البيضاء ومأرب والبحر الأحمر.. أين تبدأ المواجهة السعودية الجديدة مع الحوثيين؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تحدثت تقارير عن إعداد السعودية عملية عسكرية محتملة ضد الحوثيين، ما أحيا مخاوف من انجرار الرياض إلى حرب برية جديدة، لكن الأدلة المتوفرة تشير إلى أن التحركات السعودية تأتي في سياق التخطيط الاحترازي وإعادة انتشار للقوات.

وتناولت تقارير علنية تحركات لقوات سعودية في شرق اليمن، ونقاشات حول عملية محتملة في محافظة البيضاء الوسطى أو باتجاهها، وجهود لتجميع تحالف بحري متعدد الجنسيات، دون إعلان رسمي عن هجوم بري أو صدور قرار نهائي.

خيارات عسكرية

وجاءت هذه التكهنات عقب انهيار الهدوء الذي ساد الحدود السعودية-اليمنية، ففي 13 يوليو/تموز 2026، أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه جنوب السعودية بعد اتهام الرياض بقصف مطار صنعاء، لتنتهي هدنة استمرت نحو أربع سنوات.

وفي 20 يوليو، أعلن الحوثيون حصارا بحريا ضد السعودية، وادعوا بعد أيام تنفيذ هجمات على ناقلات نفط سعودية وبنى تحتية للطاقة.

وتتزايد حساسية هذا الضغط لأن البحر الأحمر بات أكثر أهمية لصادرات الطاقة السعودية، في ظل استمرار تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وتضع قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة قرب باب المندب السعودية تحت ضغط من طرفي شبه الجزيرة العربية. 

بدورها، ردّت الرياض بضربات جوية، وأنشأت تحالفا بحريا يضم 14 دولة، بينها مصر وباكستان والأردن والبحرين واليمن وتركيا.

غير أن أي حملة سعودية جديدة لن تشبه بالضرورة تدخل عام 2015.

وقال المستشار الأول في شركة "بلو ووتر ستراتيجي"، سيريل ويدرشوفن، لموقع "ذا ميديا لاين" الأميركي، إنه حتى 2 أغسطس/آب 2026 لم يظهر دليل قاطع على دخول قوات نظامية سعودية بأعداد كبيرة إلى مناطق الحوثي أو بدء غزو بري واسع.

وأشار إلى أن مؤشرات إعداد الرياض لخيارات عسكرية قد تشمل حملة برية محدودة، يرجّح أن تقودها قوات يمنية مناهضة للحوثي بدعم جوي واستخباراتي ولوجستي وقيادي سعودي.

ويكمن الفارق الجوهري بين غزو سعودي من جهة وهجوم تقوده قوات يمنية بدعم سعودي من جهة أخرى؛ حيث يرى محللون أن الرياض تُبدي رغبة محدودة في إرسال تشكيلات مدرعة كبيرة إلى عمق شمال اليمن.

فالجغرافيا وخطوط الإمداد الممتدة وخبرة الحوثيين في حرب العصابات، عوامل قد تعرّض القوات السعودية لخسائر كبيرة، لذا قد تعتمد أي عملية على وحدات موالية لمجلس القيادة الرئاسي اليمني المعترف به دوليا، لا سيما القوات المتمركزة حول مأرب وحضرموت والحدود.

على أن تسهم السعودية بالقوة الجوية والاستخبارات والمدفعية والهندسة والدفاع الجوي واللوجستيات والدعم القيادي.

تغيير الموازين

وأوضح ويدرشوفن أن أي تحرك "لن يشبه تدخل عام 2015، وأن الأرجح أن يكون هجوما يمنيا تُمكّنه السعودية، قد يحظى بدعم عدد صغير من الضباط السعوديين في أدوار القيادة والاستخبارات والمدفعية والدفاع الجوي والهندسة والقوات الخاصة".

وحول محور البيضاء، رأى ويدرشوفن أن حملة عبر المحور قد تحاول الضغط على الحوثيين، وربط المناطق المناهضة لهم في جنوب اليمن وشرقه بمداخل صنعاء.

ولفت إلى قيمتها الإستراتيجية لوقوعها في مركز مناطق يمنية رئيسة وقدرتها على تهديد خطوط اتصال الحوثيين، مستدركا أن تضاريسها الجبلية وتعقيدها القبلي تجعلها عملية صعبة تصب في مصلحة المدافعين.

ويتمثل سيناريو ثانٍ في ضغط متجدد من مأرب؛ إذ تواجه القوات الموالية للحكومة هناك مواقع دفاعية حوثية راسخة. 

أما السيناريو الثالث فقد يتركز على ساحل البحر الأحمر، من المخا والخوخة باتجاه الحديدة، لتقييد وصول الحوثيين إلى الموانئ ومواقع الصواريخ.

وبحسب تقدير ويدرشوفن، يُرجَّح أن يبقى الدور السعودي خارج التشكيلات البرية؛ إذ يتولى الأفراد السعوديون حماية الحدود، وتقديم دعم بالضربات الدقيقة والمدفعية، وتنفيذ عمليات محدودة للقوات الخاصة، والمساعدة في تأمين الموانئ والمطارات.

وتابع أن الطائرات المقاتلة والمسيّرات السعودية ستُستخدم لضرب مواقع الإطلاق ومستودعات التخزين ومراكز القيادة قبل أي تقدم بري وخلاله، فيما قد تشدد القوات البحرية عمليات التفتيش، وختم بالقول: إن ذلك “لن يُزيل الحوثيين ولن يهزمهم”.

وبذلك، يكون الهدف من أي عملية إجبار الحوثيين على تغيير سلوكهم دون احتلال أراضيهم، بما يقلص التهديد الذي ينال البنى التحتية السعودية والملاحة، ويدفع الحوثيين نحو التفاوض.

وقال ويدرشوفن: إن "هدف الرياض المتوقع هو تغيير موازين القوة العسكرية بما يكفي لإجبار الحوثيين على وقف هجماتهم على الأراضي السعودية والملاحة البحرية، دون السعي إلى احتلال كامل لمناطق سيطرتهم".

تشكيك يمني

في المقابل، أبدى الباحث الأول في مركز “صنعاء للدراسات الإستراتيجية”، عبد الغني الإرياني، تشككا أكبر إزاء حملة برية وشيكة وقدرة القوات الحكومية اليمنية على تنفيذها.

وقال الإرياني لـ"ذا ميديا لاين": إن "هناك كلاما كثيرا، لكنه غير مقنع بالنسبة لي. أعتقد أن القوات الحكومية غير مستعدة لتنفيذ هجوم".

وأردف: "يمكنها الدفاع عن نفسها ومواقعها بعد أن باتت أفضل تسليحا وقيادة، لكنني لا أعتقد أن لديها القدرة على عمل هجومي. رغم كل الشائعات، لا أظن أن حربا برية ستقع قريبا، وإن كان هذا قد يتغير خلال أسابيع".

وتبقى قدرة القوات المناهضة للحوثي عائقا مركزيا؛ إذ تضم تشكيلات ذات تسلسلات قيادية وقواعد جهوية ورعاة خارجيين مختلفين، وحتى مع دعم جوي سعودي سيكون توحيدها ضمن هيكل متماسك أمرا صعبا.

ورفض الإرياني احتمال قيادة القوات السعودية حملة برية كبرى، قائلا: "السعودية لن ترسل قواتها، فخطتها تقوم على دفع قوات الحكومة اليمنية لتنفيذ العمليات البرية بينما تقدم السعودية الدعم الجوي".

وتابع: "مزيج من العصا، أي غزو بري تنفذه قوات الحكومة بدعم من السعودية وباكستان ومصر، والجزرة، أي صفقة سياسية، سيسود في نهاية المطاف".

وتصف هذه الإشارة تقديره الشخصي؛ إذ اقتصرت التزامات القاهرة وإسلام آباد حتى الآن على مبادرة الأمن البحري دون نشر قوات برية.

ولم يعد التصعيد مقتصرا على اليمن؛ إذ نقلت وكالة "رويترز" عن تقديرات سعودية أن هجمات على منشآت طاقة سعودية أُطلقت من العراق بتنسيق بين عناصر حوثية وفصائل عراقية موالية لإيران. وتبنى الحوثيون الهجمات وأعلن العراق تحقيقه في الأمر.

ولاحقا، ضربت السعودية والولايات المتحدة مواقع للفصائل في العراق، ما وسّع نطاق المواجهة وزاد خطر انخراطها في الحرب بين واشنطن وطهران؛ إذ هدد الرئيس دونالد ترامب بتحميل إيران مسؤولية أي هجمات حوثية إضافية.

وتحمل أي حملة برية يمنية حدودها الخاصة بالنسبة لواشنطن؛ إذ يمكن للضربات الجوية إضعاف مواقع الإطلاق، لكنها لا تستطيع وحدها فرض سيطرة على الأرض أو حل النظام السياسي اليمني المجزأ.

ورأى الإرياني أن "الولايات المتحدة لا تملك خيارات عسكرية مقبولة، والانتخابات تقترب، لذا أتوقع أن يعود ترامب إلى مذكرة التفاهم".

واستطرد: “ستكون العواقب الإنسانية كبيرة، فاليمن يواجه أصلا انعداما حادا في الأمن الغذائي”. 

معاناة إنسانية

وفي مناطق الحكومة، توقّع التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن يعاني نحو 5.4 ملايين شخص جوعا بمستوى الأزمة أو أشد خلال موسم الجوع من يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول.

وقد يزيد أي تعطل جديد للموانئ والملاحة أسعار الغذاء والوقود في مناطق سيطرة الحكومة والحوثيين معا. 

وأوضح الإرياني أن "الحوثيين لا يمكنهم الصمود طويلا لأن سكانهم يعانون الجوع، والتدخل في الملاحة سيرفع أسعار الغذاء ويبدأ مجاعة في اليمن".

وقال الموقع: “صحيح أن الضغط البحري يمنح الحوثيين نفوذا على السعودية وأسواق الطاقة، لكنه قد يعمّق الضائقة بين سكانهم، وقد يقلل العمل العسكري الضغط عن الرياض، لكنه يحمل خطر إحياء حرب أثبتت كلفتها واستعصاءها على حل عسكري”.

وتدعم الأدلة المتاحة استنتاجا حذرا مفاده أن السعودية تُعد خيارات، وتعزز دفاعاتها البحرية، وتقيّم كيفية تفعيل القوات اليمنية ضد الحوثيين.

وبات هجوم محدود تُمكّنه السعودية حول البيضاء أو مأرب أو ساحل البحر الأحمر أقرب إلى الاحتمال، في حين يبقى غزو بري سعودي واسع أقل ترجيحا.

وختم الموقع: “تظل الأسئلة الحاسمة قائمة: هل تستطيع القوات الحكومية اليمنية مواصلة هجوم؟ وهل يعوّض الدعم الجوي واللوجستي السعودي تشرذمها؟ وهل يفضي الضغط الميداني إلى تسوية سياسية قبل أن تتحول حملة محدودة إلى حرب إقليمية مطولة؟”