زلزال شرق الفرات.. مظلوم عبدي يعلن حل "قسد" والاندماج في مؤسسات الدولة السورية

الرئيس السوري أحمد الشرع بحث مع مظلوم عبدي خطوات الاندماج ضمن مؤسسات الدولة
في خطوة وضعت حدًّا لسنوات من الحكم الذاتي المسلح في منطقة شرق الفرات، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، عن حل القوات بشكل كامل والاندماج الرسمي في مؤسسات الدولة السورية.
وقال عبدي خلال مؤتمر صحفي عقده عبدي في قصر الشعب بالعاصمة دمشق، في 25 أغسطس/آب 2026: "نعلن حل قسد (واجهة تنظيم واي بي جي الإرهابي في سوريا) واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة".
وأضاف: “نقف اليوم في لحظة تاريخية نطوي فيها صفحة مهمة من تاريخ سوريا، ونبدأ فتح صفحة جديدة عنوانها السلام والاستقرار والبناء”. مشيرا إلى أن "الظروف تغيرت اليوم، ودخلت البلاد مرحلة جديدة عنوانها السلام وبناء سوريا الجديدة".
وتابع عبدي: "نريد أن يكون هذا اليوم بداية انتقال حقيقي من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام".
ولفت إلى أن "الرئيس (السوري أحمد) الشرع أعلن في عدة مناسبات صون حقنا في التعليم باللغة الكردية، وقد لمسنا موقفًا منفتحًا تجاه هذا الحق، ونتطلع إلى تطوير هذا القرار مستقبلًا".
وأكد البدء الفوري في التنسيق مع الجهات المعنية في دمشق لدمج المقاتلين والكوادر العسكرية والشرطية (الأسايش) كافة في صفوف الجيش العربي السوري والمؤسسات الأمنية والمدنية التابعة للدولة، مقدرا أن هذه الخطوة هي الطريق الوحيد لقطع الطريق أمام التهديدات الخارجية وتثبيت استقرار البلاد.
وعقب إعلان عبدي، بحث الرئيس السوري أحمد الشرع معه خطوات الاندماج ضمن مؤسسات الدولة خلال لقاء جمعهما في قصر الشعب بالعاصمة دمشق، وفق بيان للرئاسة السورية.
وقالت الرئاسة: إن الشرع استقبل "في قصر الشعب بدمشق، مظلوم عبدي والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ومحافظ دير الزور (شرق) زياد العايش".
وأضافت أنه جرى خلال اللقاء "بحث عدد من الملفات المرتبطة بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية، والخطوات المتعلقة بالمرحلة المقبلة، بما يعزّز حضور الدولة ويدعم الأمن والاستقرار".
ورحَّبت الحكومة السورية ببيان عبدي، وعدّته "خطوة في الاتجاه الصحيح للعودة إلى حضن الوطن"، مؤكدة أن أبناء الوطن منخرطون دائماً في مؤسساتهم الرسمية لحماية السيادة السورية.
فيما قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك: إنّ حلّ تنظيم "قسد" واندماجه بمؤسسات الدولة السورية يعد حدثا تاريخيا بكل معنى الكلمة.
وأوضح باراك في منشور على منصة "إكس"، أن "خطة رئيس الولايات المتحدة (دونالد ترامب) المستمرة للشرق الأوسط تشهد تقدّم شريك ثابت إلى إطار وطني، وبدء تشكّل سوريا موحدة للجميع".
وأضاف: "لقد فتحت قيادة رئيس الولايات المتحدة بعيدة النظر الطريق أمام الاندماج المنظم لقسد في الدولة السورية".
وبالتزامن مع إعلان حل قوات قسد واندماجها في مؤسسات الدولة، زار وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جبل الشيخ الواقع في المنطقة السورية العازلة، وقال: إن الجيش الإسرائيلي لن يغادر جبل الشيخ أو المنطقة السورية العازلة، ما دامت هناك "تهديدات" ضد إسرائيل.
وأضاف، مخاطباً الرئيس السوري: "رسالتنا إلى الرئيس السوري واضحة: عندما تستيقظ صباحاً في قصر دمشق وتنظر إلى جبل الشيخ وترى الجيش الإسرائيلي، فاعلم أننا هنا لحماية مجتمعاتنا وحدودنا". وفق تعبيره.
وسبق أن سيطر الجيش الإسرائيلي على المنطقة السورية العازلة نهاية عام 2025، في خطوة قالت دمشق: إنها تمثل انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك الموقع بين الجانبين عام 1974.
كما جدد كاتس معارضة إسرائيل لما وصفه بـ"محاولة تركيا ترسيخ وجودها في سوريا".
وبدورها، أدانت وزارة الخارجية السورية، الدخول غير الشرعي لوزير الدفاع الإسرائيلي وتخطيه الحدود ووصفته بأنه "انتهاك سافر لسيادة البلاد ووحدة أراضيها"، وعدته "استفزازا واضحا وانتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وإخلالا بالتزامات فض الاشتباك لعام 1974".
ودعت "المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإجبار سلطات الاحتلال (الإسرائيلي) على وقف هذه الانتهاكات المتكررة، والانسحاب الفوري والكامل من الأراضي السورية التي توغلت إليها، والعودة إلى خط فض الاشتباك، واحترام سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها".
وربط مراقبون ومحللون سياسيون بشكل مباشر بين التسارع الكبير في إعادة توحيد الدولة السورية (والذي توّج بإعلان قسد حل نفسها والاندماج الكامل) وبين التصعيد الإسرائيلي المتزامن في الجنوب السوري وزيارة كاتس إلى جبل الشيخ.
ورأوا أن "إسرائيل" أدركت أن جبهة شرق الفرات قد أُغلقت سياسياً وعسكرياً لصالح دمشق، لذا سارعت عبر زيارة كاتس للجبل والتصعيد في الجنوب إلى تحويل وجودها المؤقت في "المنطقة العازلة" إلى احتلال دائم لفرض حزام أمني، وقطع الطريق على أي محاولة سورية مستقبلية لاستعادة السيطرة الكاملة على حدودها الجنوبية.
ويأتي قرار قسد بعد سلسلة من التفاهمات والاجتماعات السرية والعلنية التي جرت برعاية روسية مباشرة، وفي ظل تراجع نسبي للدعم الأميركي للمشاريع الانفصالية في المنطقة.
كما يتزامن السياق مع ضغوط عسكرية واقتصادية متزايدة واجهتها الإدارة الذاتية، فضلاً عن رغبة الأطراف المحلية في تفادي عملية عسكرية تركيّة جديدة عبر تقديم تنازلات جوهرية تصب في صالح بسط سيادة الدولة السورية وتجنيب المنطقة مزيداً من الحروب.
تأسست قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أكتوبر 2015، وشكلت وحدات حماية الشعب الكردية الإرهابية (YPG) عمودها الفقري إلى جانب فصائل عربية وسريانية.
وحظيت القوات بدعم عسكري ولوجستي هائل من التحالف الدولي بقيادة واشنطن في الحرب ضد تنظيم "داعش".
وعلى مدار سنوات، أدارت "قسد" وجناحها السياسي (مجلس سوريا الديمقراطية) مناطق واسعة شرق الفرات غنية بالنفط والقمح، وشكلت نموذجاً للإدارة الذاتية التي حظيت بحكم أمر واقع، وسط رفض ومقاومة مستمرة من دمشق وأنقرة.
وفي منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، أصدر الشرع مرسومًا "يضمن حقوق الأكراد وبعض خصوصياتهم" في البلاد، داعيا حينها الأكراد إلى "المشاركة الفعالة في بناء هذا الوطن والحفاظ على سلامته ووحدته، وأن ننبذ ما سوى ذلك".
ونصت المادة الأولى من المرسوم على أن "المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وتعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة".
وسبق أن تنصلت "قسد" من تنفيذ بنود اتفاق أبرمته مع الحكومة السورية في 10 مارس/ آذار 2025، ونص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في مناطق شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة.
كما نص الاتفاق على إعادة فتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز في هذه المناطق، وشدد على وحدة الأراضي السورية، وانسحاب قوات التنظيم من مدينة حلب إلى شرق نهر الفرات.
وتبذل الحكومة السورية جهودًا مكثفة لتعزيز الأمن والاستقرار في البلاد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بعد 24 عامًا من حكمه.
سوريا موحدة
ورحب وزراء ومسؤولون وناشطون على منصات التواصل بإعلان مظلوم عبدي حل قوات قسد واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية، ورأوا أن هذه الخطوة تمثّل لحظة تاريخية تنهي سنوات من الانقسام الإداري والعسكري وتعيد سوريا إلى مسار الوحدة الوطنية تحت سقف دولة واحدة.
كما رأوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #حل_قسدـ #دمشق، #مظلوم_عبدي، #أحمد_الشرع، #قسد وغيرها، أن الخطوة تعد انتقالاً من مرحلة الدفاع والصراع إلى مرحلة البناء والسلام.
وأكد ناشطون أن الخطوة تعزز سيادة الدولة وتدمج كل المكونات في مؤسساتها المدنية والعسكرية، بما يحفظ حقوق الجميع دون الحاجة إلى هياكل موازية، مشددين على أهمية تغليب المصلحة الوطنية وتوحيد الجهود لتهيئة الظروف لإعادة الإعمار والتنمية.
وأبرز ناشطون أن الإعلان يمثل تتويجاً لمسار طويل من المفاوضات والضغوط، ويكرس فكرة أن الهوية والحقوق تُصان داخل الدولة الموحدة لا خارجها، معربين عن تفاؤلهم بمستقبل أكثر استقراراً لسوريا أرضاً وشعباً.
حنكة وحكمة
وأكد ناشطون أن حل "قسد" يُعد من أبرز إنجازات المرحلة الانتقالية في سوريا؛ إذ يوحد القرار الأمني والعسكري تحت مظلة الدولة، وينهي وجود أي قوة موازية، مشيدين بحكمة الرئيس السوري وقدرته على إدارة المشهد السياسي والمرحلة الانتقالية وتوحيد البلاد وإنهاء الانقسام.
ووصفوا الإعلان بأنه انتصار للعقل والحوار، مشيرين إلى أن اندماج التشكيلات العسكرية والأمنية والإدارية في وزارتي الدفاع والداخلية يعزز السيادة الوطنية ويمهد لاستقرار شامل يشمل جميع المكونات.
حقوق دستورية
وأشار ناشطون إلى أن خطوة حل قسد إداريا وعسكريا وإعلان اندماجها في مؤسسات الدولة يمثل نقلة نوعية تنقل المطالب الكردية من دائرة السلاح والمشاريع العسكرية المستقلة إلى الفضاء الدستوري والسياسي السلمي، خاصة مع التأكيد على صون حق التعليم باللغة الأم.
ورأى ناشطون أن ذلك يعزز الثقة بين المكونات ويؤكد أن سوريا الموحدة هي الضمان الحقيقي لحقوق الجميع، سواء كانوا أكراداً أو عرباً أو غيرهم من أبناء الوطن.
ورأوا في هذه الخطوة بداية مرحلة وطنية تجمع الطاقات في مؤسسات واحدة، وتنهي الانقسام، وتفتح الباب أمام استقرار وتنمية مشتركة تحفظ كرامة كل أبناء الوطن ضمن إطار الدولة الواحدة.
خسائر إسرائيل
ورأى ناشطون أن حل قوات سوريا الديمقراطية يمثل ضربة لمشاريع إسرائيل في تفكيك سوريا وإضعاف سيادتها، ويرون أن ذلك يضيق المساحة التي كانت تستخدمها إسرائيل للعب بالأوراق الانفصالية أو التفكيكية ويسد ثغرة مهمة كانت تخدم أهداقها لإبقاء وريا مجزأة.
وأكّدوا أن حل قسد يحول دون استمرار مشاريع الاحتلال الإسرائيلي مثل "ممر داوود" أو روج آفا، عادين الخطوة انتصاراً لوحدة البلاد رغم التوغلات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب.
وربط آخرون الأمر مباشرة بمصير شيخ العقل في طائفة الموحدين الدروز في سوريا حكمت الهجري في السويداء، مشيرين إلى أنه أصبح الورقة المتبقة المرتبطة بالكيان الإسرائيلي بعد حل قسد، وتوقعوا نهاية مشابهة لنفوذه بسبب ارتباطه بإسرائيل فيما تمنى أخرون أن يسلك الطريق نفسه نحو الاندماج.
وأثار الهجري، جدلا واسعا بعد حديثه عن أمله في أن يجد ملف مستقبل محافظة السويداء طريقه إلى الحل عبر الانضمام إلى الاحتلال الإسرائيلي، في تصريحات تمثل تحولا لافتا في خطابه السياسي، وسط استمرار التوتر حول مستقبل المحافظة وعلاقتها بالحكومة في دمشق.
وقال الهجري، في مقطع مصور جرى تداوله على نطاق واسع من داخل منزله في قرية قنوات: إن الموحدين الدروز "مشتركون مع دولة إسرائيل حتى في العقيدة"، وذهب إلى القول إنهم "جزء لا يتجزأ من هذه الدولة"، داعيا إلى الحفاظ على هذا الفكر، ومقدرا أن من حق الدول حماية نفسها.
وجاءت تصريحات الهجري في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات سياسية وأمنية متسارعة بشأن مستقبل السويداء، بالتزامن مع اتصالات بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية لاحتواء التوتر وإعادة تفعيل مسار التفاوض الأمني بين الجانبين.

















