من وقف الحرب إلى إعادة تشكيل السلطة.. ماذا يريد البرهان من الحوار السوداني؟

خطاب البرهان لا يضع قيادة الدعم السريع في الموقع نفسه الذي يمنحه للمعارضة المدنية
أعلن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في كلمته يوم 15 أغسطس/ آب 2026، بمناسبة الذكرى الـ72 لتأسيس القوات المسلحة، عن منح حصانة مؤقتة بوصفها مدخلًا رئيسا لحوار سوداني تتولى إدارته آلية وطنية مستقلة. وتعهد البرهان بتعليق الإجراءات الجنائية بحق مشاركين صدرت بحقهم اتهامات، وتوفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية لهم، وحماية ما يطرحونه داخل جلسات الحوار من استخدامه أساسًا لملاحقتهم.
لكنه شدد، في المقابل، على أن الإجراء لا يمثّل عفوًا ولا يسقط حقوق أصحاب البلاغات، وإنما يوقف الملاحقة خلال فترة العملية السياسية فقط. وبهذا الإعلان، انتقلت دعوة الحوار التي طرحها البرهان في مايو/ أيار 2026 من تعهد سياسي عام إلى ترتيبات أولية يفترض أن تسمح للمعارضين بالحضور والمشاركة.
غير أن المبادرة تنطلق وسط حرب مستمرة، وانقسام بشأن أطراف الحوار، وغموض يحيط بهوية الآلية وأجندتها، إلى جانب شروط عسكرية تستبعد عودة قيادة مليشيا الدعم السريع إلى السلطة. وهو ما يطرح سؤالًا أوسع: هل تكفي الحصانة لتوسيع المشاركة، أم تظل العملية محكومة بموازين الحرب وحدود المسار الذي ترعاه الدولة؟

هوية مؤجلة
نسب البرهان المبادرة إلى مجموعة وطنية من السودانيين تحركت من تلقاء نفسها، وقال: إنه التقى أعضاءها واستمع إلى رؤيتهم ومطالبهم بشأن تهيئة المناخ السياسي، قبل أن يعلن استجابته لها وتكليف المجموعة بالعمل بوصفها آلية مستقلة لإدارة الحوار.
وحصر الدور المعلن للدولة في توفير الضمانات والدعم اللوجستي، مؤكدًا أنها لن تنظم المؤتمر أو تحدد أجندته ومخرجاته. ومن المنتظر أن تعقد الآلية مؤتمرًا صحفيًا لعرض رؤيتها وخطة عملها، لكن أسماء أعضائها وهيكلها ومعايير اختيار المشاركين لم تُعلن حتى الآن، ما يجعل نسب المبادرة إلى حزب أو تحالف سياسي بعينه أمرًا سابقًا لأوانه.
ولا تبدأ المبادرة الجديدة من فراغ؛ إذ أعلن البرهان في 26 مايو/ أيار الماضي التحضير لحوار سياسي شامل داخل السودان، يهدف إلى الاتفاق على أسس البناء الوطني واستكمال الانتقال المدني الديمقراطي.
ثم شهدت الخرطوم في يوليو/ تموز 2026 لقاءات بينه وقيادات الكتلة الديمقراطية، بالتزامن مع ندوة مشتركة لحزبي الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي الأصل. وأعلنت قيادات شاركت في تلك التحركات تأييدها لحوار داخلي، بينما تعهد البرهان باتخاذ خطوات عملية لتهيئة بيئته.

حصانة لا تلغي الاتهامات
يضع تعهد البرهان الحصانة المؤقتة في قلب ترتيبات تهيئة الحوار، لكنه يرسم لها حدودًا تمنع تحولها إلى عفو عام؛ فالإجراء المعلن يقوم على تعليق الملاحقات بحق المشاركين خلال حضورهم العملية السياسية، من دون شطب البلاغات أو إسقاط الاتهامات أو المساس بحقوق الضحايا وأصحاب الدعاوى.
وبذلك، يستطيع الشخص المشمول بالضمان العودة أو الانتقال إلى مكان انعقاد المؤتمر والمشاركة فيه من دون توقيفه بسبب ملف تشمله الحماية، على أن تعود الإجراءات إلى مسارها بعد انتهاء مدة الحصانة، ما لم يصدر قرار قانوني آخر.
ويضاف إلى وقف الإجراءات ضمان آخر يتعلق بحماية حرية النقاش؛ فقد تعهد البرهان بألا تستخدم الآراء والمواقف التي يقدمها المشاركون أثناء الجلسات أساسًا لملاحقتهم. ويستهدف هذا الضمان تمكين القوى المعارضة من مناقشة الجيش والحكومة والحرب وترتيبات الحكم من دون الخوف من فتح بلاغات جديدة بسبب مواقفها السياسية.
كما تشمل الترتيبات المعلنة ضمانات أمنية وسياسية ودعمًا لوجستيًا، وهي عناصر ضرورية إذا أرادت الآلية إشراك شخصيات تقيم خارج مناطق سيطرة الحكومة أو غادرت البلاد بسبب الملاحقات.
لكن تحويل هذه التعهدات إلى حصانة نافذة يحتاج إلى إجراءات قانونية مكتوبة؛ فأقرب سند متاح هو المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 التي تمنح النائب العام سلطة وقف الدعوى الجنائية بعد اكتمال التحري وقبل صدور الحكم الابتدائي، على أن يكون القرار مسببًا.
وسبق للمحكمة العليا أن قررت أن هذه السلطة شُرعت لتحقيق مصلحة عامة أو ضرورة سياسية أو اجتماعية، وأنها ليست تفويضًا مطلقًا يتجاوز القضاء.
وعليه، بحسب وسائل إعلام سودانية، لا يكفي تعهد رئيس مجلس السيادة منفردًا، بل يجب تحديد أسماء المشمولين والبلاغات المعلقة ومدة الحماية والجهات الملزمة بها، وبيان وضع أوامر القبض والمحاكمات الغيابية.
كما يتعين توضيح ما إذا كانت الجرائم الجسيمة، ومنها جرائم الحرب والقتل والجرائم ضد الإنسانية، ستُستثنى من الترتيب؛ لأن أي غموض في هذه النقطة قد يحول الحصانة من أداة لفتح المجال السياسي إلى مصدر صدام جديد مع الضحايا والقضاء.

خلاف على المشاركين
لم تعلن القوى السياسية حتى الآن مواقف متكاملة من المبادرة بصيغتها الجديدة، لكن مواقفها السابقة من الحوار ترسم خريطة أولية للمؤيدين والاعتراضات المحتملة.
فالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل أعلن، على لسان جعفر الميرغني، مساندة مبادرة البرهان للسلام والعملية السياسية، ودعا إلى حوار داخلي يقوم على وحدة السودان، ووجود جيش وطني واحد، ورفض الكيانات الموازية.
كما تبنى موقفًا يرفض الإقصاء السياسي، على أن يختص القضاء بمحاسبة المتورطين في الجرائم، وأن تكون الانتخابات وسيلة لمحاسبة الأحزاب.
ودعا عبد الرحمن الصادق المهدي، نائب رئيس هيئة الحل والعقد في هيئة شؤون الأنصار، إلى حوار سوداني شامل، ورأى أن إعلان جدة يمكن أن يشكل أساسًا للوصول إلى حل.
إلا أن موقف حزب الأمة يظل معقدًا بسبب انقسام قياداته بين تيار يعمل داخل السودان، وآخر ضمن تحالف "صمود"، ومجموعة شاركت في تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" الذي تقوده مليشيا الدعم السريع.
أما الكتلة الديمقراطية، فأبدت انفتاحًا على العملية السياسية الداخلية، لكنها ترفض منح تحالف "تأسيس" صفة الطرف السياسي المستقل، وتعده امتدادًا لمليشيا الدعم السريع.
وفي المقابل، ستحدد هوية الآلية وقائمة المدعوين موقف تحالف "صمود" وقوى إعلان المبادئ. فهذه القوى تدعم وقف الحرب وإطلاق حوار بملكية سودانية، لكنها تتمسك بإبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما عن العملية السياسية.
وسبق أن رفضت حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، والحركة الشعبية-التيار الثوري الديمقراطي، وثيقة خرجت عن مشاورات أديس أبابا، لأنها لم تتضمن نصًا واضحًا يمنع مشاركة النظام السابق.
وتبرز هنا معضلة الشمول؛ فالقوى القريبة من الجيش ترفض مشاركة قوات الدعم السريع وحلفائها، بينما تطالب قوى معارضة بإبعاد الإسلاميين والمؤتمر الوطني. وإذا استجابت الآلية للشرطين معًا، فقد يتحول الحوار إلى اجتماع لقوى منتقاة بدلًا من أن يكون مسارًا وطنيًا واسعًا. أما تجاهل الاعتراضات، فقد يدفع مكونات رئيسة إلى المقاطعة.
لذلك، تحتاج الآلية إلى معيار واحد يفرق بين المسؤولية الجنائية الفردية والانتماء السياسي، ويمنع استخدام تهمة مساندة أحد طرفي الحرب أداةً مفتوحة لإقصاء الخصوم.

"السلام المنقوص"
كشف خطاب البرهان أيضًا أن المبادرة لا تضع قيادة مليشيا الدعم السريع في الموقع نفسه الذي تمنحه للمعارضة المدنية. فقد أعلن استعداده للتعامل مع أي مبادرة جادة للسلام، لكنه رفض ما وصفه بـ"السلام المنقوص" الذي يعيد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" ومسانديها إلى السلطة.
وبذلك، أغلق الباب أمام استعادة الشراكة التي جمعت البرهان وحميدتي داخل مجلس السيادة قبل الحرب، وربط مستقبل قوات الدعم السريع بمسار أمني يبدأ على الأرض قبل الانتقال إلى أي ترتيبات سياسية.
وحدد البرهان لهذا المسار خطوات متتابعة تبدأ بخروج مليشيا الدعم السريع من المدن وتجميعها في مناطق محددة، ثم عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، قبل بحث أوضاع المقاتلين وإمكان استيعاب من لم يرتكبوا جرائم منهم في القوات النظامية.
وتتقاطع هذه الشروط مع الرد الذي قدمته الحكومة على المقترح الأميركي لهدنة إنسانية مدتها 90 يومًا، إذ اشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من المدن على مراحل، وتجميع قواتها، والحفاظ على جيش وطني موحد، ووقف الدعم الخارجي للتشكيلات المسلحة.
غير أن الإعلان لم يحسم وضع الأحزاب والشخصيات المنضوية في تحالف "تأسيس"؛ فالكتلة الديمقراطية ترفض الجلوس معه وتعده ذراعًا سياسية لمليشبا الدعم السريع، بينما يضم التحالف قوى مدنية وحركات مسلحة تقدم نفسها بوصفها طرفًا سياسيًا.
كما لم يتضح ما إذا كانت الحصانة المؤقتة يمكن أن تشمل شخصيات مرتبطة به، أم ستقتصر على معارضين لا يساندون الحرب.
وتكشف ورقة مالك عقار محاولة لمعالجة هذه العقدة عبر الفصل بين مسارين: تفاوض عسكري بين الجيش ومليشيا الدعم السريع لوقف إطلاق النار وتنفيذ الترتيبات الأمنية، وحوار سياسي يناقش الحكم والدستور والانتقال المدني.
ويمكن لهذا الفصل أن يمنع مليشيا الدعم السريع من العودة إلى الحكم بقوة السلاح، من دون استبعاد القضايا المرتبطة بإنهاء الحرب. لكن نجاحه يتطلب اتفاقًا مسبقًا على تعريف الطرف السياسي، ومن يتحمل المسؤولية الجنائية، ومن يحق له المشاركة بعد فك ارتباطه بالقوة المسلحة.

ضغط الحرب
وقال السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبد العاطي لـ"الاستقلال": إن توقيت مبادرة الحوار يمنح الحصانة المؤقتة أهمية تتجاوز بعدها القانوني؛ لأنها تأتي بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، وبالتزامن مع عودة مؤسسات الحكم إلى الخرطوم، ومساعي استكمال هياكل السلطة وتشكيل المجلس التشريعي، إلى جانب التحركات الأفريقية والدولية الرامية إلى إعادة فتح المسار السياسي.
وأوضح أن الحصانة يمكن أن تزيل أحد أبرز العوائق أمام مشاركة المعارضين المقيمين خارج السودان أو المطلوبين في بلاغات سياسية، لكنها لن توفر بيئة آمنة بمجرد إعلانها شفهيًا.
وأضاف أن نجاحها يتطلب تحويلها إلى قرارات قانونية مكتوبة وملزمة للنيابة والشرطة والأجهزة الأمنية وسلطات المنافذ، مع تحديد الأشخاص والبلاغات المشمولة بها ومدتها، وضمان حق المشاركين في الدخول والمغادرة والتنظيم والتعبير من دون ملاحقة.
وأشار عبد العاطي إلى أن استقلال الآلية سيظل موضع اختبار ما لم تعلن أسماء أعضائها وطريقة اختيار المشاركين وآلية اتخاذ القرارات وضمان تنفيذ المخرجات، مؤكدًا أن انعقاد الحوار في الخرطوم لا يكفي وحده لإثبات ملكيته الوطنية أو شموله مختلف القوى.
ورأى أن فرص نجاح المبادرة ترتبط بقدرتها على معالجة القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها مستقبل الجيش وقوات الدعم السريع، ومشاركة القوى المرتبطة بطرفي الحرب، وموقع الإسلاميين، وشكل الحكم والانتقال المدني.
وحذَّر من أن استخدام شروط السلام لتحديد القوى المقبولة سلفًا، أو بقاء الضمانات في إطار التعهدات السياسية، قد يحول الحوار إلى مسار إضافي بين مبادرات متنافسة، من دون إنتاج توافق قادر على وقف الحرب وإعادة بناء الدولة.
المصادر
- البرهان يتعهد بحصانة للمشاركين في الحوار ويرفض عودة حميدتي للسلطة
- "وثيقة أديس أبابا" تفجر خلافات جديدة بين الفرقاء السودانيين
- تفسير للمادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م المقدم من النائب العام
- الجزيرة نت تنشر تفاصيل الورقة الأمريكية للسلام في السودان ورد الحكومة
- البرهان يعلن ضمانات وحصانة مؤقتة للمشاركين في الحوار السياسي


















