الحوثيون وباب المندب في حسابات إيران.. 4 سيناريوهات لحرب اليمن

"المعضلة الحقيقية في الطرف الأقدر على تحمل ثمن هذا الاستنزاف لفترة أطول"
شهدت منطقة البحر الأحمر خلال الفترة الأخيرة تحولات عززت بشكل أكبر دور الحوثيين في نطاق باب المندب، ما أدخل المعادلات الأمنية في المنطقة مرحلة جديدة.
وفي هذا السياق، تساءل موقع "فرارو" الفارسي حول ما إذا كانت طهران تسعى إلى توسيع نطاق الضغط العسكري على الولايات المتحدة من مضيق هرمز إلى باب المندب، بما يمهد لفتح جبهة جديدة في مواجهة واشنطن.
أم أن ما يجري في جنوب البحر الأحمر يندرج ضمن مساعي إيران إلى امتلاك ورقة ضغط سياسية تستخدمها لزيادة كلفة استمرار الحرب.
في الوقت نفسه، يطرح تصاعد دور الحوثيين تساؤلات حول مدى استعدادهم لتحمل التكاليف المترتبة على توظيف النفوذ الإيراني على نطاق واسع.
وانطلاقا من هذه التساؤلات، حدد الموقع عددا من التقديرات الرئيسة التي ينبغي لطهران أخذها في الحسبان، مستعرضا أربعة سيناريوهات محتملة لمسار الصراع في اليمن.
وبحسب التقرير الفارسي، "تتضح أهمية التطورات الأخيرة عند النظر إلى مكانة باب المندب في معادلات التجارة والطاقة العالمية".
فهذا المضيق لا يمثّل مجرد ممر بحري، بل يعدّ أحد الشرايين الرئيسة التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
ومن ثمّ، فإن التقرير يرى أن "استمرار حالة عدم الاستقرار في محيطه يمكن أن تترتب عليه تداعيات تتجاوز النطاق الجغرافي للمنطقة".
وأوضح أنه "من بين التداعيات المحتملة في حال استمرار انعدام الأمن على هذا المسار، ارتفاع المخاطر التي تواجه السفن التجارية، وإطالة طرق النقل، وزيادة تكاليف التأمين، وصولا إلى فرض ضغوط على أسواق الطاقة".
"ولذلك، حتى في حال عدم امتلاك أي طرف القدرة على إغلاق باب المندب بالكامل، فإن مجرد خلق تهديد موثوق ومستدام يمكن أن يغير حسابات شركات الشحن ويرفع تكلفة العبور عبر هذا المسار". وفق تقييمه.

فرض التكلفة
وأشار التقرير إلى أن "بعض الروايات الإعلامية تنظر لوجود الحوثيين في جزر قريبة من باب المندب بوصفه مؤشرًا على سيطرة الجماعة على هذا الممر الإستراتيجي".
واستدرك: "إلا أن المعطيات المتاحة لا تسمح بتبني هذا الاستنتاج دون قدر من الحذر".
وعزا الموقع ذلك قائلا: "فثمة فارق كبير بين نشر قوات مسلحة في عدد من الجزر والسواحل المطلة على البحر الأحمر، وامتلاك القدرة اللازمة لفرض سيطرة مستدامة على ممر مائي دولي".
وبحسب وجهة نظره، "تتطلب مثل هذه السيطرة امتلاك شبكات للاستطلاع والمراقبة، وقدرات صاروخية وبحرية، وبنية تحتية لوجستية، وإمكانية مستمرة لتوفير القوات والمعدات، والأكثر أهمية من ذلك القدرة على التعامل مع رد فعل القوى الخارجية".
ومن هذا المنظور، يقدر أنه "لا يمكن تفسير مجرد وجود الحوثيين في بعض جزر البحر الأحمر على أنه سيطرة على باب المندب".
فضلا عن أنه "في الحروب الحديثة، لا يعني خلق أزمة واسعة بالضرورة إغلاق ممر إستراتيجي بشكل كامل".
وتابع موضحا: "ففي كثير من الحالات، يكفي أن يكون احتمال وقوع هجمات أو حدوث اضطرابات أمنية جديا وموثوقا إلى درجة تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها".
وبيّن الموقع أنه "في مثل هذه الظروف، يؤدي تجنب المرور عبر البحر الأحمر واللجوء إلى مسارات بديلة إلى إطالة زمن نقل البضائع، وزيادة استهلاك الوقود، ورفع تكاليف التأمين".
وأردف: "وبهذه الطريقة، يمكن حتى لتهديد عسكري محدود أن يترتب عليه تأثير اقتصادي يتجاوز بكثير نطاق ساحة الصراع".
بالنسبة لإيران، أوضح الموقع أنه "خلال السنوات الأخيرة، أظهرت طهران أنها لا تحصر نفسها في استخدام القدرات المباشرة عند مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية، بل تسعى في الوقت نفسه إلى إبقاء عدة ساحات للضغط نشطة في مناطق مختلفة".
في هذا السياق، ذكر أن "الخليج العربي ومضيق هرمز يعدان من أبرز هذه الساحات، فيما يمكن أن يتحول البحر الأحمر، ضمن الإطار نفسه، إلى ساحة أخرى لممارسة الضغط".
ووضع التقرير هذا النهج في إطار "الردع عبر فرض التكلفة"، أي إيجاد ظروف تجعل استمرار الضغط على إيران مصحوبا بتداعيات وتكاليف متزايدة بالنسبة إلى الطرف الآخر.
وبناء على ذلك، يعتقد أن "القيمة الإستراتيجية للبحر الأحمر بالنسبة إلى طهران لا تكمن في القدرة على فرض حصار كامل، وإنما في قدرته على توسيع نطاق الأزمة ونقل جزء من تكاليف الصراع إلى ساحات تتجاوز الخليج العربي".
ومن هنا، توقع الموقع أنه "إذا خلصت واشنطن إلى أن تصعيد الضغط على إيران قد يؤدي في الوقت نفسه لانتقال حالة عدم الاستقرار إلى عدة مسارات تجارية رئيسة، ورفع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط على الأسواق العالمية، وارتفاع تكلفة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، فمن الطبيعي أن تتغير حساباتها بشأن مواصلة الحرب ومستوى الضغط الذي يمكن تحمله".
ومع ذلك، نوه إلى أن "الاعتماد على هذه الإستراتيجية ينطوي على تناقض أساسي، فكلما اتسع نطاق التهديد الذي ينال حركة الشحن وإمدادات الطاقة على المستوى العالمي، زادت احتمالات أن يرى مزيد من الأطراف أنفسهم عرضة لهذا التهديد، وأن ينضموا ردا على ذلك إلى تحالف أوسع".
وانطلاقا من ذلك، شدد الموقع على أنه "في حال وظفت إيران والحوثي قدراتهما البحرية في باب المندب، فينبغي التمييز بين (زيادة التكلفة على الولايات المتحدة) و(تشكيل إجماع واسع ضدهما)".
بعبارة أخرى، "طالما بقي التهديد البحري في مستوى يمكن التحكم فيه، واقتصر بشكل أساسي على زيادة التكاليف التشغيلية والأمنية للولايات المتحدة، فإنه يمكن عدّه ورقة ضغط وتفاوض".
واستدرك: "لكن إذا أدّى هذا التهديد إلى اضطراب واسع في حركة التجارة العالمية، فقد تتغير المعادلة".
وفي مثل هذه الحالة، حذّر التقرير من أن "الدول الأوروبية والآسيوية التي لديها مصالح مباشرة وكبيرة في أمن خطوط الملاحة قد لا تكتفي بالوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، بل قد تدخل في مواجهة مع هذا التهديد دفاعا عن مصالحها الخاصة".
إدارة الأزمة
على صعيد آخر، طرح الموقع الفارسي “تساؤلا مهما بشأن الحوثيين أنفسهم: إلى أي مدى ستكون الجماعة مستعدة لتحمل تكلفة الاستخدام الواسع لمثل هذه الورقة؟”
وعزا ذلك إلى أنه "في نهاية المطاف، الحوثيون فاعل يمني، وله -إلى جانب علاقاته الإستراتيجية مع إيران- حساباته ومصالحه واعتباراته الداخلية الخاصة".
ومن ثم، لفت إلى أنه "لا يمكن إرجاع كل تحرك تقوم به الجماعة مباشرة إلى قرار صادر عن طهران دون بحث مستقل".
وفي المقابل، أكد أن "تجاهل العلاقة الإستراتيجية بين إيران والحوثي لا ينسجم أيضا مع المعطيات القائمة".
من هنا، رجح أن "تكون الحقيقة في نقطة تقع بين هذين التصورين؛ حيث يستفيد الحوثيون من الدعم والتنسيق الإستراتيجي مع إيران، وفي الوقت نفسه يتخذون قراراتهم استنادا إلى اعتباراتهم ومصالحهم الخاصة".
وثمة تحدٍّ آخر يبرز أمام قدرة إيران استخدام ورقة باب المندب؛ إذ يرى التقرير أنه "إذا أرادت طهران استخدام قدرات باب المندب كورقة لزيادة الضغط، فإن مجرد امتلاك القدرة على خلق أزمة لن يكون كافيا؛ إذ تتمثل المسألة الأساسية في القدرة على إدارة الأزمة التي يتم خلقها".
بعبارة أبسط، أشار الموقع إلى أن "هناك فرقا جوهريا بين (القدرة على خلق أزمة) و(القدرة على التحكم في تداعياتها)، وتعدّ الثانية أكثر صعوبة بكثير".
وفسر حديثه: "فقد يؤدي هجوم محدود إلى فرض تكاليف على الطرف الآخر من خلال زيادة مخاطر الشحن وارتفاع أسعار النفط، لكن إذا أسفر ردّ الولايات المتحدة وحلفائها عن شن عمليات واسعة ضد البنية التحتية للحوثي، فقد تأتي الحسابات الأولية لطهران بنتيجة عكسية".
وفي مثل هذه الظروف، لم يستبعد أن "تتحول ورقة الضغط التي كان يفترض أن تزيد تكلفة الضغط على إيران إلى عامل يؤدي في حد ذاته إلى تصعيد الضغط العسكري على طهران وحلفائها".
وتابع: "وإذا افترضنا أن طهران خلصت إلى أن تحقيق نصر سريع في الحرب غير ممكن، فقد يكون الهدف الأكثر واقعية بالنسبة إلى إيران، في هذه الحالة، ليس تحقيق نصر مباشر، وإنما منع الولايات المتحدة من تحقيق نصر حاسم".
"وفي هذا الإطار، قد يؤدي إطالة أمد الحرب وزيادة التكاليف التي تتحملها واشنطن للحفاظ على الضغط على طهران، تدريجيا، إلى التأثير في الحسابات الأميركية وزيادة احتمال تغيير نهجها". وفق تحليله.
في الوقت ذاته، نوه إلى أن "إستراتيجية الاستنزاف لن تكون فعالة إلا إذا كانت إيران قادرة أيضا على تحمل تكاليف الاستنزاف".
وعليه، "توضح هذه المسألة ضرورة توخي الحذر عند التعويل على إستراتيجية (كسب الوقت)؛ إذ إن الوقت، خلافا للاعتقاد الأولي، لا يعمل بالضرورة لصالح طرف واحد".
وأردف: "فبينما تراهن طهران على أن يؤدي استمرار الصراع إلى زيادة التكاليف السياسية والاقتصادية للحرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وتغيير الظروف السياسية الداخلية فيها، وتعميق الانقسامات القائمة في واشنطن، تتوقع أميركا في المقابل أن يؤدي استمرار الضغط إلى إنهاك مقومات الاقتصاد الإيراني وتقليص موارده المتاحة وإضعاف حلفائه تدريجيا".
واستطرد: "وبهذا، لا تكمن المعضلة الحقيقية فيمن يملك القدرة على إطالة أمد الحرب فحسب، بل في الطرف الأقدر على تحمل ثمن هذا الاستنزاف لفترة أطول".
استنزاف متبادل
بوجه عام، وضع الموقع الفارسي أربعة سيناريوهات محتملة فيما يتعلق بالتطورات في اليمن.
ويتمثل السيناريو الأول في "الردع البحري المحدود"، وفي هذا السيناريو "تستخدم طهران قدرات الحوثي لخلق تهديد منضبط ضد المصالح الأميركية، من دون أن يصل نطاق التحركات إلى مستوى يؤدي إلى اضطراب واسع في التجارة العالمية".
وبحسبه، "فإن الهدف الرئيس في هذا المسار هو زيادة التكاليف العسكرية والسياسية التي تتحملها الولايات المتحدة، مع تجنب تشكل تحالف واسع ضد إيران في الوقت نفسه".
ووفق تقديره، "يبدو هذا السيناريو أقل تكلفة من حيث إدارة الأزمة، إلا أن نجاحه يعتمد على قدرة طهران وأنصار الله على ضبط مستوى التوتر بدقة والحيلولة دون تجاوزه عتبة محددة".
وفي السيناريو الثاني الذي عنونه بـ"تصعيد التوتر في باب المندب"، يرى التقرير أن "نطاق الهجمات والتهديدات التي تستهدف حركة الشحن يتسع، ويتحول باب المندب إلى إحدى الساحات الرئيسة للحرب".
وأضاف: "تتمثل ميزة هذا النهج بالنسبة إلى إيران في إمكانية زيادة التكاليف التي تتحملها الولايات المتحدة بسرعة، وفرض ضغوط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية".
غير أنه لفت إلى أن "هذه الميزة نفسها قد تتحول إلى أبرز نقاط ضعف السيناريو؛ إذ إن اتساع نطاق التهديد الذي ينال الملاحة الدولية يزيد احتمالات التدخل المباشر من جانب قوى خارجية وتشكيل تحالف بحري أوسع، كما قد يجعل أنصار الله هدفا مباشرا للعمليات العسكرية".
وبين هذا وذلك، يبرز "سيناريو (الاستنزاف المتبادل)، وفي هذا المسار، لن تتمكن إيران ولا الولايات المتحدة من تحقيق نصر حاسم على المدى القصير، وستتجه الحرب نحو مواجهة استنزافية".
وبحسب التقرير، فإنه "في مثل هذه الظروف، سيتحول كل من مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب الاقتصاد والعقوبات والجبهات الإقليمية، إلى أدوات لممارسة الضغط المتبادل".
واستطرد: "هذا هو السيناريو الذي يضع إستراتيجية (كسب الوقت) التي تتبعها طهران أمام الاختبار الأكبر مقارنة بأي خيار آخر، إذ إن المسألة في حرب استنزاف لا تتعلق فقط بإطالة أمد الصراع، وإنما بمدى القدرة على تحمل تكاليفه مع مرور الوقت".
على النقيض من ذلك السيناريو، لم يستبعد الموقع الفارسي توصل الطرفين إلى "صفقة كبرى"، وقال: "في نهاية المطاف، قد يؤدي تزامن الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية المتزايدة إلى اقتناع الطرفين بأن تكلفة مواصلة الحرب تجاوزت المكاسب التي يمكن تحقيقها منها".
وتابع: "وفي مثل هذه الظروف، قد يتحول مضيق هرمز وباب المندب من أدوات للضغط العسكري إلى أوراق تفاوضية في المفاوضات".
وبالنسبة إلى طهران، يعتقد أن "هذا الخيار يخدم طهران شرط حفاظها على الجزء الأكبر من أوراق الضغط قبل الجلوس للطاولة، ودون السماح بتحييد هذه القدرات بالكامل خلال الحرب".
مؤشرات فعلية
في المجمل، يشدد التقرير على أن "التقديرات الرئيسة بالنسبة إلى طهران تتمثل في التمييز بين "التهديد باستخدام" الأدوات البحرية و"الاستخدام الفعلي" لها".
وأضاف: "ففي كثير من الحالات، يمكن لتهديد موثوق أن يحقق أثرا رادعا ملحوظا من دون فرض تكاليف باهظة، في حين أن الاستخدام الأقصى لهذه القدرات قد يؤدي إلى رد فعل أوسع من جانب الأطراف الإقليمية والدولية".
وأردف: "ثانيا، ينبغي تقييم إستراتيجية (كسب الوقت) استنادا إلى مؤشرات اقتصادية وعسكرية وسياسية فعلية، وليس فقط على أساس اقتراب موعد الانتخابات الأميركية".
وأرجع ذلك إلى أن "الانتخابات قد تؤثر في سلوك واشنطن وأولوياتها، لكنها لا تضمن في حدّ ذاتها تغير السياسة الأميركية تجاه إيران".
وعليه، يرى أنه "ينبغي لطهران افتراض أن الضغوط قد تستمر حتى بعد حدوث تغييرات سياسية في واشنطن".
علاوة على ذلك، أشار إلى أنه "يتعين على إيران الاستعداد لسيناريو حرب أطول بكثير من التقديرات الأولية، وألا تبني إستراتيجيتها على افتراض انهيار سريع للإرادة الأميركية".
ونوّه من أنه "إذا تمكّنت واشنطن من إدارة تكاليف الحرب والضغوط المترتبة عليها، فلن تكون إستراتيجية الاستنزاف التي تتبعها طهران فعالة إلا إذا امتلكت إيران أيضا القدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية اللازمة لتحمل فترة طويلة من الضغوط".
"وأخيرا، يتعين على طهران الحذر من أن يؤدي استخدام قدرات باب المندب إلى تشكيل تحالف دولي جديد ضد إيران". قال التقرير.
وأكمل: "تكمن الخطيئة الإستراتيجية الكبرى في تحويل ورقة إقليمية محدودة إلى أزمة واسعة توحد مصالح طيف عريض من القوى العالمية في مواجهة طهران".
واستطرد: "في مثل هذه الحالة، قد تتحوّل ورقة الضغط التي كان يفترض أن تزيد تكلفة الضغوط على طهران إلى عامل يؤدي إلى زيادة الضغوط على إيران نفسها".
















