مصر وروسيا في ممرات التجارة.. كيف تعيد الأزمات تشكيل الحسابات؟

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تدفع الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيقي هرمز وباب المندب الأسواق العالمية والفاعلين المحليين إلى إعادة ترتيب حساباتهم وتنويع مصادر الإمداد ومسارات التجارة؛ لتقليص تداعيات الاضطرابات والحفاظ على مواقعهم المحورية.

وفي ظل هذا المشهد، وبينما تخوض القوى المحلية الرئيسة مواجهات علنية، تتحرك قوى أخرى خلف الكواليس في الشرق الأوسط، بما يعيد رسم الدور الجيوسياسي لقناة السويس والبحر الأحمر، وبحسب “معهد تحليل العلاقات الدولية" الإيطالي فإن "القاهرة وموسكو تأتيان في مقدمة هذه القوى".

تنسيق متبادل

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن "الاتفاق الذي وقعته القاهرة وموسكو في مايو/ أيار 2025 لإنشاء منطقة صناعية روسية داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة لقناة السويس، يمثّل إحدى الركائز الإستراتيجية الرئيسة لتعزيز التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين".

وبموجب الاتفاق، حصلت روسيا على حق الانتفاع بمنطقتين محددتين ضمن نطاق قناة السويس لمدة 49 عاما. 

وتقع المنطقة الأولى، التي تبلغ مساحتها نحو مليون متر مربع، على بُعد بضعة كيلومترات شرق بورسعيد، بالقرب من البحر المتوسط.

"فيما تقع المنطقة الثانية في العين السخنة على البحر الأحمر، وتمتد على مساحة 500 ألف متر مربع غرب قناة السويس، وبذلك، تتوزع المنطقتان على ضفتي القناة". وفقا للمعهد.

إلى جانب ذلك، "تحصل المنتجات المصنعة التي تتجاوز نسبة المكون المحلي فيها 30 بالمئة على صفة (صنع في مصر)، ما يتيح تصديرها دون رسوم جمركية إلى عشرات الدول، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها مصر".

كما نص الاتفاق على إعفاء المستثمرين من إيجار الأراضي لمدة ثلاث سنوات، بما يتيح استكمال أعمال بناء المصانع، فضلا عن إعفاء الآلات المستوردة من الرسوم الجمركية، وإعفاء مكونات الإنتاج المشتراة من ضريبة القيمة المضافة، ورد 50 بالمئة من ضريبة الأرباح خلال السنوات السبع الأولى.

وبحسب التقرير، "من المتوقع أن تدخل المنطقة حيز التشغيل بحلول عام 2030، وأن تولد استثمارات تقدر بنحو 7 مليارات دولار، إلى جانب توفير نحو 35 ألف فرصة عمل".

وتابع: "وفي الآونة الأخيرة، أعلنت موسكو اختيار صندوق كريستال روستا الروسي لتنفيذ الاستثمارات في المنطقة، فيما أكدت الحكومة المصرية إمكانية البدء في تنفيذ الاستثمارات الأولى".

آفاق قاتمة

وتناول المعهد دوافع التقارب بين القاهرة وموسكو، موضحا أن "مصر تمر بمرحلة ممتدة من الهشاشة، تتسم باختلال التوازنات الداخلية، والاضطراب الإستراتيجي، وأزمة اقتصادية هيكلية".

ووفقا له، "زادت هذه الهشاشة حدة بفعل تداعيات سنوات من الإنفاق العام غير المنضبط والاعتماد على الواردات التي تفاقمت بفعل الحروب في أوكرانيا وغزة واليمن".

وتابع: "بلغت الخسائر المالية الناجمة عن هذه التطورات نحو 7 مليارات دولار عام 2024 وحده، بالتزامن مع تراجع حركة العبور في قناة السويس بنسبة 34 بالمئة والانخفاض الحاد في عائدات السياحة".

في الوقت ذاته، أشار التقرير إلى أن "الموازنة العامة تتحمل أيضا أعباء الاستثمارات الضخمة في العاصمة الإدارية الجديدة، التي تتولى إدارتها كيانات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، التي تمثل مركز الثقل الحقيقي للسلطة في البلاد".

وأردف: "وفي محاولة للحد من التضخم، خفضت الحكومة الدعم الحكومي، ما زاد من الضغوط على السكان؛ إذ يعيش 60 بالمئة منهم تحت خط الفقر، فيما تبلغ نسبة الفقر المدقع 33 بالمئة".

في المقابل، أوضح المعهد أن "هذه الظروف جعلت رؤوس الأموال الأجنبية، سواء في شكل قروض دولية أو استثمارات في البنية التحتية، أداة دبلوماسية بالغة الأهمية، وأتاحت للقاهرة أداء دور حلقة وصل بين الغرب وممالك الخليج التي تشكل منذ عقود مصدرا رئيسا للتمويل بالنسبة إلى مصر".

واستدرك: "إلا أن الصراع في غزة قلب موازين القوى الإقليمية رأسا على عقب، مما قلص دور مصر التقليدي كوسيط، وزاد من حدة التوترات على طول الحدود الشرقية".

وبحسب المعهد، "لا تقتصر الضغوط على الجبهة الشرقية، بل تمتد أيضا إلى الحدود الأخرى؛ ففي الغرب تواجه القاهرة هشاشة الوضع في ليبيا، بينما تواجه في الجنوب تداعيات الحرب الأهلية السودانية المدمرة، وهكذا وجدت مصر نفسها محاطة بما يشبه (حلقة نار)".

في موازاة ذلك، ذكر المعهد أن "التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران زاد من الضغوط على الاقتصاد المصري، بعدما أدى إلى إغلاق مضيق هرمز وتكرار إغلاق باب المندب".

ووفقا له، "أدى هذا التصعيد إلى تجميد مسار الانفراج الدبلوماسي الذي بدأ بين القاهرة وطهران، بعد قطيعة ثنائية استمرت منذ عام 1979، وهو تقارب شجعه انضمام البلدين إلى مجموعة بريكس، وكان يستهدف استعادة الدور المحوري لمصر".

تنويع الشركاء

وفي هذا السياق، يعتقد المعهد أن القاهرة "تستفيد من قنوات التواصل التي أعادت فتحها مع تركيا، في إطار الحوار الرباعي السني (تركيا-باكستان-السعودية-مصر)، ومن تحالفها مع روسيا؛ لإبداء استيائها من شركائها الخليجيين ومن واشنطن التي تتهمها بالتساهل تجاه النهج الإسرائيلي العدائي".

ومن هنا، لفت إلى أنه "لم يكن من قبيل المصادفة أنه في مواجهة الهجمات الصاروخية الإيرانية على ممالك الخليج، امتنعت القاهرة عن نشر قدراتها العسكرية، التي لا تزال تعد الأضخم في العالم العربي، ما أثار إحباطا عميقا لدى السلطات الإماراتية".

وبعيدا عن الاعتراضات الدبلوماسية، يقدر التقرير أن "آفاق القاهرة تبدو قاتمة"، وعزا ذلك إلى "استهداف طائرة مسيرة ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط، بما يعكس بوضوح مدى تعرض مصر لخطر الانجرار إلى ساحة الحرب بفعل أطراف أخرى".

أما على صعيد العلاقات مع دول الخليج المنتجة للنفط، فيقدر أنه "ينبغي الأخذ في الحسبان أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تستضيف استثمارات خليجية ضخمة، في مقدمتها الاستثمارات السعودية".

وعلاوة على ذلك، "جرى تحويل كميات متزايدة من النفط الخام والبضائع السعودية شمالا عبر البحر الأحمر باتجاه قناة السويس وخط أنابيب سوميد، رغم ارتفاع تكلفة هذا المسار".

ومن ثم، خلص إلى أنه "يصعب على الحكومة المصرية قطع علاقاتها بمحاورها التقليدية التي تستند إليها".

وفي المقابل، ينظر المعهد إلى انضمام القاهرة إلى "التحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري"، الذي تقوده الرياض لمواجهة الحوثيين، بوصفه "تأكيدا على رغبتها في الحفاظ على حضورها في نطاقها الإستراتيجي التقليدي".

واستدرك: "غير أن هذا الالتزام المتجدد يهدف في الواقع إلى احتواء المحور الصاعد الذي يضمّ أديس أبابا وأبوظبي وتل أبيب، والذي تعدّه مصر تهديدا وجوديا، لا سيما في ظل الدعم الإماراتي والإسرائيلي للمطالب الإثيوبية المتعلقة بالمياه في قضية سد النهضة المتنازع عليه".

وما يؤكد أن الأمر يتعلق فقط باحتواء المحور الصاعد بين الدول الثلاث، أن القاهرة -وفق المعهد- "لم تحسم بعد قرارها بشأن الانضمام إلى اتفاق الدفاع التركي السعودي الباكستاني الأخير الذي أبرم في مكة".

الأمر الذي عدّه "يعكس استمرار تحفظ مصر إزاء الالتزامات العسكرية الدائمة، وإن كان انضمامها إلى الاتفاق مستقبلا يظل أمرا غير مستبعد".

في المحصلة، يقدر التقرير أن "أولوية القاهرة ستظل تحقيق الاستقرار في محيطها القريب، مع السعي إلى تنويع شركائها إلى أقصى حد ممكن، وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة".

مسار بديل

"أما بالنسبة إلى روسيا التي لا تتأثر جغرافيا بالتوترات المباشرة في منطقة الخليج، فإن أولوياتها تسير في اتجاه مختلف"، قال المعهد.

وأكمل: "ففي المشهد الإقليمي، تراجعت موسكو عن لعب دور محوري نتيجة انخراطها العسكري والسياسي في جبهات متعددة، وهو ما تجلى في عدم تقديمها الدعم لحكومة بشار الأسد، وصولا إلى سقوطها في نهاية عام 2024".

وتابع: "ورغم استنزاف الحرب في أوكرانيا جزءا كبيرا من الموارد البشرية والمادية الروسية، فإن الكرملين لا ينوي التخلي عن طموحه في الحفاظ على حضوره العالمي".

وفي هذا الإطار، رأى التقرير أن "النشاط الروسي المكثف والمكلف في منطقة الساحل يؤكد الأهمية المركزية التي تحظى بها القارة الإفريقية في العقيدة الروسية".

ووفق رأيه، "سعت موسكو في البداية إلى الالتفاف على الضغوط الغربية عبر التوجه جنوبا، مستفيدة من تنامي المشاعر المناهضة للغرب في شمال إفريقيا، إلا أن إستراتيجيتها تحولت خلال السنوات الأخيرة نحو السيطرة على مناجم الذهب والمعادن النادرة ومصادر الطاقة واستغلالها عبر كيانات حكومية."

في الوقت نفسه، نوه المعهد إلى أن "التمدد العسكري الروسي كشف عن حدوده الهيكلية، في أعقاب الهزائم القاسية التي تكبدتها القوات الروسية على يد المتمردين الطوارق في شمال مالي".

ومع ذلك، يعتقد أن "الجولة الدبلوماسية الأخيرة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في المنطقة تؤكد أن موسكو ماضية في توسيع حضورها في إفريقيا".

وفي هذا السياق، يرى المعهد أن "الحضور الذي نجحت روسيا في ترسيخه بمنطقة قناة السويس يوفر لموسكو موطئ قدم إستراتيجيا بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويتيح لها الوصول إلى أحد أهم الممرات التجارية في العالم، مقابل تكلفة أمنية محدودة".

"ومن ثم، تبرز هذه المنطقة بوصفها مركزا لوجستيا بالغ الأهمية يمكن لروسيا من خلاله تنظيم مسارات بديلة للالتفاف على العقوبات الدولية، وتسهيل تصدير السلع الصناعية إلى الأسواق الناشئة"، وفقا له.

ومن هذا المنطلق، لا يستغرب المعهد أن "تكون مصر قد أُشير إليها مرارا بوصفها نقطة عبور لشحنات الأسطول الروسي الخفي".

وبعيدا عن المكاسب الاقتصادية، لفت التقرير إلى أن الكرملين "قد يحقق أيضا مكاسب على المستويين الدبلوماسي والأمني".

ومن هنا، لا يستبعد التقرير أن "يفتح تنامي الحضور الروسي في المنطقة الطريق أمام استئناف المفاوضات مع المجلس العسكري الحاكم في الخرطوم بشأن إنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان، وهو ملف ظل مجمدا منذ الإطاحة بعمر البشير عام 2019، ثم اندلاع الحرب الأهلية عام 2023".

فضلا عن ذلك، "قد تتمكن موسكو من انتزاع دور لها كوسيط في بؤرة التوتر الإقليمية الناشئة بين محور مقديشو-القاهرة-أنقرة-الرياض وكتلة أديس أبابا-أبوظبي-تل أبيب، وهو استقطاب تفاقم بفعل احتمال اتساع نطاق الاعتراف الدولي بأرض الصومال".

وعقّب المعهد قائلا: "تسعى موسكو، مستفيدة من تردد واشنطن وإحجامها عن الانحياز علنا إلى أي من الطرفين، إلى استثمار نافذة فرصة جيوسياسية نادرة".

واستنادا إلى ما سبق، خلص التقرير إلى أن "التنسيق المتبادل بين القاهرة وموسكو في منطقة قناة السويس يعكس تباين المصالح والأدوار والمواقف بين الطرفين، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة".