من الخيام إلى التعليم الرقمي.. كيف يواجه أطفال غزة عامهم الدراسي الرابع؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

يدخل أطفال غزة سنة دراسية رابعة منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما يقوم التعليم اليوم على بدائل طارئة تجمع ما يمكن تشغيله من مدارس بالتعليم المؤقت والرقمي، بعدما نال التدمير غالبية المنشآت التعليمية.

وبقي أكثر من 637 ألف طفل من دون وصول مستدام إلى تعليم رسمي وجاهي، بحسب تجمع التعليم في الأرض الفلسطينية المحتلةـ وهو إطار تنسيقي يضم الجهات والمنظمات العاملة في هذا القطاع.

فيما تتجاوز الأزمة العثور على مقعد؛ إذ ينتقل جيل كامل إلى أعمار وصفوف جديدة بينما تتراكم فجوات في القراءة والكتابة والحساب، حتى أصبح الصف المسجل للطفل أقل تعبيرًا عن مستواه الحقيقي.

أين سيتعلم الطلبة؟

حددت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية تاريخ 6 سبتمبر/أيلول 2026 موعدًا لبدء العام الدراسي، في وقت بدأت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" منذ 20 يونيو/حزيران تسجيل طلبة الصف الأول، مع استمرار التعليم في المساحات المؤقتة وعبر الوسائل الرقمية.

ويبدأ العام الجديد مع نقص حاد في المباني الصالحة للتعليم؛ إذ أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في أغسطس/آب 2026 إلى أن 526 مبنى مدرسيًا من أصل 564، أي نحو 93 بالمئة، تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل كبير.

وبدوره، قدّر مدير تربية شرق غزة منير أبو زعيتر في 16 أغسطس أن نحو 80 بالمئة من مدارس القطاع خارج الخدمة وأن قرابة 21 بالمئة فقط من الغرف الصفية مناسبة للاستخدام.

وأصبحت مساحات التعلم المؤقتة المنفذ الرئيس للتعليم الوجاهي؛ إذ كان أكثر من 300 ألف طفل يحضرون في 494 مساحة منتصف مارس/آذار 2026، بما يغطي نحو 39 بالمئة من الأطفال بين 4 و17 عامًا.

ثم ارتفع عدد المساحات إلى 613 بنهاية يونيو، ووصل عبرها أكثر من 432 ألف طفل إلى شكل من أشكال التعلم المنظم خلال النصف الأول من العام.

ويختلف الدوام داخل هذه المساحات عن اليوم المدرسي المعتاد؛ إذ قال أبو زعيتر: إن نحو 55 بالمئة من المواقع التعليمية الميدانية المستخدمة خلال العام السابق كانت خيامًا.

كما تعمل هذه المساحات وفق نظام مناوبات تتقاسم فيه مجموعتان الموقع خلال الأسبوع، وتحصل كل مجموعة على ثلاثة أيام من التعليم الوجاهي.

ويستمر التعليم الإلكتروني إلى جانب هذه المساحات؛ إذ قدّر أبو زعيتر عدد الطلبة الذين يتابعون دراستهم إلكترونيًا بنحو 84 ألفًا، مقابل نحو 127 ألف طالب خارج التعليم الوجاهي والإلكتروني معًا، وسط صعوبات تتعلق بالكهرباء والإنترنت وتوفر الأجهزة.

وتضغط الخسائر البشرية في قطاع التعليم على قدرات تشغيل المدارس؛ إذ سجلت الوزارة حتى مطلع فبراير/شباط 2026 استشهاد 18,639 طالبًا و792 من العاملين بالتعليم، وإصابة أكثر من 28 ألف طالب و3,251 معلمًا، فيما قدّر أبو زعيتر عدد المعلمين الشهداء بنحو 535 من قوة تعليمية تقارب 22 ألفًا.

ويجد النازح أحمد عفانة (43 عاما) نفسه أمام مسارين مختلفين لتعليم طفليه؛ إذ حصل أحدهما على مكان في خيمة تعليمية يعمل فيها الدوام بالمناوبات ثلاثة أيام أسبوعيًا، فيما يتابع الآخر دروسه عبر هاتف الأسرة عندما تتوفر الكهرباء والإنترنت. 

ويقول لـ"الاستقلال": إن قدرته على إبقاء طفليه في مسار دراسي منتظم مرتبطة بتوفر المقعد وساعات التدريس والاتصال أكثر من ارتباطها بالجدول المدرسي المعتاد.

وداخل خيمة الأسرة غرب مدينة غزة، يلاحظ عفانة أن أحد طفليه ما زال يتعثر في القراءة والكتابة ومهارات أساسية كان يفترض أن يتقنها في صفوف سابقة، بينما تحد ضيق الخيمة وأعباء توفير المياه والطعام من الوقت الذي تستطيع الأسرة تخصيصه لتعويضه دراسيًا.

مستوى متراجع

تصف يونيسف الوضع بفاقد تعليمي أصاب جميع أطفال سن المدرسة في غزة بفعل تآكل المهارات التأسيسية وصعوبة عودة الطلاب إلى المستوى المفترض لأعمارهم، ما دفع برامج التعليم الحالية إلى إعطاء أولوية لاستعادة القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم قبل التوسع في محتوى المناهج.

وتقدر أن قرابة 700 ألف طفل بين 4 و17 عامًا فاتهم التعليم الرسمي الوجاهي لما يقارب ثلاث سنوات دراسية، بينما توزعت فرص التعلم خلال هذه الفترة بين محاولات قصيرة للعودة إلى المدارس ومساحات مؤقتة وتعليم إلكتروني وفترات انقطاع طويلة. 

وخلال وقف إطلاق النار مطلع 2025 أطلقت وزارة التربية عامًا دراسيًا مضغوطًا، ووصل أكثر من 150 ألف طالب بحلول أوائل مارس إلى نحو 165 مدرسة حكومية، كان أكثر من نصفها يعمل بثلاث مناوبات.

ثم أدت عودة العدوان الإسرائيلي في 18 مارس إلى توقف مواقع ونزوح أسر من جديد، فيما بلغ التسجيل في المساحات المؤقتة بحلول يناير/كانون الثاني 2026 نحو 42 بالمئة من أطفال سن المدرسة.

وحاول باحثون في جامعة كامبريدج البريطانية ومركز الدراسات اللبنانية، بالشراكة مع أونروا، قياس العبء الأوسع للتعافي في دراسة نُشرت في يناير 2026، وقدّر نموذجهم في سيناريو استئناف التعليم النظامي في سبتمبر 2026 فاقدًا مكافئًا يصل إلى 7.5 سنوات من التعلم المتراكم. 

ويتضمن التقدير سنة مرتبطة بتعطلات جائحة كوفيد-19 وثلاث سنوات مرتبطة بالعدوان الإسرائيلي وإغلاق المدارس، إضافة إلى أثر الصدمة والجوع على قدرة الأطفال على التعافي والتعلم.

ويبقى تحديد المستوى الفعلي لكل طفل في القراءة والحساب والمهارات الأخرى مرتبطًا بتقييم مباشر، يحدد مقدار الاستدراك الذي يحتاجه.

وتتسع الفجوة بين الصف الذي وصل إليه الطالب وما تعلمه فعليًا؛ إذ واصلت الوزارة تسجيل الأفواج وتشغيل المسارات الافتراضية والمضغوطة وتنظيم امتحانات الثانوية، بينما تقدم الأطفال في العمر والصفوف خلال سنوات تراجع فيها التعليم المنتظم بشدة.

وتشير اليونيسف إلى أن نحو 56 ألف طفل بلغوا سن دخول المدرسة خلال الأزمة، بما يعني أن شريحة واسعة وصلت إلى الصفوف الأولى من دون المرور بالروتين المدرسي الذي تبدأ داخله عادة مهارات القراءة والكتابة والحساب.

وتقول نورا يوسف من دير البلح وسط قطاع غزة: إن ابنها كان في السادسة من عمره عند اندلاع الحرب وأصبح اليوم في عمر الصف الثالث، بينما ما تزال القراءة والكتابة عنده دون المستوى الذي وصلت إليه لدى إخوته عندما كانوا في العمر نفسه. 

وتحاول الأم تعويض جزء من ذلك، لكن وقت الدراسة يتداخل مع جلب المياه والطعام والضوضاء وأعباء الحياة، متحدثة لـ"الاستقلال" عن مشاركة عدة أبناء هاتفًا واحدًا وعن صعوبة إبقائه مشحونًا.

وأردفت: “لاحظت أن أبنائي نسوا قدرًا كبيرًا مما تعلموه سابقًا بعد سنتين انصرفت فيهما الحياة اليومية إلى النزوح والماء والطعام والبقاء، وأصبحت هناك فجوة مقلقة أعتقد أنها ستؤثر على بقية سنوات دراستهم”.

ما مستقبل الدراسة؟

تقوم خطط التعافي للسنوات المقبلة على التعليم العلاجي السريع بالتوازي مع توسيع الدراسة الوجاهية، عبر برامج تقودها وزارة التربية ويونيسف وأونروا وتجمع التعليم؛ لاستعادة المهارات الأساسية.

وتتوقف سرعة التعافي على التمويل والمقاعد المتاحة وعدد الكوادر، إلى جانب القدرة على تقييم مستويات مئات آلاف الأطفال.

وأطلقت يونيسف في يناير 2026 مخطط “العودة إلى التعلم” الذي يعتمد مراكز ومساحات تعليمية مؤقتة وبرنامجًا مسرعًا للصفوف من الثاني إلى التاسع يركز على استعادة المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب والعلوم، وفق المستوى الفعلي للطالب.

يضم المخطط مسارًا للاستعداد المدرسي للأطفال الأصغر، ويربط العملية التعليمية بالدعم النفسي والاجتماعي والصحة والتغذية ودمج الأطفال ذوي الإعاقة.

ويركز هذا المسار على مستوى المهارة الفعلي للطالب، ثم استعادة ما ينقصه تدريجيًا للوصول إلى مستوى صفه، وهو توجه يكتسب أهمية خاصة مع اتساع الفجوة بين العمر الدراسي والمستوى الفعلي. 

وسعت يونيسف مطلع 2026 إلى شمول 336 ألف طفل خلال العام، على أن يتوسع التعليم الوجاهي ليشمل جميع أطفال سن المدرسة خلال 2027، فيما استفاد نحو 255 ألف طفل من تدخلاتها عبر 172 مركزًا حتى نهاية أبريل/نيسان.

وتعمل وزارة التربية والتعليم بالتوازي عبر المدارس الافتراضية والمساحات الوجاهية والأبنية المؤقتة، فيما بدأت في مارس 2026، بالتعاون مع البنك الدولي، المرحلة الأولى من "برنامج التعليم المساند" في 152 مدرسة على مستوى النظام الفلسطيني لمعالجة الفاقد التعليمي.

كما أعلنت تعميم "مصادر التعليم المفتوحة" للصفوف من الأول إلى الرابع مع بداية العام الدراسي والتوسع لاحقًا إلى صفوف أخرى، بما يوفر أدوات إضافية للمعلم والطالب في بيئة تقل فيها فرص الاعتماد على الكتاب والصف التقليديين.

وتواصل أونروا تشغيل مساحات التعلم المؤقتة والتعليم عن بعد وتسجيل الأفواج الجديدة، فيما تتركز خطتها التشغيلية على توفير المعلمين والمساحات ومسار التعلم الرقمي والعمل ضمن الاستجابة التعليمية المشتركة. 

ويواجه طلبة الثانوية مسارًا أكثر حساسية بسبب قرب انتقالهم إلى الجامعة؛ إذ دعمت اليونيسف خلال 2025 نحو 500 معلم في الضفة الغربية لتقديم تعليم إلكتروني لنحو 39 ألف طالب ثانوية في غزة، وتمكن نحو 49 ألفًا من أصل قرابة 71 ألف طالب مسجل من أداء الامتحانات في ذلك العام. 

وفي امتحانات 2026، أفاد تجمع التعليم بمشاركة نحو 98 بالمئة من المسجلين، بالتزامن مع استعداد الوزارة لتطبيق نظام جديد للثانوية على الفوج الداخل إلى الصف الحادي عشر، في وقت يدخل فيه هؤلاء الطلبة المرحلة الجديدة بفجوات تراكمت خلال السنوات السابقة.

وتقدر دراسة جامعة كامبريدج ومركز الدراسات اللبنانية حجم الكوادر المطلوبة بحسب مدة التعويض؛ إذ يحتاج سيناريو يمتد ثلاث سنوات إلى نحو 2,056 مساعد تدريس إضافيًا، مقابل 6,169 مساعدًا إذا ضُغط التعويض في سنة واحدة.

وتبلغ كلفة رواتب هؤلاء المساعدين وحدها وفق النموذج قرابة 48.5 مليون دولار، قبل احتساب كامل تكاليف التدريب والمباني والتجهيزات، ما يوضح العلاقة المباشرة بين سرعة الاستدراك وحجم الموارد البشرية التي يمكن وضعها داخل الصفوف.

وتفترض هذه السيناريوهات استقرار الدراسة وقدرة النظام على تجنيد آلاف الكوادر وتوفير وقت تعليمي كاف، فيما يطول زمن التعافي بفعل الجوع والصدمة وتقليص أيام الحضور واستمرار استخدام بعض المدارس للإيواء. 

ويتوقع أن يمتد تعويض ما خسره طلبة غزة إلى سنوات دراسية لاحقة؛ إذ سيواصل كثير منهم دراسة مناهجهم الجديدة بالتوازي مع استعادة مهارات كان يفترض أن يكتسبوها في صفوف سابقة، فيما ستحدد ساعات التعليم والكوادر والتمويل المدة التي يحتاجها هذا الجيل للاقتراب من مستواه الدراسي المفترض.