"قسد" خارج المعادلة العسكرية.. هل بدأت سوريا استعادة شكل الدولة الموحدة؟

مصعب المجبل | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

طوت الدولة السورية الجديدة صفحة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" كقوة عسكرية وسياسية امتد نفوذها لنحو عقد من الزمن، بعد إعلان قائدها مظلوم عبدي حلها وإنهاء مهمتها.

ولا تبدو هذه الخطوة مجرد ترتيبات عسكرية أو إدارية، بل تحمل دلالات تتصل بمستقبل شكل الدولة السورية، وطبيعة العلاقة بين مكوناتها، وحدود اللامركزية والحقوق الثقافية في إطار دولة موحدة، فضلًا عن انعكاساتها على توازنات القوى في الإقليم.

حل قسد

وأعلن مظلوم عبدي حلّ قوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي يقودها، بعد "انتهاء مهمتها"، إلى جانب جميع التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها، مؤكدًا اندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية.

وخلال مؤتمر صحفي عقده في قصر الشعب بدمشق، في 25 أغسطس/ آب 2026، قال مظلوم عبدي: "نقف اليوم ونبدأ بفتح صفحة جديدة عنوانها السلام والاستقرار وبناء الوطن".

وأعلن عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلها كقوة عسكرية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا من ساحات المعارك إلى ساحات البناء.

وأكد عبدي أن الهدف هو بناء سوريا جديدة لجميع أبنائها العرب والكرد والتركمان والآشوريين، وأن تكون سوريا موحدة تحمي مستقبل أبنائها وتوفر حياة كريمة لأطفالها. مشيرًا إلى أنه لمس موقفًا من الرئيس أحمد الشرع بشأن الحق في التعليم باللغة الكردية.

وقال عبدي: إن “الظروف تغيرت اليوم، ودخلت البلاد مرحلة جديدة عنوانها السلام والمشاركة في بناء سوريا الجديدة”. مشيرًا إلى أن قرار الحل جاء "بعد الاتفاق مع الرئيس الشرع واستكمال عمليات دمج قواتنا ضمن ألوية الجيش السوري".

وعقب الإعلان، التقى الرئيس أحمد الشرع مظلوم عبدي في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، إلى جانب المسؤولة البارزة في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد، وسيبان حمو، القيادي العسكري الكردي البارز ومعاون وزير الدفاع عن المنطقة الشرقية.

ويأتي إعلان حل "قسد" تتويجًا لمسار الاندماج الذي بدأ قبل أشهر، وترسيخًا لخريطة سوريا الموحدة، لا سيما أن "قسد" ظلت طوال سنوات تتمتع بنفوذ واسع في مناطق شمال شرقي البلاد، وسط مطالبات بالحكم الذاتي.

وفي 4 أغسطس/ آب 2026، استقبل الرئيس أحمد الشرع قائد "قسد" مظلوم عبدي، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ومحافظ دير الزور زياد العايش، في قصر الشعب بدمشق.

وجرى خلال اللقاء بحث استكمال تنفيذ اتفاق 29 يناير/ كانون الثاني 2026 مع "قسد"، ومتابعة مسار الاندماج ضمن مؤسسات الدولة، وفقًا لما نقلته وكالة "سانا".

وتأسست قوات "قسد" في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، إثر اندماج مقاتلين عرب وأكراد، بدعم وتوجيه من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، لقتال تنظيم "الدولة".

وسبق الاتفاق تصعيد عسكري انسحبت إثره قوات سوريا الديمقراطية من مناطق واسعة ذات غالبية عربية إلى معقلها في محافظة الحسكة، قبل أن تتسلم السلطات السورية، بموجب الاتفاق، مرافق كانت تحت سيطرة الأكراد، بينها مطار القامشلي وأبرز حقول النفط والغاز، فيما يُدمج مقاتلو القوات ضمن ألوية الجيش السوري.

ويمثل الإعلان عن حل "قسد" كتنظيم عسكري وتكريس دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية تطورًا مهمًا على المستويين الداخلي والإقليمي، لما يحمله من انعكاسات على شكل الدولة السورية ومستقبل العلاقة بين مكوناتها، فضلًا عن تأثيراته في توازنات القوى الإقليمية، لا سيما تركيا وإسرائيل.

"مواطنة وتنمية" 

يرى مراقبون أن الصيغة التي تم التوصل إليها لحل "قسد" يمكن أن تشكل نموذجًا لإمكانية معالجة حالات الاستقطاب داخل الدول، من خلال ما يمكن تسميته بـ"حق تقرير المصير الثقافي"، أي منح حقوق ثقافية لمجموعات مختلفة ومتباينة ثقافيًا ولغويًا وإثنيًا داخل الدولة، من دون أن يقود ذلك بالضرورة إلى الانفصال أو تفكك الدولة.

ويذهب هذا الرأي إلى أن هذا التطور يتعارض مع الإستراتيجية الإسرائيلية التي سعت وما تزال، عبر السويداء، إلى تفتيت الجغرافيا السورية، خصوصًا أن أحد الرهانات الإسرائيلية منذ سقوط نظام بشار الأسد تمثل في الدفع نحو منح الأكراد مسارًا انفصاليًا عن الدولة السورية، كجزء من تصور أوسع لمستقبل سوريا.

وبالتالي، فإن التفاهم الجديد قد يشكل ضغطًا إضافيًا على إسرائيل؛ إذ إنه مع تقدم مسار توحيد مؤسسات الدولة السورية، يصبح الوجود الإسرائيلي في الجنوب أحد أبرز الملفات التي تعيق استكمال وحدة الأراضي السورية واستقرارها.

كما أن إنهاء الملف العسكري لـ"قسد" من شأنه تعزيز استقرار الدولة السورية، وفي الوقت نفسه تقليص أحد أبرز مصادر الحساسية التركية في الشمال السوري، والمتمثل في الملف الكردي.

ودلل حل "قسد"، وفق المراقبين، على أن الحكومة السورية تسير في مسار تثبيت أركان الدولة خلال عملية الانتقال السياسي في البلاد.

ويُنظر إلى الملف الكردي على أنه كان من أصعب الملفات المرتبطة بقضية الأقليات واحتمالات التجزئة في سوريا، ولذلك فإن التوصل إلى تفاهم بشأنه قد يمثل خطوة في اتجاه الحفاظ على سوريا دولةً موحدة.

فقد وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك اندماج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية بأنه تطور "تاريخي بكل المقاييس"، مؤكدًا أن ملامح سوريا موحدة بدأت تتبلور.

وقال براك، في منشور على حسابه بمنصة "إكس"، إن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط تمضي قدمًا، مع انتقال شريك لواشنطن إلى إطار وطني سوري موحد.

ولا تقتصر تداعيات هذا التطور على الداخل السوري، بل تمتد إلى المستوى الإقليمي. فاستكمال معالجة أحد أبرز الملفات الداخلية من شأنه، وفق هذا الطرح، أن يعزز دور سوريا بوصفها لاعبًا إقليميًا في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال الأكاديمي والمحلل السياسي أحمد الهواس لـ"الاستقلال": إن "إعلان مظلوم عبدي بحل قسد يعني نهاية الأخيرة بكل تفاصيلها، أو نهاية المشروع الذي قامت من أجله، وهذا المشروع الذي كان يمكن أن يؤدي إلى تقسيم سوريا، ليس تقسيمًا جيوسياسيًا، وإنما تغيير شكل سوريا من دولة بسيطة إلى دولة مركبة أو فدرالية".

وأردف الهواس قائلًا: "إن الملف الذي كانت قسد تراهن عليه، وهو ملف تنظيم الدولة أو السجناء الذين يتبعون للتنظيم، قد تم سحبه منها، ولم تعد هناك ذريعة يمكن من خلالها أن تستمر قسد، لا سيما بعد أن سلمت مناطق النفط أو انتُزعت منها".

ورأى الهواس "أن القرار الذي وصل إليه مظلوم عبدي أفضل من أن تكون هناك حالة من العناد يمكن أن تفضي إلى نزاع تكون فيها الخاسر الأكبر قسد، إضافة إلى أن الواقع الإقليمي، لا سيما تركيا، لا ترغب في استمرار حالة قسد بهذا الشكل أو بالشكل الذي كانت عليه".

وختم الهواس بالقول: "سوريا إذا ذهبت تجاه المواطنة والتنمية التي تشمل جميع السوريين، فهي أفضل من أي مشروع انفصالي أو مشروع يمكن أن يؤثر على بنية الدولة السورية".

تأثير على السويداء

إن حل "قسد" كمنظمة عسكرية ودمجها ضمن بنية الدولة السورية لا يبدو مجرد ترتيبات عسكرية أو إدارية، بل يمثل خطوة تحمل أبعادًا سياسية وإستراتيجية، سواء لناحية تثبيت وحدة الدولة السورية ومعالجة المظالم التاريخية، أو لناحية إعادة رسم توازنات النفوذ بين سوريا وتركيا وإسرائيل خلال المرحلة المقبلة.

وضمن هذا السياق، قال مدير مركز الحوار السوري والأكاديمي أحمد قربي لـ"الاستقلال" إن حل "قسد" واندماجها في الدولة السورية يمكن عده نموذجًا، ولكن بصورة جزئية، موضحًا أن هناك أمورًا أساسية وكلية يمكن الاستفادة منها، أبرزها أن أي جسم يجب أن يكون خاضعًا لمؤسسات الدولة، وألا تكون هناك دولة داخل الدولة.

وأضاف قربي: "وبالتالي، لا ينبغي أن يتكرر في سوريا نموذج حزب الله، بحيث يمتلك طرف ما سلاحًا وهيكلًا إداريًا وجهازًا بيروقراطيًا منفصلًا عن الدولة".

وأضاف: "هذا ربما هو الخط العريض والعام، أن يكون هناك مجال للمشاركة والمساهمة، وهذا ما يمكن تعميمه من هذه التجربة، أو ما يمكن عده الحد الأدنى من الدروس المستفادة منها كنموذج".

ولفت قربي إلى أن “هناك أمورًا أساسية لا يمكن للدولة السورية أن تسمح بالتنازع عليها، وفي مقدمتها توحيد مؤسسات الدولة. أما بقية الأمور فتتعلق بالتفاصيل، ومنها كيف ستشارك قسد في مؤسسات الدولة؟ وكيف ستبني هذه المشاركة؟ وما الآليات التي ستُعتمد؟”

وأردف: "وربما يمثل ذلك شكلًا من أشكال اللامركزية الإدارية، بحيث تكون هناك تفاصيل وترتيبات تختلف من منطقة إلى أخرى".

وأمام ذلك، فإن حل "قسد" يتجاوز مجرد كونه عملية إعادة هيكلة داخل الدولة السورية؛ إذ يمثل انتقال أحد آخر الفاعلين المسلحين داخل سوريا إلى هيكل الدولة السورية الجديدة.

ومن شأن ذلك أن يسلط مزيدًا من الضغط على الملف الآخر، المتمثل في السويداء التي ما تزال تحظى بحماية إسرائيلية، ولا سيما في ظل خروج "شيخ العقل" في طائفة الموحدين الدروز في سوريا، حكمت الهجري، بتسجيل مصور في 25 أغسطس/ آب 2026، عبّر فيه عن تمنياته بأن يجد ملف مستقبل السويداء الحل "عبر الانضمام إلى دولة إسرائيل"، وفق قوله.

وزعم الهجري أن "الموحدين الدروز مشتركون مع دولة إسرائيل حتى في العقيدة، وهم جزء لا يتجزأ من هذه الدولة".

وهنا يشير قربي إلى أن "تجربة قسد لها تأثير على ملف السويداء، خاصة أن حلم حكمت الهجري إقامة دولة مستقلة وربطها بإسرائيل أمر غير قابل للتطبيق، وهو طرح طوباوي".

ومضى قربي يقول: "ما يقوم به الهجري هو نوع من المزاودة التي تهدف فقط، ربما، إلى رفع سقف المطالب من دون إيجاد حلول منطقية أو واقعية، ولهذا لا شك أن حل قسد ربما سيدفع أو سيوجه رسالة أكثر للعقلاء في مدينة السويداء بأن ينخرطوا في مؤسسات الدولة تحت سقف الدولة وعدم الاستقواء بالخارج".