جهاز "مستقبل مصر".. هل يعيد رسم خريطة اقتصاد السيسي؟

"تتمثل نقطة التحول الأساسية في انتقال الجهاز من ولاية قطاعية محددة إلى القدرة على إدارة الأصول"
تأسس جهاز "مستقبل مصر" عام 2017 بوصفه مشروعاً لاستصلاح الأراضي الزراعية، قبل أن يشهد تحولاً جوهرياً بموجب القرار الرئاسي رقم 591 لسنة 2022، الذي منحه صفة جهاز اقتصادي ووسّع نطاق أنشطته ليتجاوز القطاع الزراعي.
وفي عام 2024، تولى الجهاز مهام استيراد القمح والسلع الأساسية الأخرى، وهي المهام التي كانت تضطلع بها سابقاً الهيئة العامة للسلع التموينية. ثم أسندت إليه الرئاسة المصرية في عام 2025 هدف استصلاح أربعة ملايين ونصف المليون فدان، ما أدى إلى دمجه ضمن سلسلة توريد متكاملة تشمل الصوامع والتبريد والأعلاف والنقل والكهرباء والبناء والتصنيع الزراعي.
وبحسب معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي "IARI"، فإن التعديلات التي أُدخلت في يوليو/تموز 2026 على القانون المنظم لعمل الجهاز وطبيعته نقلته من مجرد مشروع إلى "نظام بيئي اقتصادي متكامل".
ومن أبرز التعديلات الواردة في قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة منحه شخصية اعتبارية مستقلة، إلى جانب الاستقلال المالي والفني والإداري، وتوسيع اختصاصاته بما يسمح له بإنشاء المناطق التابعة له وإدارتها، وتأسيس الشركات والصناديق الاستثمارية، فضلاً عن نقل أصول الدولة إليه أو إلى الكيانات التابعة له، وفقاً لقرارات الجهات المختصة.
كما أتاحت التعديلات إنشاء صندوق "نايل بيراميدز" ليكون ذراعاً استثمارية للجهاز داخل مصر وخارجها، مع منحه صلاحيات لإدارة الأصول والدخول في شراكات مع المستثمرين والصناديق السيادية.
ويرى المعهد أن دور الجهاز، وفقاً لهذا التشكيل، "لا يقتصر على الإنتاج أو الشراء، بل يمتد إلى التنظيم والاستثمار وتخصيص الموارد ومنح الامتيازات وإعادة توزيعها".
وعدّ المعهد ذلك "تحولاً نوعياً"، إذ أصبح الجهاز حلقة وصل بين الرئاسة والأصول المملوكة للدولة والأسواق الدولية ورؤوس الأموال السيادية الأجنبية.
وبعبارة أخرى، "تتمثل نقطة التحول الأساسية في انتقال الجهاز من ولاية قطاعية محددة إلى القدرة على إدارة الأصول".

مأسسة التناقض
ويعتقد التقرير أن "إصلاح جهاز مستقبل مصر يأتي في وقت يتعين فيه على القاهرة حل معادلة تبدو متناقضة".
وتابع موضحا: "فمن جهة، تسعى مصر إلى امتلاك أدوات تتيح لها التدخل السريع في ملفات الأمن الغذائي والاحتياطيات الإستراتيجية والبنية التحتية وإدارة الأراضي وسلاسل الإمداد، في ظل بيئة إقليمية تتسم بالحروب واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وتقلبات أسعار العملات".
"ومن جهة أخرى، يطالب البرنامج المدعوم من صندوق النقد الدولي بتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتسريع برنامج التخارج، وتهيئة بيئة أكثر حيادا للمنافسة بين الشركات العامة والعسكرية والخاصة".
وبحسب رأيه، "لا يلغي مشروع القانون هذا التناقض، بل يكرسه مؤسسيا ويحاول إدارته عبر جهاز يتمتع باستقلالية استثنائية، لكنه يقدم رسميا بصفته منصة مدنية قابلة للاستثمار ومنفتحة على الشراكات".
وتطرق المعهد إلى التعديلات التي أُدخلت على قانون جهاز مستقبل مصر، موضحا أن مجلس النواب أقر مشروع القانون بعد إدخال تعديلات عليه وإضافة خمس مواد جديدة، كان أبرزها إخضاع إنشاء مناطق التنمية المستدامة لموافقة المجلس.
وعقّب التقرير: "يفرض هذا التسلسل التمييز بين ثلاثة مستويات تشريعية مختلفة، يتمثل الأول في مرسوم عام 2022 الذي يحدد الإطار القانوني للجهاز بصيغته الحالية".
وأردف: "أما الثاني فهو مشروع القانون الحكومي، الذي يمنح الرئاسة صلاحية نقل الأصول والحصص المملوكة للدولة إلى الجهاز، وإنشاء مناطق تتمتع بصلاحيات تنظيمية واسعة وحوافز خاصة".
وأضاف: "ويتمثل المستوى الثالث في النص المعدل داخل البرلمان الذي أضاف رقابة برلمانية على بعض الإجراءات".
ومن وجهة نظره، فإن "الامتداد الجغرافي لأنشطة جهاز مستقبل مصر يفسر اكتساب إعادة هيكلته أبعادا جيوسياسية".
وتابع: "فتكليف الجهاز باستصلاح 4.5 ملايين فدان يضع تحت إشرافه مساحة تعادل نحو نصف الأراضي المزروعة حاليا في مصر".
وتشمل المناطق المعلن عنها الصحراء الغربية وشبه جزيرة سيناء ومناطق قريبة من الحدود مع السودان وليبيا.
علاوة على ذلك، "يمتد نشاط الجهاز إلى إدارة أو الإشراف على البحيرات والأنشطة السمكية، إضافة إلى وجوده في الوادي الجديد وشرق العوينات، فضلا عن شبكة الصوامع ومنشآت التصنيع المرتبطة بمحور الشيخ زايد".
ووفقا للتقرير، "لا تمثل الأرض هنا مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، بل منظومة متكاملة تشمل المياه والطاقة وشبكات الطرق وأمن الحدود والامتيازات والقدرات اللوجستية".
وذكر أن "المواقع الجغرافية التي يعمل فيها الجهاز تفرض تحديات مختلفة، ففي الصحراء الغربية، تتوقف الجدوى الاقتصادية للمشروعات على وفرة المياه وتكاليف ضخها، بينما تكتسب المشروعات في سيناء بعدا إضافيا يرتبط بدمج الإقليم وتعزيز الأمن".
وأردف: "وفي الجنوب، تقع شرق العوينات والمناطق المتاخمة للسودان ضمن نطاق يتأثر بتداعيات الحرب السودانية وضغوط الهجرة، فيما تؤدي الموانئ في منطقة الدلتا دورا في ربط الإنتاج المحلي بواردات القمح والزيوت والبروتينات الحيوانية، بالتوازي مع انتشار أنشطة الجهاز على السواحل".
"وبالتالي، يمكن النظر للجهاز كأداة تدمج الجغرافيا الداخلية للإنتاج والجغرافيا الخارجية للإمداد في سلسلة واحدة"، بحسب تعبيره.
منظم ومالك ومشغل
ولا يقتصر مشروع القانون الحكومي على إعادة تنظيم اختصاصات الجهاز، بل يؤسس، بحسب التقرير، "إطارا قانونيا أوسع ينظم آليات عمله وصلاحياته".
وتابع: "فبعد التشاور مع مجلس الوزراء، يحق للرئيس نقل الأموال والأصول الخاصة المملوكة للدولة والحصص في الشركات وحقوق إدارة الممتلكات العامة أو الخاصة المملوكة للدولة إلى الجهاز".
كما تعتمد مناطق التنمية المستدامة نظاما موحدا ينظم الملكية والتراخيص والتسجيل والرسوم والحوافز.
بالإضافة إلى ذلك، "يتولى صندوق "نايل بيراميدز" السيادي استثمار الأصول المخصصة داخل مصر وخارجها، مع إمكانية التعاون مع صناديق الثروة السيادية الأجنبية، بينما يوجه صندوق خدمي الأرباح إلى قطاعات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية".
وعقّب المعهد: "بهذه الآلية، تكتسب العوائد الاقتصادية مسارا اجتماعيا منظما، في حين تحتفظ الرئاسة بسلطة توجيه هذه المنظومة".
وبحسب رأيه، فإن "هذا النموذج يشبه منصة تنموية متكاملة أكثر من كونه جهازا اقتصاديا تقليديا".
وأضاف أن "ميزته النظرية تتمثل في خفض تكاليف التنسيق؛ إذ تستطيع جهة واحدة تخصيص الأراضي، وإصدار التراخيص، وإنشاء البنية التحتية، وجذب شريك أجنبي، وتحقيق الأرباح، ثم تخصيص جزء منها للإنفاق الاجتماعي".
واستدرك: "لكن في المقابل، يكمن الخطر في جمع أدوار المنظم والمالك والمشغل الاقتصادي داخل كيان واحد".
لافتا إلى أنه "عندما تتولى الجهة نفسها وضع قواعد الدخول إلى السوق والمنافسة فيه، تصبح حيادية المنافسة مرهونة بجودة الرقابة، وشفافية نشر البيانات المالية، وإتاحة المنافسة على القرارات الاقتصادية".
وعلى نحو أكثر تفصيلا، ينظر المعهد لدخول جهاز مستقبل مصر إلى سوق استيراد القمح بوصفه "نقطة التحول التي نقلته من مجرد جهة إنتاجية إلى أحد أدوات الأمن القومي، فمصر تعد من أكبر مستوردي القمح في العالم، ويشكل توفير الخبز المدعم أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي".
وفي عام 2025، أعلنت الرئاسة المصرية التعاقد على استيراد 3.4 ملايين طن من القمح، إلى جانب الزيوت النباتية والدواجن واللحوم.
وأشار التقرير إلى أن "الجهاز الذي حل محل الهيئة العامة للسلع التموينية في هذا الملف، واجه في البداية صعوبات تشغيلية واعتمد على وسطاء، لكنه شرع في بناء مراكز شراء آجلة لضمان استمرار الإمدادات".
وبحسب تقديره، فإن "إسناد واحدة من أكبر عمليات شراء القمح في العالم إلى جهاز يتبع الرئاسة ينطوي على مزايا محتملة ومخاطر في الوقت نفسه".
وتابع: "فمن ناحية، يمكن أن يسهم الجهاز في دمج عمليات الاستيراد والتخزين والإنتاج المحلي والتوزيع ضمن منظومة واحدة، كما يتيح التفاوض على عقود أكبر واستخدام الأصول كضمانات أو أدوات تفاوض".
"ومن ناحية أخرى، يقلص هذا التوجه من تعددية المؤسسات، ويجعل الشفافية في العقود وإدارة مخاطر الأسعار والفصل بين الأهداف التجارية والسياسية أكثر أهمية". وفق رأيه.
علاوة على ذلك، نوه التقرير إلى أنه "في حال وقوع اضطرابات في منطقة البحر الأسود أو البحر الأحمر أو في سوق الصرف، قد يصبح جهاز مستقبل مصر الجهة الرئيسة التي تتحمل مخاطر الأمن الغذائي على المستوى الوطني".
ومن منظور تحليلي أوسع، يرى المعهد أن "إنشاء صندوق "نايل بيراميدز" يضيف بعدا جيوسياسيا جديدا في هيكل الاقتصاد المصري".
وعزا ذلك قائلا: "فالصندوق الجديد سيحصل على صلاحية الاستثمار في أصول محددة داخل مصر وخارجها، والتعاون مع الصناديق السيادية الأجنبية، والحفاظ على الثروة لصالح الأجيال المقبلة".
في هذا السياق، لفت إلى أن مصر "تمتلك بالفعل صندوق مصر السيادي الذي أُنشئ لتعظيم قيمة الأصول العامة وجذب المستثمرين، ما يعني أن المشروع الجديد قد يفضي إما إلى تكامل في الأدوار أو إلى تداخل في الاختصاصات".
ووفقا له، "يزداد هذا الاحتمال مع منح جهاز مستقبل مصر صلاحية الاستحواذ على صناديق سيادية أو اقتصادية أو استثمارية مملوكة بالكامل للدولة، وهو ما يجعل مسألة الفصل المؤسسي بين الكيانات المختلفة أكثر أهمية".
"وبالنسبة لشركاء الخليج، فإن وجود كيان يعمل تحت إشراف رئاسي مباشر قد يختصر مدة المفاوضات ويوفر حزمة متكاملة تشمل الأراضي والبنية التحتية والحوافز وآليات الحوكمة ضمن إطار تفاوضي واحد". قال المعهد.
وأضاف: "وبعد صفقات مثل رأس الحكمة والاستثمارات العقارية الجديدة على الساحل، أثبتت القاهرة أنها توظف تسييل الأصول لإعادة بناء احتياطياتها من النقد الأجنبي وتحقيق الاستقرار في سعر الصرف".
ومن ثم، خلص التقرير إلى أن "إنشاء صندوق مرتبط بجهاز مستقبل مصر قد يحول هذا النهج من إجراء ظرفي إلى أداة دائمة للدبلوماسية الاقتصادية".
ومع ذلك، ينوه المعهد إلى أن "هذا الاستنتاج يبقى في إطار التقدير التحليلي؛ إذ لا توجد حتى الآن أي اتفاقات مؤكدة تخص صندوق "نايل بيراميدز"، رغم أن بنيته القانونية تنسجم مع نموذج يتيح مفاوضات أسرع وأكثر تماسكا بين الدولة والصناديق السيادية".

احتكار مؤسسي
وحول نظرة المؤسسات الدولية للتعديلات الجديدة على الجهاز، قال المعهد: "يرى صندوق النقد الدولي أن تقليص دور الدولة وتحقيق تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين يمثلان شرطين أساسيين لنمو يقوده القطاع الخاص".
وأردف: "في تقريره الصادر في فبراير/ شباط 2026، أشار الصندوق إلى أن برنامج التخارج من الأصول الحكومية يسير بوتيرة أبطأ من المتوقع، وأن حضور المؤسسة العسكرية في الأنشطة الاقتصادية لا يزال قائما".
مع ذلك، ذكر المعهد أن "تقرير البنك سجل إزالة بعض الإعفاءات الضريبية للشركات المملوكة للدولة، إلى جانب خطة تضم إحدى عشرة صفقة جديدة، وخمس شركات عسكرية، وسبع شركات في برنامج الطرح في البورصة".
واستطرد: "وبحلول نهاية يونيو/ حزيران 2026، توصل الصندوق إلى اتفاق على مستوى الخبراء من شأنه، حال إقراره من مجلسه التنفيذي، أن يرفع إجمالي التمويلات المصروفة ضمن برامجه إلى نحو 7.2 مليارات دولار".
وعلق المعهد: "يبدو قانون جهاز مستقبل مصر وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس، لكن ذلك لا يصح إلا إذا افترضنا أن أي تركيز للملكية أو الإدارة العامة يعني تلقائيا توسعا في دور الدولة".
وتابع: "أما الرواية الرسمية فتؤكد أن الجهاز يفترض أن يكون منصة لجذب رأس المال الخاص، من خلال طرح حصص في البورصة، وإقامة شراكات دولية، وإنشاء مناطق قادرة على استقطاب الاستثمارات".
وبالتالي، فإن "معيار النجاح لا يتمثل في حجم الجهاز، بل في طبيعة السوق التي سينشئها". قال التقرير.
وأوضح مقصده: "فإذا جرى نقل الأصول وفق تقييمات شفافة، ومناقصات مفتوحة، وإتاحة متكافئة للمستثمرين، مع نشر حسابات مالية موحدة، فقد يصبح الجهاز أداة لتسريع الخصخصة التشغيلية".
"أما إذا اقترنت الإعفاءات والصلاحيات التنظيمية بمنح مزايا خاصة للجهاز وشركائه المختارين، فقد تتحول إلى أداة لإقصاء المنافسة وترسيخ الاحتكار المؤسسي". بحسب تعبيره.
في هذا الصدد، أشار المعهد إلى أن "أكثر بنود مشروع القانون حساسية تتعلق بإعفاء الجهاز من الخضوع لقوانين الهيئات العامة، والخدمة المدنية، والمشتريات الحكومية، وسقف الأجور، إضافة إلى منحه مزايا ضريبية وجمركية".
ويبرر المعهد هذه الاستثناءات بالقول: "إن كيانا يتولى مشروعات معقدة ويبرم عقودا دولية يحتاج إلى مرونة إدارية، ورواتب تنافسية، وسرعة في اتخاذ القرار".
واستدرك: "غير أن هذه الإعفاءات تنقل مركز الثقل في الحوكمة من القواعد العامة إلى الآليات الداخلية للجهاز، ما يجعل وجود مراجعات مستقلة، وتقارير مالية موحدة، وإجراءات شفافة لاختيار الشركاء وتقييم الأصول أمرا لا غنى عنه".
ويرى المعهد أن "الازدواجية نفسها تنطبق على ملف المنازعات القانونية، فحصر قدرة الأطراف الأخرى على الطعن في العقود وعمليات التخارج قد يقلل من حالة عدم اليقين القانوني، ويحمي الصفقات الإستراتيجية من الطعون الكيدية، لكنه في المقابل يحد أيضا من إمكانية الاعتراض على العمليات التي تمس الأصول العامة".
وأردف: "بحسب نص القانون، لن يسمح للغير بالطعن إلا إذا صدر حكم جنائي نهائي في جرائم تتعلق بالمال العام، وهو شرط لا يتحقق إلا في مرحلة متأخرة".
واستطرد: "ويعكس تعديل الأحكام الخاصة بإنشاء وإدارة مناطق التنمية المستدامة حرص البرلمان على فرض رقابة مسبقة على هذا الجانب، بينما لا تشمل هذه الرقابة عمليات نقل الأصول أو الصناديق أو العقود".
تبعية للخارج
من منظور إقليمي، يعتقد المعهد أن "مصر لا تبني هذا الهيكل المؤسسي بمعزل عن محيطها الإقليمي؛ فقد كشفت الاضطرابات التي شهدتها قناة السويس، والحرب في السودان، والتوترات الإسرائيلية الإيرانية، وتقلبات أسواق الطاقة، مدى هشاشة اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد الأجنبي، وواردات الغذاء، واستثمارات المحافظ المالية".
ورغم ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى 53.134 مليار دولار في مايو/ أيار 2026، واصل صندوق النقد الدولي التشديد على ضرورة مرونة سعر الصرف والاستمرار في بيع الأصول الحكومية.
وفي هذا السياق، يعتقد التقرير أن جهاز مستقبل مصر "يمثل أداة لتعزيز المرونة الإدارية عبر توحيد إدارة الملفات المرتبطة بإنتاج الغذاء، واستيراد السلع الأساسية، وإدارة الأراضي، وجذب الاستثمارات".
وعليه، يقدر أن "هذا النموذج قد يعزز قدرة مصر على التفاوض مع الخارج، مع الإشارة إلى أنه قد يخلق في الوقت نفسه أنماطا جديدة من الاعتماد على الشركاء الخارجيين".
وتابع: "فالمستثمر الذي يساهم في تمويل إحدى المناطق أو ينضم إلى صندوق استثماري، قد يضمن لنفسه موطئ قدم في أراض وبنية تحتية وسلاسل إنتاج ذات أهمية إستراتيجية".
"كما أن وضع الجهاز تحت إشراف رئاسي مباشر يقلل من مخاطر التعقيد البيروقراطي بالنسبة للمستثمر، لكنه يركز في المقابل المخاطر السياسية في مستوى واحد"، وفق تقيمه.
ومن هنا، خلص إلى أن "جاذبية النموذج بالنسبة للاتحاد الأوروبي والصناديق السيادية الخليجية ستعتمد على قدرة مصر على ضمان استقرار الحقوق، وإمكانية تحويل العملات، وحرية تحويل الأرباح إلى الخارج، والالتزام بقواعد المنافسة".
واسترسل: "وبالنسبة للقاهرة، يكمن التحدي في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية دون تحويل تسييل الأصول إلى حل مُتكرر لأزمات السيولة".

هدفان متوازيان
في المحصلة، رجَّح المعهد أن "الإصلاح يسعى إلى تحقيق هدفين متوازيين". وقال: "الأول هو الفصل الشكلي بين جهاز مستقبل مصر ووزارة الدفاع، وإعادة تقديمه بصفته جهازا مدنيا خاصا أكثر ملاءمة للمستثمرين وعمليات الطرح في البورصة والشراكات الدولية".
وأضاف: "أما الثاني، فهو ضمان ألا يؤدي هذا الفصل إلى تقليص السيطرة الإستراتيجية، وذلك عبر نقل سلسلة القيادة مباشرة إلى مؤسسة الرئاسة ومنح الجهاز صلاحيات أوسع".
ووفقا لهذا التفسير، فإن "تحويل الجهاز إلى كيان مدني لا يعني بالضرورة تحرير الاقتصاد، بل يمثل إعادة صياغة قانونية لاقتصاد تقوده السلطة التنفيذية".
في هذا الإطار، يرى التقرير أن "إنشاء صندوق "نايل بيراميدز" وصندوق دعم يوحي بوجود توجه لدمج ثلاث وظائف غالبا ما تكون منفصلة داخل منظومة واحدة، وهي إدارة الأصول، والاستثمار السيادي، وإعادة التوزيع الاجتماعي".
ووفق تقييمه، "قد يهدف هذا الدمج إلى صياغة عقد سياسي واقتصادي جديد، بحيث تستخدم عوائد الأصول والشراكات في تمويل المشروعات الاجتماعية، بينما يقدم الجهاز نفسه بصفته محركا للتنمية وليس مجرد تكتل اقتصادي ضخم".
إلا أن المعهد يعتقد أن "استدامة هذا النموذج ستظل رهنا بالربحية الفعلية للأصول، والتمييز الواضح بين الأرباح والتحويلات المالية من الموازنة العامة، ونشر نتائج قابلة للتحقق والمراجعة".
وذكر أن هناك "فرضية أخرى تشير إلى أن الجهاز قد يتحول مستقبلا إلى القناة الرئيسة لإبرام الصفقات مع الصناديق السيادية الخليجية أو الشركاء الآسيويين، من خلال تقديم حزمة استثمارية متكاملة تشمل الأراضي والمناطق الاقتصادية والبنية التحتية والحصص الاستثمارية".
وبحسبه، "من شأن ذلك أن يزيد سرعة التفاوض لدى القاهرة، ويعزز قدرتها على استخدام الأصول كأداة لتحقيق أهدافها الاقتصادية والمالية".
ومع ذلك، لفت إلى أنه "لا توجد حتى الآن أدلة كافية لربط صندوق "نايل بيراميدز" باتفاقات بعينها، ولذلك ستتمثل المؤشرات الأهم التي ينبغي متابعتها في توقيع مذكرات تفاهم جديدة، أو نقل شركات مدرجة بالفعل ضمن برنامج التخارج إلى الصندوق، أو ظهور تداخل في الاختصاصات بينه وبين الصندوق السيادي المصري".
باختصار، "يمثل إصلاح جهاز مستقبل مصر اختبارا حقيقيا للاتجاه الذي سيسلكه النموذج الاقتصادي المصري".
وبحسب طرحه، "لا يمكن اختزال القضية في تصنيف الجهاز بصفته مؤسسة عسكرية أو مدنية؛ إذ نشأ في إطار عسكري، ويطرح اليوم بصفته جهازا مدنيا يعمل تحت إشراف رئيس الجمهورية، مع احتفاظه بدور يرتبط بالأمن القومي"، على حد تعبيره.
وتابع: "إن ما سيحدد تأثيره الاقتصادي والجيوسياسي فعليا هو الآليات التي سيقوم عليها: من ينقل الأصول إليه، ومن يتولى تقييمها، ومن يملك سلطة الموافقة على إنشاء المناطق، وما القواعد التي تحكم التعاقدات والمناقصات، وكيف ستنشر البيانات المالية، ومن يملك حق الطعن في القرارات".
وتوقع المعهد أن "يسهم هذا النموذج في تعزيز قدرة الدولة المؤسسية؛ إذ تحتاج مصر إلى تنسيق إدارة الأراضي والموارد المائية والخدمات اللوجستية والواردات ورأس المال في ظل بيئة تتعرض لصدمات متكررة".
واستدرك: "غير أن تعزيز قدرة الدولة لا يعني بالضرورة تركيز السلطات في جهة واحدة؛ فعندما تجمع مؤسسة واحدة بين ملكية الأصول وتنظيمها والاستثمار فيها، تصبح الثقة مرهونة بوجود آليات رقابة أكثر قوة، لا أقل".
ومن هذا المنطلق، نوه إلى أن "التعديل البرلماني المتعلق بالمناطق يمثل إشارة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لحسم مآلات الإصلاح؛ إذ ستتضح نقطة التحول الحقيقية من خلال اللوائح التنفيذية وأولى عمليات نقل الأصول".
وأضاف: "على المدى المتوسط، ستكشف أولى عمليات نقل الأصول ما إذا كان صندوق نايل بيراميدز سيؤدي دورا مكملا أم منافسا للصندوق السيادي المصري، وما إذا كانت المناطق الجديدة ستستقطب استثمارات إضافية أم ستعيد فقط توزيع المزايا القائمة.
"أما على المدى الطويل، ستقاس نتائج هذا النموذج بمؤشرات تشمل الإنتاجية الزراعية، وتكلفة الواردات، وكفاءة استخدام المياه، وحصة استثمارات القطاع الخاص، ومدى تراجع أو اتساع نطاق الالتزامات شبه المالية"، وفق ما أورده المعهد.
وحول المسارات المحتملة لمستقبل الجهاز بعد إدخال التعديلات الجديدة، يشدد المعهد على أن "العامل الحاسم يتمثل في كيفية الموازنة بين استقلالية جهاز مستقبل مصر وفعالية آليات الرقابة".
مؤكدا أن "مستوى تطبيق الرقابة على إنشاء المناطق وإدارة الأصول والصناديق والعقود، سيحدد ما إذا كانت المنظومة ستتجه نحو قدر أكبر من التنافسية والشفافية، أم نحو مزيد من تركيز الصلاحيات".
وفي السيناريو الأفضل، وبعد إقرار التعديلات، يرى المعهد أن الجهاز "قد ينجح في الحفاظ على مرونته التشغيلية مع تطبيق آليات رقابة فعالة وقابلة للتحقق".
وأردف: "وفي هذه الحالة، يتحول إلى مدير عام للأصول قادر على جذب رؤوس الأموال، مع الحفاظ على بيئة تنافسية وعدم إقصاء القطاع الخاص".
على النقيض، يفترض السيناريو الاسوأ أنه "رغم إقرار تعديلات البرلمان، تظل الإعفاءات الواسعة قائمة، بينما تبقى الرقابة الجوهرية محدودة، وفي هذه الحالة، تتركز الأصول والصناديق والصلاحيات التنظيمية في يد الجهاز، من دون مستوى كاف من الشفافية".
وفي سيناريو الاستقرار، "يُطبق القانون مع تفعيل رقابة انتقائية على بعض الجوانب دون غيرها، ويواصل الجهاز توسعه باعتباره تكتلا اقتصاديا تابعا للرئاسة، بينما تستمر مشاركة القطاع الخاص في الأساس عبر شراكات يجرى التفاوض عليها بصورة مباشرة".


















