من المطالبة التاريخية إلى الصواريخ.. لماذا تبقى البحرين أولوية لإيران؟

"الهجمات الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز يهددان بقاء النظام الملكي نفسه"
منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/ شباط 2026، تعرضت دول الخليج العربي لسلسلة من الضربات الإيرانية المتكررة.
هذه الضربات "بررتها طهران باستهداف القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، لكنها تبنت، في الوقت ذاته، سياسة أكثر تشددا تجاه بعض الدول الخليجية، بحسب "معهد تحليل العلاقات الدولية" الإيطالي.
وفي هذا السياق، تناول التقرير حالة البحرين بوصفها نموذجا مختلفا عن بقية الأنظمة الخليجية، في ضوء الروابط التاريخية والثقافية التي تجمعها بإيران، مستعرضا تركيبتها السكانية وتاريخ النفوذ الإيراني فيها، وصولا إلى ما يصفه المعهد بمرحلة بات فيها النظام الملكي يواجه "تهديدا وجوديا".
توسيع النفوذ
وأوضح المعهد أنه "لطالما نظرت إيران إلى البحرين بصفتها جزءا من أراضيها، غير أن السيطرة الفارسية الفعلية على الجزر لم تبدأ إلا عام 1753، بعدما انتزعتها من قبيلة الهولة العربية، قبل أن تستعيدها عام 1783 قبائل بني عتبة التي خرجت منها أسرة آل خليفة الحاكمة حتى اليوم".
وتابع: "جاءت عودة الأرخبيل إلى السيطرة العربية بالتزامن مع تنامي النفوذ البريطاني في الخليج؛ إذ فرضت بريطانيا نظام الحماية على البحرين وعدد من الإمارات الخليجية الأخرى".
وأردف: "ومع سقوط الدولة القاجارية وصعود رضا بهلوي إلى الحكم، عادت إيران لإظهار اهتمامها بالبحرين، إلا أن طموحاتها اصطدمت بالنفوذ البريطاني الذي كان لا يزال يفرض هيمنته على المنطقة".
وبحسب التقرير، "بلغ التصعيد ذروته عام 1957، عندما أعلنت طهران ضم البحرين رسميا بصفتها المحافظة الرابعة عشرة لإيران، ما أثار غضب بريطانيا والدول العربية الخليجية".
وفي أعقاب الانسحاب البريطاني من الخليج، دعمت لندن مشروع إقامة اتحاد بين الإمارات الخليجية، وهو ما قوبل برفض شديد من القيادة الإيرانية آنذاك.
ونقل التقرير عن وزير الخارجية الإيراني في ذلك الوقت، أردشير زاهدي، قوله: إن "إنشاء ما يسمى باتحاد إمارات الخليج الفارسي، الذي يضم جزر البحرين، أمر غير مقبول إطلاقا بالنسبة لطهران".
وأشار المعهد إلى أن "الخلاف بقي في الإطار الدبلوماسي، إذ حاول شاه إيران عرقلة الاعتراف باستقلال البحرين، وطالب بإجراء استفتاء شعبي في الأرخبيل لمعرفة رغبة السكان، وهو ما رفضه أمير البحرين خشية التأثير الإيراني على نتائجه".
واستطرد: "وانتهت الأزمة بإيفاد الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثا خاصا للتحقق من إرادة السكان، ليخلص تقريره إلى أن غالبية البحرينيين تؤيد إقامة دولة عربية مستقلة".
وعلى إثر ذلك، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 278 في 11 مايو/ أيار 1970، والذي أقر رسميا حق شعب البحرين في تقرير مصيره وتأسيس دولته المستقلة وذات السيادة.
ولفت التقرير إلى أنه "رغم أن إيران كانت أول دولة تعترف باستقلال البحرين، فإن التوتر بين الجانبين لم ينقطع؛ إذ عارض شاه إيران، على الأقل على المستوى السياسي، الوجود الدائم للأسطول الخامس الأميركي في البحرين الذي تأسس بموجب اتفاق الجفير عام 1971".
واتفاق الجفير هو اتفاق عسكري وقعته حكومة البحرين مع الولايات المتحدة إثر استقلال البلاد والانسحاب البريطاني، لنقل إدارة القاعدة البحرية في الجفير للجانب الأميركي وتثبيت الوجود العسكري البحري الأميركي في المنطقة.
إثارة الانقسامات
وأشار المعهد إلى أن "العلاقات اكتسبت بعدا أكثر توترا عقب الثورة الإسلامية عام 1979، التي أثارت مخاوف الأسرة الحاكمة في البحرين، وأعادت الأمل لدى قطاع من الطائفة الشيعية في البلاد، الذي رأى في طهران حليفا جديدا".
ووفقا للتقرير، "سارعت إيران إلى توسيع نفوذها في البحرين، عبر انتقاد ما وصفته بقمع المواطنين الشيعة، كما عادت للحديث عن ضرورة ضم البحرين".
وفي عام 1981، أعلنت حكومة المنامة إحباط محاولة انقلاب نفذتها "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين"، واتهمت الحرس الثوري الإيراني بتقديم الدعم والتدريب للمشاركين فيها.
ورغم نفي إيران المتكرر أي ضلوع لها، ذكر المعهد أن "فيلق القدس التابع للحرس الثوري يواجه اتهامات بدعم عدد من الجماعات الشيعية المسلحة في البحرين، من بينها (سرايا المختار)".
وواصل المعهد حديثه: "ومع اندلاع احتجاجات الربيع العربي عام 2011، انفجرت حالة الغضب والإحباط داخل أوساط الشيعة في البحرين في شكل احتجاجات واسعة وأعمال عنف، قمعتها القوات البحرينية بمساندة الجيش السعودي الذي دخل البلاد عبر جسر الملك فهد".
"وهي خطوة انتقدتها إيران بشدة سعيا منها لتغيير النظام"، وفق قوله.
وتابع: "ومنذ عام 2011، شهدت العلاقات بين طهران والمنامة سلسلة من الأزمات الدبلوماسية، كان أبرزها إعلان البحرين اكتشاف مخزن للمتفجرات على أراضيها، مع اتهام الحرس الثوري بالمسؤولية عنه".
ناهيك عن "أعمال الشغب التي استهدفت السفارة السعودية احتجاجا على إعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، والتي على إثرها قطعت البحرين رحلات الطيران كافة مع إيران".
وأردف: "وفي عام 2016، سحبت البحرين الجنسية من زعيم جمعية (الوفاق) عيسى قاسم، متهمة إياه بإثارة الانقسامات الداخلية والعمل بما يخدم مصالح الحرس الثوري الإيراني".
وفي عام 2020 وقعت البحرين على "اتفاقيات أبراهام" مع إسرائيل، وهو ما أدخلها، بحسب وصفه، في "دائرة النفوذ الإسرائيلي، وشكّل استفزازا كبيرا لإيران".
انقسام عميق
ويبلغ عدد سكان الأرخبيل الصغير المكون من 33 جزيرة، والتي تتصل جزيرته الرئيسة بالسعودية عبر جسر الملك فهد، نحو 1.5 مليون نسمة، لا يشكل مواطنو الإمارة سوى نحو نصفهم تقريبا، بينما يتألف الباقون من العمال الأجانب.
وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن "الإحصاءات الرسمية لا تميز بين السنة والشيعة؛ إذ تدرجهما ضمن فئة واحدة هي (المسلمون)".
وبحسب تحليله، فإن ذلك "يعكس الانقسام الطائفي الداخلي العميق؛ إذ يمثل الشيعة نحو 60 بالمئة من السكان، وتُنظر ولاءاتهم الروحية والسياسية لإيران بصفتها تهديدا من قِبل أسرة آل خليفة السنية الحاكمة في المنامة".
وأضاف التقرير أن "البحرين، على غرار بقية الملكيات الخليجية، تتمتع بجملة من الخصائص التي وفرت لها قدرا من الاستقرار على مدى العقود الماضية، ويأتي في مقدمتها كونها (دولة ريعية)، تعتمد إيراداتها على عوائد النفط والقطاع المالي، وليس على الضرائب المفروضة على المواطنين".
وأوضح أنه "وفقا لهذا النموذج، يحظى الحكم المطلق بقبول شعبي مقابل توفير مستوى معيشي مرتفع، وخدمات عامة فعالة، وفرص جيدة للتعليم والعمل، في حين يتخلى المواطنون عن المطالبة بالمشاركة السياسية أو تقاسم السلطة".
فضلا عن ذلك، "أُبقي على حجم القوات المسلحة البحرينية وقدراتها في حدود ضيقة؛ تجنبا لتكرار الانقلابات العسكرية التي أطاحت بالأنظمة الملكية في مصر والعراق وليبيا".
وبحسب المعهد، "جرى تعويض هذا الضعف عبر الوجود العسكري الأميركي، المتمثل في قاعدة الأسطول الخامس ونظام البترودولار".
وتابع: "إذ وفر هذا الوجود دعما للأجهزة الأمنية مكّن الأسرة الحاكمة من احتواء أي محاولات لإحداث تغيير في النظام".
وهو ما يعتقد المعهد أنه "وضع البحرين ضمن دائرة النفوذ الأميركي، وبالتالي ضمن إستراتيجية احتواء إيران".

توتر متزايد
وشدّد المعهد الإيطالي أن "السياق التاريخي والثقافي والجيوسياسي سالف الذكر يُعد حاسما لفهم تداعيات الهجمات الإيرانية ومستقبل الإمارة الصغيرة".
وأردف: "فمنذ الأيام الأولى للحرب، كانت البحرين من أكثر الدول تعرضا للهجمات، كما انتشرت مقاطع مصورة لمواطنين وهم يعبرون عن فرحتهم بوصول الصواريخ الإيرانية إلى أهداف أميركية داخل البلاد".
في المقابل، ذكر المعهد أن "السلطات البحرينية سارعت إلى تشديد حملتها الأمنية؛ إذ اعتقلت خلال الأشهر الأربعة الماضية أكثر من 400 ناشط شيعي، وسحبت الجنسية من عدد منهم، بتهمة التجسس لصالح الحرس الثوري".
كما أشار إلى أن "مقتل الناشط الشيعي سيد محمد الموسوي، بعد تعرضه للتعذيب على أيدي السلطات البحرينية، يمثل مؤشرا آخر على تصاعد القمع في البلاد".
واستدل على ذلك بـ"الهجوم الذي نفذته جماعة (المقاومة البحرينية) في السادس من يونيو/ حزيران 2026، وأضرمت خلاله النار في مركز للشرطة في المنامة عقب اعتقال عدد من المواطنين الشيعة"؛ إذ عدّه "يعكس ارتفاع مستوى التوتر داخل البلاد".
ورأى أن "هذا التوتر ينعكس داخليا في حملات الاعتقال وأعمال العنف، وخارجيا في ارتباك السياسة الخارجية البحرينية، إلى حد المطالبة بعقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي لتشكيل تحالف يتولى مواجهة إيران في مضيق هرمز".
وذهب المعهد إلى أبعد من ذلك مقدرا أن "الهجمات الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز يهددان بقاء النظام الملكي نفسه"؛ إذ بات عاجزا، بحسب التقرير، عن "توفير الأمن للمواطنين الذين اضطروا، للمرة الأولى، إلى الاحتماء داخل منازلهم مع انطلاق صفارات الإنذار".
فضلا عن "تعرض الاقتصاد لضغوط قد تحول دون الحفاظ على مستوى المعيشة الذي يمثل أحد أسس شرعية الحكم".
ووفق اعتقاده، فإن "غياب خطاب قومي قوي يعوض هذه الخسائر المادية يجعل التحركات الإيرانية تستهدف تقويض ركائز الدولة البحرينية تمهيدا لتوسيع نفوذ طهران فيها".
مرحلة أزمة
انطلاقا مما سبق عرضه، خلص التقرير إلى أن "المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية في البحرين دخلت مرحلة أزمة".
وأشار إلى أن "الوجود الأميركي تحول من عنصر حماية إلى مصدر تهديد خلال الحرب؛ إذ أصبحت القواعد الأميركية أهدافا مشروعة للهجمات الإيرانية، ما أدى إلى تحليق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية فوق الأراضي البحرينية".
وبحسب رأيه، فإن "اعتماد المنامة الكامل على الولايات المتحدة تلقى ضربة قوية بعدما كشفت الحرب، أن البحرين ليست سوى منصة تستخدمها واشنطن لشن عملياتها العسكرية، في حين لا تحظى حمايتها بالأولوية".
وأضاف أن "وجود الأسطول الأميركي هو ما جعل البحرين هدفا رئيسا للردود الإيرانية، لا سيما بعد انتقال الصراع إلى مضيق هرمز، حيث أصبح استهداف الأصول البحرية الأميركية ضرورة عسكرية بالنسبة لطهران".
ومن وجهة نظره، فإن "الواقع الجديد في الخليج يفرض على البحرين القبول بالشروط الإيرانية إذا أرادت الحفاظ على تجارتها الخارجية وضمان الإيرادات اللازمة لبقائها".
واستطرد: "اعتمدت المنامة التي تمتلك أقل احتياطيات نفطية بين الملكيات الخليجية، بصورة متزايدة على القطاع المالي، إلا أن انهيار صورة الاستقرار والأمن من شأنه أن يوجه ضربة لهذا القطاع أيضا".
واختتم التقرير حديثه مؤكدا على أنه "رغم عدم ظهور مؤشرات على ذلك حتى الآن، فإن تبني سياسة خارجية جديدة أصبح ضرورة لبقاء البحرين، إلى جانب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد تراجع أسس العقد غير المعلن الذي حكم هذه العلاقة لعقود".
في موازاة ذلك، لفت المعهد إلى أن "مستقبل الوجود الأميركي في الخليج وقدرته على فرض أجندته سيبقيان عاملين حاسمين".
وحذّر من أنه "في حال تراجع هذا الدور، فقد تتجه البحرين، تحت ضغط الاضطرابات الداخلية والتهديد الإيراني، إلى تبني سياسة أكثر حيادا تجاه إيران، بهدف التكيف مع النظام الإقليمي الجديد الذي تسعى طهران إلى بنائه في الخليج عبر (هيئة مضيق الخليج الفارسي)".

















