المحادثات الخليجية مع ترامب.. لتعليق الحرب مع إيران مؤقتا أم إنهائها تماما؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل الهجمات الجديدة على إيران، استجابة لطلب كل من السعودية والإمارات وقطر، دلالات تتعلق بتنامي الدور الخليجي في احتواء التصعيد، وقدرة دول الخليج على التأثير في مسار الحرب الأميركية ضد إيران.

وفي مقال نشرته وكالة الأناضول التركية، سلّط الكاتب التركي "يوسف بهادر كيسكين" الضوء على هذا القرار، مقدرا أنه يعكس تصاعد الدور الذي تؤديه دول الخليج في جهود احتواء التصعيد، وسعيها إلى التأثير في تطورات الحرب ومساراتها.

ولا تعني الخطوة الأميركية بالضرورة حدوث تحول إستراتيجي في سياسة واشنطن تجاه طهران، لكنها تكشف عن إدراك متزايد لدى العواصم الخليجية لمخاطر استمرار الحرب، واستعداد أكبر لتوظيف نفوذها السياسي للحيلولة دون امتداد تداعياتها إلى أراضيها أو الإضرار بمصالحها الحيوية.

وفي الوقت ذاته، أسهمت الاتصالات التي تقودها عُمان وباكستان في فتح مسار دبلوماسي موازٍ، إذ تتحرك مسقط في ملف مضيق هرمز وأمن الملاحة البحرية، بينما تعمل إسلام آباد على تسهيل قنوات الاتصال غير المباشر بين واشنطن وطهران.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأبرز حول مدى قدرة هذه التحركات على تجاوز هدف احتواء التصعيد، والانتقال إلى إطلاق مسار سياسي يقود إلى اتفاق ينهي الحرب، أم أن أقصى ما يمكن أن تفضي إليه هو تأجيل جولة جديدة من القتال؟

مصالح مشتركة

وذكر الكاتب التركي بأنّ التحرك السعودي والإماراتي والقطري لا يمكن تفسيره على أنه دعم لإيران؛ إذ تختلف طبيعة علاقات هذه الدول مع طهران، كما تختلف تصوراتها للتهديد الإيراني. 

إلا أن هناك مصلحة مشتركة تجمعها، وهي تجنب حرب أميركية–إسرائيلية وإيرانية طويلة وواسعة النطاق، وذلك لأنها ستكون من أكثر الأطراف تعرضاً لِتداعياتها.

ففي حال استمرار القتال، يمكن أن تصبح القواعد الأميركية الموجودة في الخليج، والمنشآت النفطية والموانئ والمدن الكبرى، أهدافاً محتملة للرد الإيراني. 

بالإضافة إلى ذلك، لن تقتصر المخاطر على الجانب العسكري فحسب، إذ يمثل مضيق هرمز نقطة ضعف إستراتيجية للاقتصاد الخليجي والاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر في صادرات النفط وأسعار الطاقة، فضلاً عن تهديد مشاريع التحول الاقتصادي التي تعمل دول الخليج على تنفيذها.

لهذا السبب، لا تريد دول الخليج أن تخرج إيران من الحرب أقوى من قبل، لكنها في الوقت ذاته لا تريد عملية عسكرية أميركية مفتوحة يصعب التحكم في مسارها ونتائجها. لذلك يمكن أن تبدو الضغوط الخليجية على ترامب كمحاولة لحماية المنطقة من اتساع رقعة الصراع، أكثر من كونها محاولة للدفاع عن طهران.

لفت الكاتب النظر أيضاً إلى أن الضغوط الخليجية على ترامب تتزامن مع توجه سعودي نحو الجمع بين الدبلوماسية والردع. حيث يشكل اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقعته تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب، مثالاً واضحاً على ذلك. 

وعلى الرغم من تأكيد الأطراف أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أي دولة أخرى، إلّا أنّ توقيته ومبدأ عد الهجوم على أحد الأطراف هجوماً على الجميع يعكسان رغبة الرياض في تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب.

وهكذا تتحرك السعودية في اتجاهين متوازيين؛ وهما الضغط دبلوماسياً لمنع التصعيد، وتعزيز قدراتها وشراكاتها الأمنية تحسباً لفشل المسار السياسي. 

إنّ هذا يعني أن دول الخليج لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة خارجية يمكن الاكتفاء بمراقبتها، وإنما بصفتها تهديداً مباشراً لِأمنها واقتصادها ومشاريعها المستقبلية.

نافذة دبلوماسية

وأردف الكاتب أنه في مقابل التحرك الخليجي، تبرز عُمان وباكستان بوصفهما عنصرين أساسيين في المسار الدبلوماسي. وقد كشفت الاتصالات المكثفة بين الرابع والثامن من أغسطس/آب عن توزيع واضح للأدوار بين البلدين.

حيث تمتلك عُمان خبرة طويلة في الوساطة، كما يمنحها موقعها الجغرافي على مضيق هرمز دوراً مهماً في ملف الملاحة. لذلك تتركز الاتصالات التي تقودها مسقط على كيفية ضمان حركة السفن ودخولها وخروجها بأمان، كل ذلك لتجنب تحول المضيق إلى نقطة اشتعال جديدة تهدد التجارة العالمية.

لكنّ طهران تنظر إلى المسألة من منظور أوسع. فهي تؤكد أن أي تفاهم حول الملاحة لا يعني إعادة فتح المضيق بصورة غير مشروطة، وتربط العودة إلى الوضع الطبيعي بإنهاء الهجمات الأميركية والحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. هذا يعني أنّ أزمة هرمز ليست مجرد قضية فنية تتعلق بالملاحة، وإنما هي جزء من الصراع السياسي والعسكري بين واشنطن وطهران.

أما باكستان، فَتؤدي دوراً مختلفاً؛ حيث تقوم بتسهيل الاتصال غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتهيئة الظروف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ثم الانتقال إلى مفاوضات سياسية أوسع. 

إنّ هذا التوزيع للأدوار الدبلوماسية يمنح فرصة مهمة لبناء مسار تفاوضي متعدد المستويات؛ والذي يبدأ بالقضايا الأكثر إلحاحاً، مثل الملاحة، ثم ينتقل إلى الملفات السياسية والأمنية الأكثر تعقيداً.

وأشار الكاتب إلى أن العقبة الأساسية تكمن في أن الخلافات بين واشنطن وطهران تتجاوز مضيق هرمز. فهناك البرنامج النووي الإيراني، والوجود العسكري الإيراني في المنطقة، والعقوبات والحصار، إضافة إلى مسألة التعويضات المرتبطة بالحرب. وهذه ملفات يصعب حلها من خلال اتفاق محدود حول الملاحة.

لذلك، قد يكون الاتفاق بشأن هرمز مهماً بصفته خطوة لبناء الثقة، لكنه لن يكون كافياً وحده لإنهاء الحرب. فالفرق كبير بين إدارة أحد مظاهر الأزمة ومعالجة الأسباب التي أدت إليها.

تسوية شاملة

ويرى الكاتب التركي بأنّه في ضوء المعطيات الحالية يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل المسار الدبلوماسي:

المسار الأول والأكثر ترجيحاً على المدى القصير يتمثل في التوصل إلى ترتيب محدود يسمح باستمرار حركة السفن عبر مضيق هرمز. وسيكون هذا التطور مهماً للأسواق العالمية؛ لأنه سيخفف المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة، ويقلل الضغط على تكاليف النقل والتأمين. 

كما يمكن أن يوفر فترة هدوء تسمح باستمرار الاتصالات بين الأطراف. لكنه لن يلغي قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط، ولن يعني نهاية الحرب.

أما السيناريو الأكثر تفاؤلاً، فيتمثل في تحول اتفاق هرمز إلى خطوة أولى لبناء الثقة. ويمكن للاتصالات التي تجري عبر باكستان أن تسهم في تمديد وقف إطلاق النار، وتخفيف الحصار الأميركي أو رفعه تدريجياً، وفتح مفاوضات حول الأصول الإيرانية المجمدة والبرنامج النووي. 

في هذه الحالة، يمكن لدول الخليج أن تستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي، وذلك من أجل تشجيع الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة.

لكن هناك سيناريو ثالث أكثر خطورة، وهو وقوع حادث عسكري جديد أثناء استمرار المفاوضات؛ مثل استهداف سفن تجارية أو قوات أميركية أو منشآت حيوية في الخليج. 

وإنّ مثل هذا التطور قد يعيد واشنطن إلى خيار الهجمات، ويدفع إيران إلى تشديد إجراءاتها في مضيق هرمز مرةً أخرى، وهو ما يعني انهيار المسار الدبلوماسي وعودة التصعيد إلى نقطة أكثر خطورة.

هنا تظهر قدرة الدول الخليجية. فقد تمكنت السعودية والإمارات وقطر من التأثير في قرار واشنطن وتأجيل الهجمات، لكنّ قدرتها على فرض تسوية شاملة محدودة.

فإنّ الخلاف الأميركي–الإيراني يرتبط بحسابات إستراتيجية تتجاوز مصالح دول الخليج، كما أن استمرار الهجمات الإسرائيلية في المنطقة يمثل عقبة إضافية أمام أي سلام مستدام.

ومع ذلك، فإن القناة التي فتحتها عُمان وباكستان تمنح المنطقة فرصة لا ينبغي إهدارها. فإذا نجحت مسقط في تثبيت تفاهم حول هرمز، وتمكنت إسلام آباد من الحفاظ على الاتصال بين واشنطن وطهران، قد يتحول وقف التصعيد المؤقت إلى مفاوضات أوسع. 

في هذه الحالة، يمكن أن يصبح الدور الخليجي جزءاً من عملية سياسية، تتجاوز مجرد حماية المنطقة من تداعيات الحرب.

أما إذا فشلت هذه الجهود، فإن قرار تأجيل الهجمات لن يكون سوى تأجيل للأزمة إلى موعد لاحق. وستجد دول الخليج نفسها أمام المعادلة ذاتها؛ محاولة إبعاد الحرب عن أراضيها، مع الاستعداد في الوقت نفسه لاحتمال عودتها.

وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون في قدرة الوسطاء على إيقاف الهجمات لأيام أو أسابيع، وإنما في قدرتهم على استخدام فترة التهدئة لبناء تسوية تدريجية تعالج القضايا الأساسية للصراع. 

فإما أن تتحول الضغوط الخليجية والوساطة العُمانية–الباكستانية إلى بداية لمسار سياسي جديد، أو تبقى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من الحرب.