اتفاقية مكة أمام اختبار الحوثيين.. لماذا تجنبت تركيا التدخل العسكري المباشر؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

وقعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/ آب 2026 "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، والتي نصت على عد أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، في إطار التزام بالدفاع الجماعي وتعزيز التعاون الأمني والعسكري بينها. 

وأشار مركز دراسات "جيوبوليتيكا.إنفو" الإيطالي أنه "في أعقاب الهجوم واسع النطاق الذي شنه الحوثيون ضد الرياض، حافظت أنقرة على سياسة حذرة، حيث أدانت تحركات المتمردين المقربين من إيران، لكنها تجنبت في الوقت نفسه التدخل المباشر في الصراع".

شرط أساسي

وأوضح التقرير أنه "رغم استهداف الحوثيين الأراضي السعودية مباشرة، وفرض حصار جوي وبحري على المملكة، ورغم كون تركيا طرفا رسميا في الحلف؛ فإنها لم تتدخل بشكل مباشر".

"وهو ما دفع عددا من المراقبين إلى الإشارة إلى أن الاتفاق -الذي يجمع ثلاث دول بينها خلافات إستراتيجية عميقة- يكشف منذ مراحله الأولى عن بعض مواطن الضعف"، على حد تعبيره.

في المقابل، ذكر التقرير أن "مسؤولا تركيا رفيع المستوى أوضح أن الحلف لم تصادق عليه الجمعية الوطنية الكبرى بعد (البرلمان)، وهو شرط أساسي لدخوله حيز التنفيذ فعليا".

في الوقت نفسه، أشار المركز إلى أنه "رغم قرار إنشاء أمانة للتحالف مقرها السعودية، لا تزال آليات التشاور المتبادل في مرحلة التطوير، ما يجعل التقييم المشترك للتهديدات، وكذلك تفعيل بند الدفاع الجماعي في الوقت المناسب وتنسيق أشكال المساعدة المختلفة، أمرا صعبا، على الأقل في المدى القصير".

علاوة على ذلك، نوه إلى أن "جيوش الدول الثلاث، التي تختلف بشكل كبير من حيث بنيتها وأولوياتها الإستراتيجية، ستحتاج إلى وقت لتطوير مستوى مناسب من قابلية التشغيل البيني".

وعليه، قدر المركز أن "الالتزام المنصوص عليه في بند الدفاع المستوحى من المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) يتعلق بتقديم المساعدة، ولا يعني بالضرورة اللجوء إلى القوة العسكرية".

ثلاثة عوامل

وبغض النظر عن المسائل المتعلقة ببند الدفاع الجماعي ومتانة هياكل المنظمة، عزا المركز "قرار تركيا عدم التدخل بشكل مباشر إلى ثلاثة عوامل هيكلية: العلاقات الإستراتيجية مع إيران، والحفاظ على جاهزيتها لتوسيع نفوذها في إفريقيا، والمرونة النسبية لسلاسل الإمداد التركية".

وفيما يتعلق بالعامل الأول، قال: "تمثل طهران شريكا أساسيا لأنقرة في مراقبة عملية حل حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، إذ قد يلجأ مسلحون معارضون لعملية السلام التي بدأت إلى الاحتماء عبر الحدود الإيرانية". 

ومن ثم، شدد على أن إيران "تؤدي دورا مهما في مراقبة الحدود والتصدي لعبور المسلحين والأسلحة".

يُضاف إلى ذلك أن طهران "أعلنت دعمها لمبادرة (تركيا خالية من الإرهاب)، معربة عن أملها في إقامة تعاون إقليمي بين تركيا وسوريا وإيران والعراق بهدف تفكيك حزب العمال الكردستاني وفروعه".

من جانب آخر، لفت إلى أن "طهران تشكل قوة موازنة إقليمية مهمة في مواجهة إسرائيل، التي تعد المنافس الإستراتيجي الرئيس لأنقرة في المنطقة".

"ويتمثل العامل الثاني في الحضور الإستراتيجي التركي في القرن الإفريقي"، قال التقرير.

وتابع: "فقد تؤدي القدرات العسكرية الكبيرة التي يمتلكها الحوثيون في البحر الأحمر إلى تعريض خطوط إمداد أنقرة المتجهة إلى الصومال للخطر".

وبحسب تقيمه، "من شأن الدخول في صراع مباشر مع الحوثي أن يضعف قدرة تركيا على بسط نفوذها في إحدى المناطق التي تحظى بأهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة إلى أنقرة".

وفسر حديثه: "فالقرن الإفريقي يمثل بوابة إلى المحيط الهندي، كما يشكل في الوقت نفسه منطقة ذات أهمية بالنسبة إلى تركيا فيما يتعلق بمشروعات التنقيب عن الطاقة".

على صعيد اقتصادي، أوضح المركز أنه "ورغم تنامي العلاقات مع السعودية تدريجيا، فإن سلاسل الإمداد التركية من مصادر الطاقة مستقلة إلى حد كبير عن مضيق باب المندب".

وأردف: "إذ تستورد أنقرة جزءا كبيرا من الوقود الأحفوري من روسيا وأذربيجان عبر ممرات برية".

واستطرد: "ورغم أن نشوب صراع في البحر الأحمر قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز والنفط عالميا، بما يؤثر سلبا في اقتصاد البلاد، فإن واردات الطاقة التركية معزولة نسبيا عن الصدمات النظامية المحتملة الناجمة عن أي إغلاق للمضيق".

سيناريوهات بديلة

في ضوء العوامل المذكورة أعلاه، يرى التقرير أن "احتمالات التدخل العسكري المباشر من جانب أنقرة محدودة للغاية، ما يفرض على الحكومة التركية تقييم خيارات بديلة".

وبحسب قراءته التحليلية، "يتمثل الخيار الأول في زيادة الإمدادات العسكرية إلى السعودية، مع احتمال نشر منظومات دفاعية على أراضيها".

ورغم اعتقاده بأن "هذا الخيار قد يتيح لتركيا زيادة نفوذها في المنطقة"، فإنه يحذر من "انطوائه على تحديات كبيرة على المستويين الإستراتيجي والعملياتي".

وتابع موضحا: "إذ قد يؤدي نشر أنظمة أسلحة تركية على الأراضي السعودية إلى زيادة التوترات مع إيران، التي قد تنظر إلى ذلك بعدّه تراجعا في قدرتها على الردع تجاه الرياض".

ووفقا له، "وبناء على هذه المعطيات، قد تفضل أنقرة تجنب نشر تلك المنظومات العسكرية، أو إقرار قيود صارمة على نطاقها وأهدافها".

وعلى المستوى العملياتي، ادعى التقرير أن "تركيا ورغم كونها من أبرز الأطراف في مجال الدفاع ضد الطائرات المسيرة، فإنها لا تزال تعاني أوجه قصور هيكلية مهمة في مجال الدفاع الجوي والصاروخي".

وزعم أن "أنقرة -خلال الصراع الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران- لم تتمكن من اعتراض الصواريخ الإيرانية، واضطرت إلى الاعتماد على بطاريات باتريوت المنتشرة في أضنة".

فضلا عن ذلك، أشار التقرير إلى أن "أنظمة الدفاع المحلية، ومن بينها ما يعرف باسم (القبة الفولاذية)، لاتزال في مرحلة التطوير، وستحتاج إلى وقت قبل أن تصل إلى قدرة تشغيلية كاملة".

أما الاحتمال الثاني، فيقدر أنه "قد يتمثل في تكثيف جهود الوساطة".

وقال: "استنادا إلى العلاقات الإيجابية نسبيا التي تربط أنقرة بطهران والرياض على حد سواء، قد تسعى تركيا إلى تشجيع الحوار بين الطرفين بهدف خفض حدة الأعمال العدائية، وربما المساعدة في التوصل إلى صيغة للتعايش السلمي".

وبحسب وجهة نظره، "من شأن هذا النهج أن يتيح لأنقرة تعزيز نفوذها الدبلوماسي من دون تحمل التكاليف الإستراتيجية المترتبة مباشرة على الانخراط العسكري".

في المحصلة، يرى المركز أن "تشكيل تحالف مكة مثّل نقطة تحول جزئية في السياسة الخارجية للدول المعنية، التي كانت تقليديا تحجم عن الانخراط في سياقات تنطوي على التزامات أمنية ملزمة".

ومن هنا، ينظر إلى هجوم الحوثيين على المملكة بوصفه "أول اختبار مهم للحلف، إذ أظهر في الوقت نفسه إمكاناته وأبرز التحديات التي يواجهها".

وتابع موضحا: "ففي حين جددت الدول الأعضاء تأكيد التزامها المتبادل، كشفت العملية عن مشكلات تتعلق بقابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة، وكذلك بالنطاق الفعلي لبند الدفاع الجماعي".

ومن ثم، خلص إلى أن "تحويل الحلف إلى تحالف يعمل بصورة كاملة سيتطلب بناء هياكل قوية للتنسيق، وتطوير آليات فعالة للتشاور، وزيادة كبيرة في قابلية التشغيل البيني بين أعضائه".

ومع ذلك، رجح أنه "حتى على المدى الطويل، لن تتمكن الالتزامات الناشئة عن الاتفاق من التأثير في السياسة الخارجية للدول المشاركة بدرجة تتجاوز تأثير المصالح الإستراتيجية الفردية لكل طرف".