة بين البلدين والتعاون الاقتصادي والتنموي.

وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية: إن الزيارة تأتي في إطار تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، ومتابعة تنفيذ اتفاق "الشراكة الإستراتيجية الشاملة" الذي أبرمه البلدان عام 2014، إلى جانب التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

كما نشرت صحيفة "الأهرام" الرسمية مقالين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني، تناولا تاريخ العلاقات بين البلدين، والرؤى المشتركة بشأن السيادة والتنمية والإرث الحضاري، دون التركيز على التعاون العسكري.

ومع ذلك، جاءت الزيارة وسط متابعة إسرائيلية واهتمام أميركي بالتقارب بين القاهرة وبكين، خاصة أنها سبقتها النسخة الثانية من المناورات الجوية المصرية الصينية المشتركة "نسور الحضارة 2026".

وشهدت المناورات تطوراً لافتاً، تمثل في قيام طائرة تزود بالوقود صينية من طراز "YY-20A" بتزويد مقاتلة "رافال" مصرية بالوقود جواً، في خطوة عكست مستوى متقدماً من القدرة على العمل المشترك بين معدات عسكرية صينية وأخرى غربية الصنع.

وتزامن ذلك مع تقارير غربية تتحدث عن اهتمام مصري بمعدات عسكرية صينية متطورة، بينها مقاتلات "J-10CE" وطائرات للتزود بالوقود والإنذار المبكر.

ويرجع التوتر الإسرائيلي من الزيارة، بسبب تعمق التعاون العسكري والتدريبات الجوية المشتركة بمقاتلات صينية ومصرية، والتعاون التكنولوجي عبر عرض هواوي تزويد مصر بآلاف شرائح الذكاء الاصطناعي، والاستثماري الضخم بقيمة أكثر من 10 مليارات دولار ومشاريع في قناة السويس.

إضافة إلى تنسيق المواقف السياسية بشأن غزة وإيران والسودان وليبيا، وخشية تل أبيب من تنامي قوة مصر الجوية، وتعزيز نفوذ بكين في منطقة حيوية لأمن إسرائيل، فيما يتزايد القلق الأميركي والغربي من تقليل اعتماد مصر على واشنطن وسعيها لما تسميه صحف القاهرة اختبار "الاتزان الإستراتيجي" في العلاقات الخارجية.

ويتوقع خبراء أن تتضمن الزيارة إبرام اتفاقيات جديدة في الاستثمار والصناعة والطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب تعزيز التنسيق السياسي والأمني.

وهناك فجوة كبيرة في العلاقة التجارية؛ فالصادرات المصرية إلى الصين ارتفعت إلى نحو 840.5 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، لكنها ظلت ضئيلة مقارنة بواردات بلغت 10.4 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من الصين بحسب موقع "الشرق بلومبرغ"، مطلع أغسطس 2026.

وتكتسب زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى مصر أهمية سياسية أخرى تتجاوز البعد الاقتصادي؛ إذ تأتي في ظل تحولات اقتصادية وأمنية إقليمية ودولية متسارعة، وتنافس متصاعد بين بكين وواشنطن وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ورغبة بكين في دور أكبر في المنطقة وإفريقيا، بحيث تستطيع مصر أن تكون حلقة وصل مهمة بين الصين والقارة الإفريقية.

وفي تقريرها بشأن الزيارة، أكدت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، التابعة للرئاسة، أن العلاقات بين البلدين "تشهد محطة تاريخية، تعكس عمق الشراكة الإستراتيجية" بينهما، بعد أيام من انطلاق مناورة عسكرية جوية بينهما.

وتستهدف الشركات الصينية في مصر مشروعات بـ 1.15 مليار دولار في الألياف الصناعية والإطارات، ومجمع ألومنيوم بملياري دولار، ومدينة نسيج في بورسعيد بنحو ملياري دولار، ومصنع إطارات في العامرية بـ 550 مليون دولار، وهي قطاعات مستهدفة بالقرارات الجمركية الغربية.

وتتوسع الصين تجاريا في مصر، عبر إنشاء خطوط إنتاج كبيرة للمساعدة في التصنيع في قطاعات الطاقة المتجددة والطيران والفضاء والبنية التحتية، وسط فرص كبيرة للتعاون بين الدولتين في قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.

ويبلغ حجم الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نحو 11.6 مليار دولار خلال 3 سنوات ونصف، أي قرابة 50% من إجمالي الاستثمارات في تلك المنطقة التي افتتحت الصين فيها نحو 200 شركة.

لكن مصر ليست الوجهة الاستثمارية الوحيدة بالنسبة للصين في إفريقيا؛ حيث تجاوزت استثمارات بكين في المغرب 6 مليارات دولار، وتخطت منظومة السيارات الكهربائية هناك 10 مليارات دولار.

وبينما تركزت المباحثات على توسيع الشراكة الاقتصادية بين البلدين، أثارت الزيارة غضبا وانتقادات واسعة بين مصريين، على خلفية الإجراءات المرورية المصاحبة لها، والتي تضمنت إغلاق عدد من الشوارع والجسور لفترات طويلة في مناطق مختلفة، ما تسبب في احتجاز آلاف المواطنين داخل وسائل المواصلات تحت درجات حرارة مرتفعة، انتظاراً لمرور موكب الرئيس الصيني.

كما سخر مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي مما وصفوه بــ "التجميل المؤقت" للشوارع وإجراء أعمال طلاء وصيانة وإصلاح للجسور بالتزامن مع الزيارات الرسمية، معتبرين أن هذه الأعمال لا تنعكس بصورة مماثلة على حياة المواطنين في الأيام العادية.

صفقة عسكرية؟

في أغسطس/آب 2026، أعادت وسائل إعلام دفاعية صينية وعربية تداول سيناريو يتحدث عن احتمال حصول مصر على 40 مقاتلة "J-10CE"، لكن هذه المعلومة لم تتحول إلى إعلان رسمي عن عقد، ولم تحدد القاهرة أو بكين قيمة صفقة أو عددا نهائيا أو جدولا للتسليم.

وظهرت في الوقت نفسه تقارير تتحدث عن سيناريو أكبر يصل إلى 64 مقاتلة، بواقع 40 من J-10CE و24 من J-35 غير أن هذا الرقم أيضا لا يزال ضمن نطاق التقارير غير المؤكدة، ولا يوجد إعلان رسمي مصري أو صيني يؤكد وجود صفقة بهذا الحجم.

وهو ما أشار إليه "موقع الدفاع العربي"، 20 أغسطس 2026، وقبله موقع "نِت إيز" الصيني، نقلا عن موقع "إير داتا نيوز"، يوم 11 أغسطس 2026، في تقارير تؤكد اهتمام الجيش المصري بالمقاتلات الصينية.

وتحدثوا عن "احتمال" اتجاه القاهرة نحو صفقة كبيرة تشمل 64 مقاتلة، موزعة بين 40 مقاتلة J-10CE و24 مقاتلة J-35، في حال تطورت الاتصالات والمباحثات إلى اتفاق نهائي.

وJ-35، هي مقاتلة شبحية صينية من الجيل الخامس، وهي تختلف جذريا عن J-10CE التي لو امتلكتها مصر مستقبلا سيمثل ذلك انتقالا نوعياً في قدراتها الجوية وليس مجرد إضافة مقاتلة جديدة إلى الأسطول، فقد لعبت دورا كبيرا في هزيمة الهند في الحرب الأخيرة مع باكستان، مايو/أيار 2025 لصالح إسلام أباد.

وسبق أن وثق تقرير لخدمة "أبحاث الكونغرس الأميركي"، 12 يونيو 2025، استمرار اهتمام القاهرة بمقاتلات صينية من طرازي J-10 وJ-35، في وقت يعتمد فيه سلاح الجو المصري على مزيج من المقاتلات الأميركية والروسية والفرنسية، أبرزها F-16 وMiG-29 ورافال.

وقد توقع المحلل الصيني، عضو "الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط"، نادر رونغ هوان، أن يمتد التعاون ليشمل "احتمال التوصل إلى صفقة لشراء مقاتلات صينية لصالح الجانب المصري".

وعن احتمالات اعتراض واشنطن على الصفقة العسكري، أشار "هوان"، لوكالة "الأناضول"، مطلع سبتمبر 2026، إلى "قدرة القاهرة على تنويع علاقاتها في ظل تجاذبات واشنطن وبكين"، بتقدير أن مصر تنتهج إستراتيجية تعددية الشراكات الدولية.

ومع أن طائرات J-10C الصينية من الجيل الرابع، ولا تُعد مقاتلة من الجيل الخامس مثل F-35 الأميركية، إلا أنها يمكن أن تكون خطيرة جداً في القتال الجوي، خصوصا أنها تحمل صاروخ PL-15 بعيد المدى، ورادار AESA، بحسب تقارير دفاعية.

ولذلك فهي تشكل تهديدا حقيقيا للمقاتلات غير الشبحية بالصواريخ الصينية المتقدمة جو-جو بعيدة المدى، والتي ذكرت تقارير باكستانية إنها أسقطت طائرات الهند "ميغ" وهي داخل المجال الجوي الهندي، بهذه الصواريخ المتطورة ما حسم الحرب الأخيرة.

في 22 أغسطس/آب 2026، أعلنت القوات المسلحة المصرية انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري-الصيني المشترك "نسور الحضارة 2026″، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، وعلى مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية المصرية.

وقال الجيش المصري: إن المراحل الأولى شملت محاضرات نظرية وعملية لتوحيد المفاهيم والإجراءات القتالية، إلى جانب طلعات جوية مشتركة والتدريب على التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة، بهدف تبادل الخبرات وتعزيز القدرات والمهارات العملياتية للقوات المشاركة.

وأوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي في 14 أغسطس/آب أن التدريب يركز على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، والبحث والإنقاذ القتالي، وتوظيف القوات.

ويشير محللون إلى أن الأكثر أهمية في نسخة 2026 هو نوعية الطائرات الصينية المشاركة، بحسب محللين عسكريين؛ فقد وصلت مقاتلات J-16 إلى مصر للمشاركة في التدريب، وظهرت في مواد مصورة وهي تتدرب مع مقاتلات مصرية، بينها "رافال" الفرنسية، و"ميغ-29" الروسية.

كما رافقتها طائرة التزود بالوقود "YY-20A"، وهي طائرات تسعى القاهرة للحصول عليها وفق تقارير دولية.

وكانت النسخة الأولى من "نسور الحضارة" قد عقدت بين 17 أبريل/ نيسان و4 مايو/أيار 2025، وأرسلت الصين خلالها مقاتلات J-10C وطائرة الإنذار المبكر والتحكم KJ-500 وطائرة التزود بالوقود YY-20. وشملت التدريبات القتال الجوي، والتعامل مع الدفاعات الجوية، والبحث والإنقاذ في ساحة المعركة، والتشكيلات المختلطة، والتزود بالوقود جواً.

ويرى محللون عسكريون أن استضافة مصر في المناورات الثانية مع الصين، أغسطس 2026، منظومات صينية داخل قواعدها وتدريب طياريها عليها، ربما يشير ضمنا لأن مصر تمهد -بالمناورات- لصفقات شراء طائرات جديدة من الصين.

إذ إن التدريب في مناورات "نسور الحضارة" يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يتيح للقاهرة تقييم المعدات ونظم التسليح في ظروف تشغيلية واقعية، وليس فقط الاطلاع. 

تنافس فرنسي صيني

وبالتزامن مع سعى الصين لتعزيز حضورها في سوق السلاح المصري وعرض مقاتلاتها على القاهرة، كشفت صحيفة "لا تريبون" الفرنسية، مطلع سبتمبر 2026، أن مصر تستعد لتعزيز أسطولها من المقاتلات الفرنسية "رافال" بطلب شراء 24 طائرة إضافية، ما يرفع إجمالي المقاتلات الفرنسية لدى القاهرة إلى 78 طائرة.

وستشكل الصفقة، في حال إتمامها، ثالث طلب مصري على رافال، وتؤكد استمرار الرهان المصري على المقاتلة الفرنسية في مواجهة منافسة متنامية من الولايات المتحدة والصين وغيرهما من كبار مصدري الطائرات القتالية.

وكانت مصر هي أول زبون أجنبي لمقاتلة رافال، ففي عام 2015، وقعت القاهرة عقدها الأول لشراء 24 مقاتلة، قبل أن تعزز أسطولها في عام 2021 بعقد جديد شمل 30 طائرة إضافية، بقيمة قُدرت بنحو 3.95 مليارات يورو.

يأتي الاهتمام المصري المتجدد بالمقاتلات الفرنسية في وقت تواجه فيه القاهرة مهمة تحديث جزء من أسطولها القتالي، لا سيما أسطول مقاتلات F-16 الذي يضم نحو 200 طائرة، يعود تاريخ تسليم أقدمها إلى ثمانينيات القرن الماضي.

ويمثل استبدال المقاتلات القديمة فرصة إستراتيجية مهمة لشركات صناعة الطيران والدفاع، في وقت تسعى فيه الصين بدورها إلى تعزيز حضورها في سوق السلاح المصري وعرض مقاتلاتها على القاهرة، بحسب الصحيفة الفرنسية.

وتقول "لا تربيون": إن الصين قادت “حملة تضليل” لإقناع مصر بتفوق طائرة طائرة J-16 الصينية على الرافال الفرنسية، عقب مناورات "نسور الحضارة 2026" الصينية المصرية التي جرت في أغسطس 2026، لكن هذا لم يؤثر على موقف المصريين، حال صحة أنباء شراء القاهرة ثالث صفقة مقاتلات رافال.

التعاون في الطائرات المسيرة أكبر 

ويُعد التعاون في مجال الطائرات المسيّرة بين القاهرة وبكين أكثر تقدما من ملف المقاتلات؛ حيث وقعت الهيئة العربية للتصنيع مذكرات تفاهم مع شركات صينية لتوطين تكنولوجيات دفاعية، فيما يتجه التعاون بين القاهرة وبكين إلى الجمع بين التدريب، واختبار المنظومات، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع المحلي.

فبخلاف صفقة المقاتلات الصينية التي لا تزال في مرحلة الاحتمالات، شهد التعاون الصناعي الدفاعي بين القاهرة وبكين تقدما كبيرا خاصة في مجال المسيرات.

ففي ديسمبر/ كانون الأول 2025، وقعت الهيئة العربية للتصنيع مذكرة تفاهم مع شركة "Shadow Wings" الصينية، بهدف توطين تكنولوجيات تصنيع أنظمة دفاعية متقدمة والاستفادة من قدرات مصنع الطائرات التابع للهيئة.

وقالت الهيئة: إن الاتفاق يمثل بداية لمزيد من التعاون في الصناعات الدفاعية المتقدمة بين مصر والصين، وإنها تسعى إلى تحويل مصانعها إلى مركز للشراكة وتبادل الخبرات مع الشركات الصينية.

في معرض "إيديكس 2025"، وقعت الهيئة العربية للتصنيع أيضاً مذكرة تفاهم مع شركة NORINCO الصينية لتوطين تصنيع أنظمة دفاعية ونقل التكنولوجيا وتعميق الإنتاج المحلي.

 وقال رئيس الهيئة: إن الاتفاق يستهدف الاستفادة من القدرات التصنيعية لمصنع الطائرات وتطوير التعاون مع الشركة الصينية، وفق صحف القاهرة.

وهو ما يشير إلى أن مصر لا تبحث فقط عن شراء منظومات جاهزة، وإنما تسعى، وفق البيانات الرسمية، إلى توطين التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي.

وكان المثال الواضح على ذلك التعاون المشترك في مجال الطائرات المسيّرة؛ حيث تحدثت تقارير دفاعية عن تعاون مصري صيني في إنتاج طائرات مسيّرة قتالية داخل مصر، قد يتطور لتصنيع مصر بعضها أو أجزاء منها.

وشجع على هذا الطبيعة المتغيرة للحروب الحديثة التي جعلت الطائرات المسيرة سلاح مهم في المعارك كما أثبتت حروب لبنان وإيران خصوصا سواء في الاستطلاع أو الاستهداف أو الضربات أو المراقبة أو الحرب الإلكترونية.

ويمكن تقسيم تطور التعاون المصري الصيني في المسيّرات إلى ثلاث مراحل رئيسة:

الأولى: بين عامي 2011 و2012، وفيها بدأ التعاون في نقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي لمسيّرات ASN-209 للاستطلاع والمراقبة.

والثانية: بين عامي 2017 و2022، وشهدت توسيع الاعتماد المصري على المسيّرات الصينية المسلحة، خصوصا "وينج لونج"، مع تقارير عن بحث الحصول على نسخ أحدث.

وكانت المرحلة الثالثة والأكبر بين 2025 و2026، وهي الانتقال إلى التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا، وأبرز مثال عليه برنامج حمزة-2 المصري مع شركة نورينكو Norinco، بالتزامن مع توجه مصري لبناء صناعة مسيّرات محلية قادرة على تلبية الاحتياجات العسكرية وربما التصدير مستقبلا.

وفي 1 ديسمبر/كانون الأول 2025، وخلال معرض الدفاع المصري إيديكس 2025، وقع مصنع الطائرات التابع للهيئة العربية للتصنيع مذكرة تفاهم مع شركة نورينكو الصينية Norinco في مجال الصناعات الدفاعية وتوطين التكنولوجيا.

وتناولت الاتفاقية برنامج حمزة-2 ، وهي مسيّرة مسلحة مرتبطة بتصميم ASN-209، بحيث يشمل التعاون التصنيع والإنتاج داخل مصر وزيادة المكون المحلي ونقل التكنولوجيا. وتحدثت مصادر دفاعية عن تخصيصها لمهام الاستطلاع والضرب.

والأكثر أهمية هنا أن التعاون لم يعد مجرد شراء منظومات صينية، بل أصبح يستهدف إقامة قدرة إنتاج مصرية بالتعاون مع شركة صينية، وهو تطور نوعي بالنسبة لصناعة الطائرات غير المأهولة المصرية.

تجنب إغضاب أميركا

كان لافتا أن حرص مصر رسميا على إظهار أن ضمن سياسة التوازن الإستراتيجي ولا تعد تحولا عن العلاقة التحالفية التقليدية مع أميركا.

وهو ما ظهر في مقال نُشر عن السيسي، قبل الزيارة، قال فيه: إن مصر تنتهج سياسة "التوازن الإستراتيجي" في ظل تزايد التنافس العالمي، وشرح ذلك بقوله: "تمسكت مصر بسياسة الاتزان الإستراتيجي كوجهة للسياسة الخارجية المصرية".

كما أن بعض تغطيات الصحف المصرية للحدث، مثل "اليوم السابع" المملوكة لشركة المخابرات (المتحدة للإعلام) كانت أكثر حذرا، مقدرة أن توسيع الشراكة مع بكين "جزء من سياسة تنويع الشراكات المصرية، وليس تحولا بعيدا عن الولايات المتحدة وحلفائها".

وتشير هذه التغطية إلى أن القاهرة لا تبدو في وارد تحويل التقارب المتسارع مع بكين إلى اصطفاف صريح في مواجهة واشنطن، بقدر ما تستخدم الشراكة الصينية كأداة لتوسيع هامش المناورة وتنويع مصادر الاستثمار والتكنولوجيا والتسليح. 

وحين قال السيسي: إن "تايون جزء من الأمة الصينية" لمجاملة الرئيس الصيني، ورأى مصريون أن هذا سيغضب الرئيس الأميركي ترامب الذي يدعم تايون حرصت الأبواق الإعلامية الرسمية على توضيح أن هذت التصريح ليس مقصودا منه الدخول في عداء مع واشنطن.

وهذا الخطاب يتطابق إلى حد كبير مع الموقف الرسمي المصري؛ حيث أكدت الهيئة العامة للاستعلامات، التابعة للرئاسة، أن السياسة المصرية الخارجية تقوم على "التوازن الإستراتيجي وتنويع الشراكات الدولية".

ويكتسب هذا الحذر أهمية خاصة بسبب استمرار ثقل الولايات المتحدة في منظومة الأمن القومي المصري فالعلاقة العسكرية بين البلدين تمتد لعقود، وتحصل مصر على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً من المساعدات العسكرية الأميركية.

كما يعتمد جزء مهم من تسليحها وبنيتها العسكرية على المعدات الأميركية والتدريب والتعاون الأمني مع واشنطن. 

وقد أشار تقرير لـ "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، التابع للوبي الإسرائيلي، مطلع سبتمبر 2026، إلى أن نمو العلاقات المصرية الصينية، خصوصا في الاقتصاد والتكنولوجيا وربما الدفاع، قد يأتي في بعض المجالات على حساب مزيد من التعاون مع الولايات المتحدة.

وطرح التقرير الذي كتبته "شيفان أناند" الباحثة في برنامج "مؤسسة ديان وجيلفورد جليزر" التابع لمعهد واشنطن، على صانعي القرار الأميركي سؤال حول كيفية التعامل مع هذا التوسع الصيني في مصر.

وأشار إلى أن الصين أبدت استعدادا أكبر لتقديم استثمارات ومشاريع بناء وتقنيات متقدمة للقاهرة، فضلا عن منصات عسكرية بشروط أقل صرامة من منافسيها الأميركيين. 

“وطالما أن الولايات المتحدة غير راغبة أو غير قادرة على الضغط على القاهرة لعدم تعميق علاقاتها مع بكين أو تقديم بدائل عملية للعروض الصينية، فمن المرجح أن تستمر مصر في قبولها". وفق التقرير.

ووصفت وكالة "رويترز"، 2 سبتمبر 2026، مصر بأنها متلقٍٍّ رئيس للمساعدات العسكرية الأميركية، وربطت تقاربها مع الصين باستراتيجية «التوازن الإستراتيجي» وتنويع العلاقات مع القوى الكبرى.

وتشير تقديرات مصرية إلى أن الرسالة التي تحاول القاهرة إيصالها إلى واشنطن تبدو أقرب إلى توضيح أن "التقارب مع الصين لا يعني الابتعاد عن أميركا".

فمصر تريد الحصول من بكين على الاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع وربما مزيد من الخيارات العسكرية، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتحويل هذه الشراكة إلى مواجهة مع واشنطن. 

وهذا يفسر اللغة الحذرة في الخطاب الإعلامي والسياسي المصري حول زيارة الرئيس الصيني، فبدلا من تقديمها كتحول في اصطفافات القاهرة، جرى تقديمها بوصفها توسيعاً لخيارات مصر في نظام دولي متعدد الأقطاب.

ومع هذا وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، 2 سبتمبر 2026، الزيارة بأن "شي جين بينغ" يتحدى النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، عبر تعميق العلاقات مع شريك أمني قديم للولايات المتحدة، وإبراز دور أكبر لبكين في منطقة هزتها الحرب.

ونقلت عن "دينغ لونغ"، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، تبريره تقارب مصر من بكين بإنه "عندما يشكك حلفاء الولايات المتحدة في مصداقية واشنطن كشريك (بعد حرب إيران)، فمن المنطقي أن ترغب دول مثل مصر في تعزيز العلاقات مع الصين".

وشدد على أنه "لا يمكنك وضع كل بيضك في سلة واحدة والاعتماد فقط على الولايات المتحدة، أنت بحاجة إلى التنويع، وفي إطار هذا التنويع، تعد الصين شريكا مهما للغاية". حسبما قال.