هل يقبل الشعب الموريتاني بخرق الدستور لبقاء ولد الغزواني في الرئاسة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أثارت دعوات الموالاة التي تطالب بتعديل الدستور لزيادة عدد الولايات الرئاسية في موريتانيا جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض، وسط تحذيرات بشأن انعكاسات هذا التوجه على مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد.

ولم يعد أنصار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يترددون في طرح مطالب تمكينه من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، رغم أن الدستور الموريتاني ينص بشكل واضح على اقتصار رئاسة الجمهورية على ولايتين فقط.

مطالب مكررة

وفي هذا السياق، شهدت فعاليات افتتاح الموسم السياحي بمدينة كيفه في 16 أغسطس/آب 2026، طرح دعوات سياسية تطالب باستمرار الرئيس الغزواني في السلطة، من خلال مداخلات لوزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه ورئيس جهة لعصابه محمد محمود ولد حبيب.

وفي كلمة لها خلال المناسبة، دعت بنت أحمدناه إلى إطلاق "حراك وطني جامع يهدف إلى دعم استمرار النهج الذي يقوده الرئيس غزواني"، مقدرة أن هذا النهج "جدير بأن يستمر وأن يُمنح ما يكفي من الوقت حتى تترسخ ثماره وتكتمل آثاره".

وقالت الوزيرة: إن من حق الموريتانيين، بل من واجبهم الوطني، المطالبة باستمرار هذا المسار، داعية إلى حراك "واع ومسؤول يجعل مصلحة البلاد فوق كل تقدير ".

وأكدت بنت أحمدناه أن مستقبل الأوطان تحدده "الإرادة الشعبية المستنيرة"، مشيرة إلى أن الشعب هو "مصدر الشرعية وصاحب الكلمة الفصل، وهو وحده من يقرر".

وفي السياق ذاته، دعا رئيس جهة لعصابه محمد محمود ولد حبيب إلى تعديل الدستور بما يسمح بمنح الرئيس الغزواني مأمورية ثالثة، معتبرا أن ما تحقق خلال السنوات السبع الماضية عزز قناعته بضرورة استمرار الرئيس في السلطة.

وقال ولد حبيب: "نطالب له بمأمورية ثالثة بتعبيرنا نحن العامة، أو بتعديل الدستور حسب القانونيين، أو بكتابته من جديد بلغة السياسة"، مضيفا أنه يؤيد استمرار الرئيس غزواني في السلطة "أيا كانت الطريقة أو الوسيلة"، وفق تعبيره.

في السياق، سبق لرئيسة حزب "حوار" فالة ميني، أن طالبت خلال ندوة صحفية عقدتها شهر يونيو/حزيران 2026، الرئيس الغزواني الترشح لمأمورية رئاسية ثالثة "بكل ثقة وبدون خجل".

وشددت ميني على أن دعوتها إلى مأمورية ثالثة للرئيس "تنطلق مما وصفته بالبحث عن مصلحة المواطن البسيطة"، على حد تعبيرها.

وانتقدت رئيسة الحزب الدستور المعمول به منذ عام 1992، متسائلة عن جدوى استمراره، مقدرة أن النقاش بشأنه يظل مطروحا بعد أكثر من ثلاثة عقود على إقراره.

وقالت: إن "الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سيحصل على تأييد كاف في حال تنظيم استفتاء بشأن المأمورية الثالثة، داعية الشباب إلى المطالبة بترشحه لمأمورية جديدة.

ويعد حزب حوار أول حزب منضوي في الأغلبية يطالب الرئيس بالترشح لمأمورية ثالثة بوصفها "خيار الشعب"، مؤكدا أنه "لا يفوض أي طرف من أحزاب الأغلبية للتنازل عن هذا المطلب".

وليس هذه المرة الأولى التي يُثار فيها الجدل حول الدستور الموريتاني، لا سيما المواد المحصنة منه، إذ سبق أن عرف نقاشات واسعة وتعديلات جوهرية منذ اعتماده عام 1991.

وشهد الدستور أول تعديل كبير في عام 2006، عندما اقترح المجلس العسكري الانتقالي حزمة تعديلات أُحيلت إلى استفتاء شعبي نُظم في 25 يونيو/حزيران من العام نفسه، وأقرها الناخبون بأغلبية واسعة.

وتضمنت أبرز تلك التعديلات تقليص مدة الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، ومنع الترشح لمن تجاوز سن الخامسة والسبعين.

كما نصت على تحصين عدد الولايات الرئاسية، مع إضافة فقرة إلى اليمين الدستورية يتعهد فيها الرئيس بعدم السعي إلى تعديل المادة المتعلقة بعدد المأموريات، بشكل مباشر أو غير مباشر.

هذا وأدى ولد الغزواني اليمين الدستورية في أغسطس 2024 لولاية رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو/حزيران من العام نفسه.

وتعهد الغزواني في مراسم التنصيب باحترام الدستور، وبأن لا يتخذ أو يدعم أي مبادرة تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة لولاية وشروط تجديدها.

المعارضة تنتفض

أمام تناسل هذه الدعوات، سارعت "مؤسسة المعارضة الديمقراطية الموريتانية"، إلى إصدار بيان أكدت فيه أنها تتابع بقلق بالغ واهتمام كل المواقف والتصريحات الصادرة عن بعض الأفراد والجهات، من بينها شخصيات رسمية تتبوأ مواقع عليا في الدولة، تضمنت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، دعوات لخرق بعض أحكام الدستور، ولا سيما تلك المتعلقة بمدد المأموريات الرئاسية والقيود الواردة بشأنها.

وشددت مؤسسة المعارضة في بيان بتاريخ 19 أغسطس، أن استقرار الحياة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات يقتضيان التعامل مع النصوص الدستورية بروح المسؤولية، بعيدا عن التأويلات التي قد تثير الالتباس أو تفتح المجال أمام قراءات متباينة بشأن أحكامها.

وأكدت المؤسسة أن الأحكام التي تنظم تداول السلطة ومدد المأموريات، تشكل ضمانة أساسية لاستمرار الاستقرار السياسي وصيانة المكتسبات الديمقراطية، التي هي نتاج عقود من نضال القوى السياسية الوطنية، وثمرة العديد من الحوارات الوطنية التي أسهمت في ترسيخ هذه المبادئ.

وأعلنت رفضها أن تكون القواعد الدستورية محل تجاذب سياسي أو رهينة للظروف والحسابات الظرفية، وأن أي مسعى للمساس بها أو الالتفاف عليها يستوجب موقفا وطنيا واضحا ومسؤولا.

ودعت المعارضة مختلف مؤسسات الدولة والمسؤولين والفاعلين السياسيين، لا سيما ممن يشغلون مناصب عليا في الدولة، إلى الالتزام بأحكام الدستور في مواقفهم وتصريحاتهم ومبادراتهم، بما يحفظ هيبة المؤسسات ويصون القواعد الدستورية.

ونبهت إلى أن التداول السلمي على السلطة يمثل أحد المرتكزات الأساسية للنظام الديمقراطي، وأن احترام المدد والحدود التي يقررها الدستور يشكل ضمانة لاستقرار الدولة واستمرار الثقة في مؤسساتها.

خطر داهم

في رسالة من رئيس قطبي "المعارضة المنافحة والتناوب 2029"، النائب بيرام ولد الداه ولد اعبيد، نشرتها بتاريخ 21 أغسطس، أكد أن موريتانيا دخلت بدعوات تغيير الدستور مرحلة الخطر الداهم.

وشدد ولد اعبيد أن البلاد تمر بالفعل بأزمة متعددة الأوجه، من حيث الفقر والبطالة وشعور الشباب بانغلاق الأفق، والفساد البنيوي، والعجز المزمن للدولة، وانتهاك الحريات العامة، وتآكل الثقة في المسارات الديمقراطية..

وأردف، "السلطة تقول إنها تريد الحوار، وبناء التوافق، وإرساء الثقة مع القوى السياسية في البلاد، لكنها، في الوقت نفسه تتسامح بل وتؤيد حتى، أن يتحدث وزراء ومسؤولون علنا عن فكرة ولاية ثالثة، في انتهاك واضح للدستور.

وتساءل: “فكيف يمكن بناء الثقة حول حوار سياسي، بينما يعمل الماسكون بالسلطة، في الوقت نفسه، على تقويض المكتسبات الدستورية التي يفترض أن يعززها هذا الحوار تحديدا؟”

في هذا السياق تحديدا، يضيف ولد اعبيد، "تولد دعوات بعض المواطنين إلى الانقلاب، وأنا أتفق إلى حد كبير مع تشخيص أصحاب هذه الدعوات، لكنني لا أتفق مع استنتاجهم. الانقلاب ليس حلا. إنه طريق مسدود وخطير".

واسترسل: "أفضل طريقة لمنع الانقلاب ليست التمني بوقوعه ضد سلطة نرفضها. وإنما بناء الظروف السياسية التي تجعل ذريعته مستحيلة، من خلال انتخابات شفافة، ومعارضة منظمة، وتعبئة مواطنية مصممة على الدفاع عن كل صوت وكل ورقة اقتراع".

سباق محموم

في افتتاحية موقع "الفكر" في 19 أغسطس، رأى أن تَحوُّلَ بعض قادة وأطر حزب الإنصاف الحاكم إلى سباق محموم نحو مطالبة الرئيس الغزواني بمأمورية ثالثة، يثير القلق الشديد في المشهد السياسي الموريتاني اليوم.

وأردف، "وكأن البلاد لا تعاني من العطش والظلام والفقر وانهيار التعليم وتفشي البطالة، ولا يعاني من تحديات تستحق من النخبة السياسية أن تنشغل بها، وكأن أعظم ما يمكن أن تقدمه الأطر الحزبية للرئيس هو أن تضع أمامه عنوانا جديدا لمعركة سياسية لم يطلبها، ولم يقل، بحسب ما هو معلن، إنه يريد خوضها".

وشدد الموقع على أن دعوات مهرجان كيفة بمشاركة وزيرة السياحة كشف إلى أي حد يمكن أن تنزلق الممارسة الحزبية حين تتحول السياسة من خدمة مشروع الدولة إلى صناعة الولاءات، ومن الدفاع عن حصيلة الحكم إلى البحث عن موقع في مرحلة لم تبدأ بعد.

واسترسل: "المشكلة تبدأ حين تتحول مطالب تغيير عدد المأموريات الرئاسية إلى مزايدة جماعية على الرئيس نفسه، وحين يصبح إثبات الولاء مرتبطا بمدى ارتفاع سقف المطالب، وكأن الأكثر صخبا في المطالبة بالمأمورية الثالثة هو الأكثر إخلاصا، وكأن الصمت عن هذا المطلب نقص في الولاء أو تقصير في خدمة النظام".

وزاد: "إن أسوأ ما يمكن أن تفعله النخب السياسية بالرئيس الذي تسانده هو أن تحاصره بالهتافات التي لا يستطيع الرد عليها، وأن تدفعه تدريجيا إلى زاوية سياسية يصبح فيها رفض المأمورية الثالثة أصعب من قبولها، لا بفعل اقتناعه الشخصي، وإنما بفعل الضغط الذي تصنعه ماكينة الولاء والمصالح، وأسوأ من ذلك أن يقتنع الرئيس بطرحهم رغم صفاقتهم وسوء تدبيرهم، فبعض الولاء نفاق وبعض الجرأة حماقة".

واسترسل الموقع: "الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يحول النقاش السياسي من سؤال ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال كيف نبقى؟"، مشددا أن الأجدر بقادة حزب الإنصاف وأطره في كيفة، وفي غيرها من مدن البلاد، أن يخرجوا إلى الناس للحديث عن حصيلة سبع سنوات من الحكم.

ونبهت الافتتاحية إلى أن احترام الرئيس لا يكون بأن يُطلب منه البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية، وإنما بأن يُحترم مشروعه السياسي، وتُحترم مؤسسات الدولة، ويُترك له المجال لكي يحدد موقفه بنفسه.

وعليه، يرى الموقع أن حزب الانصاف عليه أن يثبت أنه حزب دولة لا حزب أشخاص، وأنه قادر على مناقشة حصيلة الحكم بجرأة، وأنه قادر على إنتاج الأفكار والقيادات، وأنه يستطيع أن يستمر كقوة سياسية مؤثرة حتى عندما تتغير الوجوه والمواعيد والاستحقاقات.

وخلص إلى أنه آن الأوان لأن يدرك قادة وأطر حزب الإنصاف أن أفضل خدمة يمكن أن يقدموها للرئيس الغزواني ليست أن يطالبوا بمأمورية ثالثة، وإنما أن يساعدوه على إنجاح ما تبقى من مأموريته، وأن يتركوا للتاريخ الحكم على تجربته، وللرئيس نفسه تحديد ما يريد أن يفعله في المستقبل.

في هذا السياق، أكد رئيس حزب جبهة المواطنة والعدالة "جمع" في موريتانيا، محمد جميل ولد منصور، أن دعوات تغيير المأموريات الرئاسية تشويش وإثارة.

وأضاف ولد منصور في منشور عبر فيسبوك بتاريخ 20 أغسطس، لقد قالها رئيس الجمهورية واضحة ومحددة، الأولوية اليوم هي للعمل والإنجاز، الأولوية تطبيق البرامج والوفاء بالالتزامات.

وشدد القيادي الحزبي الموريتاني أن أي حديث عن انتخابات 2029، مهما صاحبه من حماس وكرنفالية، هو حديث غير مقبول، إذ يدعون لشيء لم يطلبه منهم أحد.

وخلص إلى أن الفيديوهات والمبادرات التي تستعاد في الفضاء الأزرق من آخر عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز تحمل من العبر والعظات الكثير، فتأملوا يرحمكم الله.

قراءة دستورية

في قراءة دستورية لهذا الجدل، أكد عميد كلية القانون بجامعة نواذيبو، محمدو محمد المختار، أن مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة مبدأ دستوري صريح في النظام الدستوري الموريتاني، وليس مجرد عرف سياسي أو اتفاق أخلاقي بين الفاعلين السياسيين.

وشدد المختار في مقال نشره بحسابه على فيسبوك، أن قاعدة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة تتمتع بحماية دستورية خاصة، لأن المادة 99 أدرجتها ضمن المبادئ التي لا يجوز الشروع في مراجعة تمسها.

ونبه الأستاذ الجامعي إلى أن الحظر الوارد في المادة 99 من دستور 1991، ذو طبيعة موضوعية، فهو لا يكتفي بتشديد أغلبية التصويت، وإنما يمنع أصلا الشروع في إجراءات مراجعة تستهدف المساس بالمبدأ المحمي.

وأضاف، كما أن البرلمان، رغم تمتعه بحق المبادرة بمراجعة الدستور، لا يملك صلاحية استعمال هذا الاختصاص في مجال حظرت المادة 99 الشروع فيه.

في السياق، أكد المختار أن الاستفتاء الشعبي لا يستطيع، من حيث المبدأ، أن يصحح إجراء حظر الدستور الشروع فيه؛ لأن الاستفتاء آلية دستورية لممارسة السيادة الشعبية وليس سلطة تأسيسية أصلية قائمة خارج الدستور.

ونبه الكاتب إلى أن إرادة الشعب تظل مصدر السلطات، لكن هذه الإرادة تمارس في النظام الدستوري القائم وفق الأشكال والحدود التي ارتضاها الدستور نفسه.

وعليه، يتابع أستاذ القانون الدستوري، فإن المادة 29 تضيف إلى الحماية الموضوعية التزاما شخصيا خاصا على رئيس الجمهورية، إذ تلزمه بألا يتخذ أو يدعم، مباشرة أو غير مباشرة، أي مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها.

وأردف، ولذلك لا يستطيع رئيس الجمهورية، من الناحية الدستورية، أن يتجاوز هذا الالتزام بالاحتجاج بأن القرار النهائي سيصدر عن الشعب، لأن الالتزام الوارد في اليمين يتعلق بالمبادرة والدعم، وليس فقط بنتيجة الاستفتاء.

وشدد المختار أنه في ضوء الدستور الموريتاني النافذ، وبقراءة مواده في تكاملها، فإن الطريق الدستوري العادي للمراجعة لا يتيح إزالة قاعدة المأموريتين أو المساس بمبدأ التناوب الديمقراطي المحمي بالمادة 99.

وأضاف، كما يتعزز هذا المنع بالنسبة إلى رئيس الجمهورية بصورة خاصة بسبب اليمين المنصوص عليها في المادة 29، التي لا تقتصر على التعهد بعدم السعي إلى مأمورية ثالثة، وإنما تمتد إلى عدم اتخاذ أو دعم أي مبادرة يمكن أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها.

وخلص المختار إلى أن المسألة في جوهرها ليست مسألة عدد الأصوات اللازمة لتمرير التعديل، وإنما مسألة الاختصاص الدستوري بإطلاق مسار التعديل أصلا.